مرجعيّة فضل الله بين الواقع والطّموح!!

8 يوليو 2019
66
ميثاق العسر

#تسع سنوات مرّت على ذكرى رحيل المرجع الدّيني الّلبناني المرحوم محمّد حسين فضل الله، وبفقده خسر العالم الإسلامي عموماً والإثنا عشريّ خصوصاً رجلاً حركيّاً إصلاحيّاً مخلصاً كان له حضور شاخص في ميادين التّوعية ونشر الإسلام المتقدّم في صفوف الأمّة، وقد كان يغذّي الشّباب الواعي بقلمه وكتاباته فترة طويلة، فلله درّه وعليه أجره. #وما أن شعر […]


#تسع سنوات مرّت على ذكرى رحيل المرجع الدّيني الّلبناني المرحوم محمّد حسين فضل الله، وبفقده خسر العالم الإسلامي عموماً والإثنا عشريّ خصوصاً رجلاً حركيّاً إصلاحيّاً مخلصاً كان له حضور شاخص في ميادين التّوعية ونشر الإسلام المتقدّم في صفوف الأمّة، وقد كان يغذّي الشّباب الواعي بقلمه وكتاباته فترة طويلة، فلله درّه وعليه أجره.
#وما أن شعر “رحمه الله” بضرورة تصدّيه للمرجعيّة وعودة النّاس إليه في شأن أموالهم ويوميّاتهم حتّى شعر وكلاء “شيّاب” المراجع في الخليج بالخطر الكبير، وساعدهم على ذلك بعض أبناء جلدته في لبنان؛ فنقّحوا موضوع تسقيطه لموكِّليهم في قم؛ فصدرت فتاوى التّضليل ونفي الاجتهاد والانحراف، واصطفّت خلفها العمائم السّوداء والبيضاء من الطّبقات الثّانية والثّالثة وغيرها، وتوسّعت وتطوّرت واحتدّت بشكل كبير جدّاً في تسعينات القرن المنصرم.
#لكنّ سقوط النّظام في العراق عام: “٢٠٠٣م” خفّف حدّة ووقع الأزمات ضدّه كثيراً؛ حيث انشغل أهل السّلطة بغنائمهم، وأهل ما يُسمّى بالشّعائر بشعائرهم، وتسيّدت مرجعيّة السّيستاني النّجفيّة على المشهد الإعلاميّ باتّزانها وحيادها المنضبط في هذا الباب، وهكذا لتختفي أو تقلّ أصوات النّشاز شيئاً فشيئاً، حتّى مات المرحوم التّبريزي رأس الحربة في هذا الصّراعات، ومات المرحوم فضل الله بعد ذلك، لينتهي شخصه وتبقى آراؤه وإثاراته يلوكها من كان في صفّ أعدائه في تلك السّنين.
#وكيف كان؛ فلا نريد أن نعيد سجلّ تلك الأحداث المعروفة، لكنّ ما نتمنّاه على أنصاره ومحبّيه الاستماع إلى ملاحظاتنا الجادّة في تقييم مرجعيّته “رحمه الله” وما آلت إليه الأمور، تقييم يصدر من قلم ليس له علاقة ولا ناقة بهذا أو ذاك، ويُملي ما يراه بمنطق الحياد؛ فلعلّهم بذلك يُعيدوا النّظر في حساباتهم وتصوّراتهم، ويُعطوا كلّ ذي حقّ حقّه، والله الموفّق لسبيل الصّواب:
#أوّلاً: كان “رحمه الله” يطرح بعض الإثارات العقائديّة والفتاوى الفقهيّة المحقّة والجادّة، لكنّه لم يكن موفّقاً في البرهنة عليها بطريقة صناعيّة عميقة ومنقّطة؛ كي يُغلق الطّريق أمام أعدائه والمتربّصين به من داخل الحوزة ممّن يتوهّم أنّ الاجتهاد وأدواته في جيبه فقط، وبذلك فتح ثغرة كبيرة جدّاً استغلّها كلّ من هبّ ودبّ لمهاجمته وتسقيطه، وفتح الباب واسعاً أمام التّشكيك باجتهاده على مصراعيه.
