مذهب الصّدوق الكلامي وتصرّفه بالنّصوص الرّوائيّة!!

22 يونيو 2018
1008
ميثاق العسر

#شكّلت إشكاليّة الجبر والتّفويض صراعاً كلاميّاً عميقاً وعقيماً بين أعيان وأئمّة الطّوائف والفرق الإسلاميّة والشّيعيّة في القرن الثّاني الهجري فما بعد، وقد كان للنّصوص المذبذبة المرويّة عن أئمّة أهل البيت “ع” دور إشعال هذا الصّراع في أوساط مواليهم “ع”، وقد رسا الموقف الكلاميّ الإثنا عشريّ على ما يُصطلح عليه بنظريّة الأمر بين الأمرين والّتي ساهمت […]


#شكّلت إشكاليّة الجبر والتّفويض صراعاً كلاميّاً عميقاً وعقيماً بين أعيان وأئمّة الطّوائف والفرق الإسلاميّة والشّيعيّة في القرن الثّاني الهجري فما بعد، وقد كان للنّصوص المذبذبة المرويّة عن أئمّة أهل البيت “ع” دور إشعال هذا الصّراع في أوساط مواليهم “ع”، وقد رسا الموقف الكلاميّ الإثنا عشريّ على ما يُصطلح عليه بنظريّة الأمر بين الأمرين والّتي ساهمت جهود متكلّمي وفلاسفة وأصوليّي المذهب في تطويرها وتعميقها صناعيّاً قدر المستطاع، وهي في ظاهرها محاولة لإمساك العصا من الوسط؛ فتُعطي للعبد دوراً لا يفقد اختياره من خلاله وتُعطي للرّب دوراً لا يفقد خالقيّته من خلاله، ولا شكّ إنّ هناك مزيداً من الأسئلة المُقلقة الّتي بقيت عالقة في هذا المبحث لم تسطع هذه النّظريّة الإجابة عليها، ولعلّ تجلّياتها الواضحة تتمظهر في مبحث الطّلب والإرادة من علم أصول الفقه الحوزويّ المعاصر، ودارسو هذا العلم يستحضرون استشهاد المرحوم محمّد كاظم الخراساني ـ صاحب كفاية الأصول ـ لعجزه بعجز بيت الشّاعر الغزليّ الإيراني أفضل الدّين الخاقاني: وصل القلم إلى هنا وانكسر سنانه!
#وكيف كان؛ فقد كانت السّطور الآنفة ضروريّة لوضع المتابع في سياق هذا البحوث؛ باعتبارنا عازمون على تعزيز مدّعانا النّاصّ على عدم انبغاء الاعتماد على تفرّدات المرحوم الصّدوق الرّوائيّة بمعنى إسقاط وثاقته في هذا الخصوص؛ وذلك لأنّه كان يتصرّف في بعض النّصوص حذفاً وإضافةً وتطبيقاً وفقاً لخلفيّاته الآيدلوجيّة ومرتكزاته العقائديّة وفهمه أيضاً، وهذا المقدار من التّصرّف يُعدّ خلاف الأمانة العلميّة، ويجعل تفرّداته أقرب لاجتهاداته من كونها نصوصاً روائيّة. وقد سردنا مجموعة شواهد موثّقة فيما تقدّم من بحوث، أمّا اليوم فسنتوقّف مع شاهد مثير آخر.
#روى الكليني عن شيخه عليّ بن محمّد المعروف بعلّان، مرفوعاً عن شعيب العقرقوفي عن أبي بصير إنّه قال: كنت بين يدي أبي عبد الله [الصّادق] “ع” جالساً وقد سأله سائل فقال: جعلت فداك يا ابن رسول الله من أين لحق الشّقاء أهل المعصية حتّى حكم الله لهم في علمه بالعذاب على عملهم؟! فقال أبو عبد الله [الصّادق] “ع”: أيّها السّائل حُكْمُ الله عزّ وجلّ لا يقوم له أحد من خلقه بحقّه، فلمّا حكم بذلك وهب لأهل محبّته القوّة على معرفته، ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هو أهله، ووهب لأهل المعصية القوّة على معصيتهم؛ لسبق علمه فيهم، ومنعهم إطاقة القبول منه، فوافقوا ما سبق لهم في علمه، ولم يقدروا أن يأتوا حالاً تنجيهم من عذابه؛ لأنّ علمه أولى بحقيقة التّصديق، وهو معنى شاء ما شاء، وهو سرّه» [الكافي: ج1، ص153].
