مستحبّات الكنية وتعارضها مع كُنى الأئمّة “ع”!!

#روى الكليني في باب البرّ بالوالدين بإسناده موثّقاً عند جلّهم عن الصّادق “ع” القول: «من السُنّة والبرّ أن يكنّى الرجل باسم أبيه» [الكافي: ج3، ص414]، وحيث إنّ الظّاهر الأوّليّ للرّواية يخالف كثير من الكُنى المعروفة للأئمّة “ع” وعموم المؤمنين تكلّف المحدّثون مهمّة تفسيرها أو تأويلها فجاءت احتمالات ثلاثة:
#الأوّل: أن تُقرأ الرّواية بصيغة المعلوم بمعنى: إنّ من السُنّة النبويّة والبرّ بالوالدين أنّ يكنّي الرّجل ولده باسم أبيه؛ فإذا كان اسم ابيه محمداً كنّاه بأبي محمد مثلاً، أو تكون التكنية هنا شاملة للتسمية أيضاً.
#الثّاني: أن تُقرأ الرّواية بصيغة المعلوم أيضاً بمعنى: إنّ من السُنّة والبرّ بالوالدين أن يكنّي الرّجل نفسه باسم أبيه؛ فإنّ ذلك من برّه بأبيه.
#الثّالث: أن تُقرأ الرّواية بصيغة المجهول بمعنى: أنّ من السُنّة النّبويّة والبرّ بالنّاس أن يُكنِي المتكلّمُ الرجلَ باسم أبيه بأن يقول له: ابن فلان، فإذا كان اسم والده عليّاً يقول له ابن عليّ؛ وذلك لأنّه تعظيم وتكريم للوالد بنسبة ولده إليه.
وحين مراجعة بعض نسخ الكافي المخطوطة نجدها احتوت على مفردة “ابنه” بدل مفردة “أبيه” بتصحيف حرف واحد فقط؛ فتكون الرّواية بالنّحو التّالي: «من السُنّة والبرّ أن يُكنّى الرجل باسم أبنه»، وقد ادرج المحدّثون هذه القراءة للرّواية في سياق الاحتمال الثّالث الآنف الذّكر ببيان: أنّ من السُنّة والبرّ بالنّاس أن يُكنّى الرّجل باسم ابنه؛ لأن ذكر الاسم خلاف التّعظيم خصوصاً مع حضور المُسمّى. لكنّهم نصّوا على إن الاحتمال الثّالث بقراءتيه لا ينسجم مع ادراج الكليني لهذه الرّواية في باب البرّ بالوالدين، والأنسب حينذاك أن نضعها في باب البرّ بالمؤمن مطلقاً، نعم سيكون برّ الوالدين داخلاً في عمومها. [الوافي: ج5، ص501؛ مرآة العقول: ج8، ص427].
#أقول: من المحتمل جدّاً إنّ ما في بعض نسخ الكافي من مفردة “ابنه” هو الصّحيح، وهو الّذي اعتمده المحدّث البحراني في حدائقه والحرّ العاملي في وسائله أيضاً بل ادرجها الأخير وغيره في باب حمل نفس العنوان ؛ وهذا هو المنسجم مع كنى الأئمّة “ع” وأعراف وعادات النّاس أيضاً، #نعم تعارف النّاس على تكنية بعض الاسماء ببعض جرّاء مناسبات مذهبيّة أو عرفيّة معينة، وهذا شيء آخر ليس له علاقة بأصل السُنّة المشار إليها في الرّواية، وكان على المحدّثين أن يخطؤوا ادراج الكليني لها في هذا الباب لا أن ينسب الخطأ لعموم الأئمّة وفقهاء وخُلّص أصحابهم حيث خالفوا السُنّة والبرّ بوالديهم حينما تكنّى معظمهم باسماء أولادهم، ولكن يبقى السّؤال قائماً:
#إذا كان الإمام يعلم إنّ ولده الّذي تكنّيه النّاس به انسياقاً مع السُنّة النبويّة الّتي حثّ هو على الالتزام بها سينحرف ويضل النّاس من بعده ويفرّقهم شيعاً فهل ينبغي له إقرار وتداول هذه الكنية لإعطاء إيحاء إيجابي ولو جزئي تجاهه، أم ينبغي عليه إنكار المنكر والحيلولة دون ذلك والتّكني باسم خليفته الرّسمي وفقاً للصياغة الشّيعيّة المتداولة؟! #أو لا هذا ولا ذاك، ولكنّ: الانحراف الّذي وصف الولد به هو انحراف متأتٍ من تجاذبات بعديّة لاحقة، خلقتها جهود المتكلّمين والمحدّثين ونُحتت شواهد في سبيلها؟! قليل من التّفكير مع قراءة مقالاتنا السّابقة ستكشف لك الحقيقة، وعليكم ترقّب المزيد.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...