#ثانياً: لم يوفّق “رحمه الله” رغم الإمكانيّات الماليّة الضّخمة الّتي كانت تحت يده أن يُربّي طلّاباً لهم وزن ثبوتي وإثباتي قادرين على إكمال مشروعه بطريقة علميّة متقنة ومن دون وضع قدم هنا وأقدام هناك، كما لم يوفّق في طرح وبناء وبلورة أفكار فقهيّة أو أصوليّة أو رجاليّة معمّقة لكي يتمكّن من يدافع عنه من الاستناد إليها وترويجها، وهو أمر أغلق الباب على مرجعيّته من الدّخول إلى الأوساط الحوزويّة بالكامل.
#ثالثاً: إذا أردنا أن نتحدّث بمنطق واقعي برغماتي، بعيداً عن المنطق المثاليّ المخادع، فإنّ سماحته لم يوفّق لفهم آليّات صناعة المرجعيّة في الواقع الحوزويّ؛ فقد عاصر المرحوم أبو الحسن الأصفهاني قامات علميّة كبيرة كانت أولى بالمرجعيّة منه بمرّات عديدة، لكنّه استطاع عن طريق مؤهّلات شخصيّة عديدة أبرزها المال أن يفرض مرجعيّته ويجعلها العليا على الطّائفة الإثني عشريّة، ومن هنا نُقل عنه قوله: “أمنح المال لفريقين، فريق أمنحه لكي يُمسك يديّ، وفريق أمنحه لئلّا يعيق قدمي”، لكنّ المؤسف إنّ المرحوم فضل الله كان قابضاً يده إلى عنقه في هذا الموضوع بشكل شديد ومجحف مهما برّرت الدّوائر المحيطة به ذلك بعناوين المبادئ والقيم والمثاليّات، الأمر الّذي لم يوفّقه في تجاوز العقبات الكثيرة الّتي وضعت أمامه.
#رابعاً: لقد كان التصاق حزب الدّعوة الإسلاميّة العراقي به خطأً استراتيجيّاً بالنّسبة له وللحزب أيضاً، وكان المفترض به “رحمه الله” أن يبقى على مسافة واحدة من الجميع، خصوصاً وإنّ الأخوة في الحزب لم يكن لديهم حضور حوزويّ عميق يستطيعون من خلاله تمرير مرجعيّته في الأوساط الحوزويّة ولا قواعد جماهيريّة كبيرة حينها أيضاً، فضلاً عن عدم وجود أفكار له مصاغة بطريقة صناعيّة مبرهنة كما نوّهنا آنفاً، وهكذا لاحظنا أن الحزب تعامل مع المرحوم بطريقة مرحليّة بمجرّد أن شعر إنّ السّاحة في العراق ليست له.
#خامساً: مهما كانت مبرّراته ومسوّغاته ودواعيه “رحمه الله” إلّا أن عمليّة توريث أبنائه جميع مؤسّساته ومبرّاته…إلخ تُعدّ طعنة مؤلمة جدّاً للمشروع الإصلاحيّ الّذي كان يحمله؛ حيث لم نشهد عمليّات كسر الختم ولا جرد للحسابات، والّتي يُفترض أن تكون أساساً من أساسات المرجعيّات المخلصة والإصلاحيّة، كما أنّ انشغال اولاده “حفظهم الله” بأشياء ثانويّة وعدم مواصلة درسهم ولو من خلال حضور درس بعض المراجع الّذين لم يكن لهم موقف سلبيّ واضح من أبيهم، يُعدّ عقبة كؤوداً أخرى أتمنّى عليهم أن يسعوا جاهدين لإزاحتها؛ إذ ليس من الصّحيح أن يبقى ارتباط مقلّدي والدهم بهم منحصراً بمسألة الهلال والاستمراريّة الماليّة لمؤسّساته ومبرّاته.
#اكتفي بهذا المقدار من السّطور العاجلة واستغفر الله لي ولكلّ من قرأها بعناية وعمق، وتغمّد الله المرحوم محمّد حسين فضل الله برحمته، وغفر لجميع المراجع الّذين وقفوا ضدّه، ونسأله تعالى أن لا يوفّر أرضية تكرار هذه المشاهد المؤلمة في واقعنا الإثني عشريّ والإسلاميّ، إنّه وليّ حميد، وهو دائماً من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...