#ومن الواضح والجليّ إنّ ظاهر الرّواية أعلاه يشير إلى فقدان العباد الحريّة في ممارساتهم وفعالهم انسياقاً مع حاكميّة العلم الإلهيّ القبليّ عليهم، وبالتّالي فليس أمام المناهضين لهذه الفكرة والمؤمنين بالعدالة الإلهيّة والحريّة من الإماميّة الإثني عشريّة إلّا أن يمارسوا التّأويل التّعسّفي لها كما فعل بعضهم، أو يردّوا علمها إلى أهلها كما فعل آخرون، لكنّ المرحوم الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” سلك مسلكاً آخر؛ إذ قام بتعديل الرّواية والتّصرّف فيها ومواءمتها مع المبنى المختار لديه في العدل الإلهي، فعمد إلى إعمال تصرّفات وتغيرات كبيرة جدّاً في الرّواية أهمّها ما يلي:
#أوّلاً: غيّر تعبير “حُكْمُ الله عزّ وجلّ لا يقوم له أحد من خلقه”، إلى: “عَلِمَ الله عزّ وجلّ ألّا يقوم أحد من خلقه بحقّه”.
#وثانياً: غيّر “منعهم إطاقة القبول منه”، إلى: “ولم يمنعهم إطاقة القبول منه”.
#وثالثاً: غيّر “ولم يقدروا أن يأتوا حالاً تنجيهم من عذابه”، إلى: “وإن قدروا أن يأتواخلالاً تُنجيهم عن معصيته”.
#ورابعاً: استبدل مكان تعليل: “لأنّ علمه أولى بحقيقة التّصديق” من كونه تعليلاً لتطابق عمل أهل المعصية مع علمه تعالى إلى كونه تعالى لعدم تحمّل قبول أهل المعاصي إلى مكان آخر أفقدته قيمته بالمطلق إلّا بضرب من التّأويل التّعسّفي.
#هذا إذا اعتمدنا على النّسخ المتداولة من كتاب التّوحيد والّتي احتمل احتمالاً كبيراً وراجحاً إنّ النُّسّاخ المذهبيّن مارسوا التّلفيق بين الرّواية في مصدرها الأصلي وهو الكافي وبين كتاب التّوحيد فعالجوا بعض نواقصها، وإمّا إذا اعتمدنا على نسخة التّوحيد الّتي كانت عند المجلسي والّتي نصّ على اشتهارها في مقدّمة بحاره [ج1، ص26] فسوف نجد في الرّواية بصيغتها في كتاب التّوحيد نواقص وتغييرات كثيرة أخرجت شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي عن صمته ووقاره المذهبي لينصّ بصريح العبارة على إنّ ذلك يورث سوء الظّن بالصّدوق، وإنّه ما قام بذلك إلّا ليوافق مذهبه في العدل [بحار الأنوار: ج5، ص156]، وهذا يعني بوضوح: إنّ المجلسي لا ينتظر من الصّدوق وأضرابه في أمثال هذه المواطن سوى نقل النّصوص الرّوائيّة كما هي منقولة في مصادرها المقرّرة، أمّا أن يتصرّف فيها ويعدّل ويغيّر ويحذف ويضيف وفقاً لقناعاته المذهبيّة المسبّقة فهو أمر محظور ولا ينبغي المصير إليه بحالٍ من الأحوال، فتفطّن ولا تصغ إلى من يريد أن يسلب منك عقلك.
