محمّد الصّدر وغشّ المدارس الأكاديميّة!!

3 أغسطس 2018
1472
ميثاق العسر

#في محرّم من عامّ: “1418هـ” تقدّم أحد طلّاب كليّة الآداب المسائيّة إلى المرجع الدّيني المرحوم محمّد الصّدر بمجموعةٍ من الأسئلة حول الغشّ في الامتحانات، مبدياً استغرابه حول حلية هذا الأمر الّذي تحوّل إلى ظاهرة خصوصاً عند المتديّنين، قائلاً له ما نصّه: لقد «روّج البعض بالتّحدّث عن حلّية هذا العمل، وأنّه نوع من المساعدة، وهذه الأصوات […]


#في محرّم من عامّ: “1418هـ” تقدّم أحد طلّاب كليّة الآداب المسائيّة إلى المرجع الدّيني المرحوم محمّد الصّدر بمجموعةٍ من الأسئلة حول الغشّ في الامتحانات، مبدياً استغرابه حول حلية هذا الأمر الّذي تحوّل إلى ظاهرة خصوصاً عند المتديّنين، قائلاً له ما نصّه: لقد «روّج البعض بالتّحدّث عن حلّية هذا العمل، وأنّه نوع من المساعدة، وهذه الأصوات من بعض مشايخ الحوزة العلميّة الموقرة، والّذين يشاركونني الدّرس في كلّية الآداب المسائيّة، علماً أنّ حالات الغشّ في الامتحان عديدة ومتنوّعة، منها على سبيل المثال:
1ـ الكتابة على الجدران أو الكراسي، أو إدخال أوراق جاهزة أو مصغّرة تتضمّن مادّة الامتحان.
2ـ إدخال الجواب من خارج القاعة الامتحانيّة بواسطة أحد الزملاء أو من تحت الباب لّلذي يجلس قريباً من الباب.
3ـ بالنسبة للبنات، فمنهن من تكتب على أحد أعضاء جسمها مما يعرّضها للإحراج في حالة كشف الغش…». [وهناك تكملة للموارد المتنوّعة وأسئلة عن جوازها وعدم جوازها يمكن للمتابع ملاحظتها في المصدر الّذي أنقل عنه].
#لكن المفارقة الّلافتة والغريبة أيضاً تكمن في أجابة المرحوم محمّد الصّدر عن هذا الاستفتاء حيث قال له بصريح العبارة: «بسمه تعالى، ذلك جائز في الدّول المتعارفة وليس غشّاً حقيقيّاً، والمساعدة عليه جائزة، والعقوبة عليه غير جائزة، وأخذ الأجرة عليه برضا الطّرف جائزة، يُستثنى من ذلك ما إذا كان هناك ضرر على المجتمع من التّخلّف العلمي للطّلاب» [الفتاوى الخطّيّة: ص261ـ262].
#أصابتني الدّهشة والذّهول حينما قرأت مثل هذه الإجابة الخطيرة، وربطت مباشرة بينها وبين الواقع التّعليمي العراقي المعاصر وفي مناطقنا الشّيعيّة الإثني عشريّة تحديداً، على إنّ المرحوم محمّد الصّدر لم يُصدر حكماً ثانويّاً طارئاً في إجازته المتقدّمة للغشّ الأكاديميّ ببيان: إنّ ما كان يعيشه طلّاب الكليّات في تلك الفترة العصيبة من مصير التّجنيد والعسكرة في حالة رسوبهم يُبرّر صدور مثل هذه الفتوى وطنيّاً وأخلاقيّاً كما يُريد محبّوه ومقلّدوه وبعض أعدائه وأعداء الصّفحة أيضاً أن يبرروا ذلك؛ وذلك لصراحتها وتكرّر مثلها في عدّة استفتاءات، واستمراريّة التّعبّد بها من قبل بعضهم للأسف الشّديد، بل إنّ الاستثناء الّذي جعله المرجع المرحوم محمّد الصّدر مقيّداً لهذه الفتوى هو الحكم الثّانويّ الطّارئ والمقيّد للإباحة الّتي يقرّرها الدّليل الأوّلي!!
#والأكثر غرابة من ذلك إنّ المرحوم الصّدر وبعد أن أوضح له أحد المستفتين ـ في استفتاء آخر ـ المشاكل الكارثيّة الّتي سبّبها الغشّ في الامتحانات؛ «حيث إنّ بعض الأطبّاء لا يتقنون عملهم كأطباء بسبب عدم إحاطتهم بالعلوم الطّبية الموجودة في منهج دراستهم، وكذا أغلب مدرسين [مدرّسي] مادة الإسلاميّة الّذين يُرثى لحالهم؛ حيث لا يجيدون القراءة وغيرهم في مجالات أخرى…»، إلّا إنّه لم ينصّ على حرمة مثل هذا الغشّ أصلاً، واكتفى بالقول بعد البسملة: «ننصح بتجنّب الغشّ إذا كان فيه ضرر على الفرد أو على غيره أو على المجتمع [!!]» [المصدر السّابق: ص263]، وهو مطلب آخر ربّما يندرج تحت حرمة الغشّ في غير المعاملات بحيث يؤدّي إلى الإضرار بالمؤمن أو إيذائه ونحو ذلك [منهج الصّالحين: ج3، ص16].
#لا شكّ في إنّ المرحوم محمّد الصّدر تعامل مع مسألة الغشّ في الامتحانات الأكاديميّة وفقاً لما تقتضيه القاعدة والأدلّة المعروفة عند الفقهاء الإثني عشريّة المعاصرين، والفرق بينه وبين غيره في هذه المسألة هو: إنّه كان صادقاً في إبراز العنوان الأوّليّ لهذه المسألة، أمّا غيره فلجأ لطرح عنوان ثانويّ أو استعان بعنوان أوّلي آخر للهروب من سخط العقلانيّين المعاصرين، ولكن في نفس الوقت: لا شكّ لديّ إنّ أمثال هذه الفتاوى لم ولن تبني مجتمعاً علميّاً واعياً على الإطلاق، ولا شكّ لديّ أيضاً إنّ المرحوم الشّهيد لا يتحمّل مسؤوليّتها بقدر ما تتحمّل مسؤوليّتها الصّناعة الفقهيّة الحوزويّة الّتي تتعامل مع مستحدثات الأمور بشكل حرفيّ مقيت، وعلى من يجيز البقاء على تقليد المرحوم محمّد الصّدر أن يتنبّه إلى ضرورة تقييد جوازه بما دون هذه الفتاوى وأضرابها إذا كان يفكّر في بناء مجتمع صالحٍ ودولة قانون، أمّا من يفكّر بتوسيع قاعدة مقلّديه فالموضوع لا يعنيه ولا يهمّه أيضاً، نعم؛ إنّنا أمام قطع أسمنتيّة صناعيّة مرتكزة على قطع أسمنتيّة كلاميّة أحكم، وما لم يُصار إلى تفتيتها بعناية ودقّة وظرافة فنحن أمام مستقبل دينيّ مجهول، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#مرجعيّات_مجهول_المالك
#الإمامة_الإثنا_عشريّة
#المهدويّة_الإثنا_عشريّة
#الخمس_الشّيعي


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...