#كما لا يمكن أن نتذرّع ـ كما تذرّع بعضهم ـ باحتمال أن تكون نسخة الكافي الّتي كانت لدى الصّدوق مبتلاة بمثل هذه الآفات؛ وذلك لأنّنا لا نتعقّل أن يقرأ الصّدوق جميع ما في كتاب الكافي على يد محمّد بن محمّد بن عصام الكليني وعليّ بن أحمد بن موسى الدّقاق ومحمّد بن أحمد السّنائي ـ وهم شيوخه الّذين روى عنهم ما نقله عن الكليني وأجازوا له نسخة الكافي ـ ومع هذا كلّه يقرّون له هذه الأخطاء الفظيعة في نسخته ـ بل وغيرها كما سيأتي ـ والّتي لم يمرّ على وقت كتابتها بل وموت الكليني نفسه سوى سنين قليلة.
#كما لا يمكن أن نقول ـ كما قيل أيضاً ـ إن نسخة التّوحيد الّتي اعتمدها المجلسي ناقصة؛ إذ مع تنصيصه ـ كما أسلفنا ـ على اشتهارها على حدّ اشتهار الكتب الأربعة، وهو كافٍ في دفع مثل هذا الاحتمال وإبطاله، فإنّنا لا نتعقّل أن يلحظ شيخ المحدّثين الإثني عشريّة مثل هذه الاختلافات الفاحشة بين النّقلين ولا يحتمل احتمالاً ولو يسيراً إنّ هناك سقطاً في البين وهو الحريص على التّوجيه تلو التّوجيه، وسكوته عن ذلك وتوجيه الاتّهام للصّدوق يعتبر خير شاهدٍ على عدم تماميّة مثل هذا الاحتمال ولو في الجملة كما أسلفنا.
#لكنّ المؤسف إنّ المرحوم الخوئي لم يكن موفّقاً في إجابة هذا الاعتراض الّذي سجّله المجلسي وأيّده المحقّق أسد الله الكاظمي والمحدّث النّوري؛ حيث رأى إنّ أفضل حلّ للخروج من هذه المشكلة هو في اتّهام الشّيخ الّذي توسّط في الرّواية بين الصّدوق والكليني، وإنّه هو وراء هذا الإسقاط إمّا للغفلة أو لأمر آخر، مدّعياً إنّ جلالة مقام الصّدوق تمنع من إساءة الظّن به، ولا شاهد على كونه هو وراء هذا الإسقاط، واعتقد ـ والله العالم ـ إنّ هذه الإجابة ـ وغيرها من المناقشات الّتي أوردت في المعجم لاعتراضات النّوري ـ لم تكن إجابة الخوئي بقدر ما هي عمل الّلجنة الّتي كان الخوئي قد كلّفها لكتابة معجم رجال الحديث، وأجلّ المرحوم الخوئي عن مثل هذه السطحيّات؛ إذ نرى معجمه ينطلق من مصادرة مذهبيّة أملتها عليه مجموعة سياقات غير مبرهنة وغير ثابتة أهمّها ولادة الصّدوق بدعاء الحجّة “ع”، ومن هنا نراه ينصّ بوضوح: إذا لم تثبت وثاقة الصّدوق فعلى الفقه السّلام، مع إنّنا سجّلنا تأمّلات واسعة في هذا الخصوص.
#فتلخّص ممّا تقدّم: إنّ ما قدّمناه من شواهد عدّيدة ـ وسيأتي غيرها أيضاً ـ تؤكّد بوضوح حقّانيّة المبنى العامّ الّذي ننطلق منه في إسقاط وثاقة المرحوم الصّدوق في خصوص تفرّداته؛ فنحن نجزم إنّه كان يحذف ويبتر ويطبّق ويعدّل النّصوص الرّوائيّة وفقاً لمنطلقاته الآيدلوجيّة ومرتكزاته العقائديّة، وهذا المقدار من التّصرّفات تمنعنا من الرّكون إلى تفرّداته الرّوائيّة؛ إذ من غير المعلوم إنّ قلمه المذهبي لم يطلها لمواءمتها وفقاً لرغباته الاجتهاديّة المذهبيّة، فتأمّل، والله من وراء القصد.
#المهدويّة_الإثنا_عشريّة
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...