محمد هادي معرفت وضعف البحث الرّجاليّ!!

9 يونيو 2019
106
ميثاق العسر

#يُعدّ المرحوم محمّد هادي معرفت المتوفّى سنة: “1427هـ” من الشّخصيّات الجليلة الّتي عرفها الحقل القرآني الإثنا عشريّ في حوزة قم في العقود الأخيرة، والرّجل ممّن تتلمذ على يدي الأعلام المرحومين محسن الحكيم وحسين الحلّي والخمينيّ والخوئي وغيرهم أيضاً، وله أفضال على كثيرين ممّن تخصّص في الدّرس القرآني في حوزة قم، وتُعدّ كتبه مناهج للدّراسات العليا […]


#يُعدّ المرحوم محمّد هادي معرفت المتوفّى سنة: “1427هـ” من الشّخصيّات الجليلة الّتي عرفها الحقل القرآني الإثنا عشريّ في حوزة قم في العقود الأخيرة، والرّجل ممّن تتلمذ على يدي الأعلام المرحومين محسن الحكيم وحسين الحلّي والخمينيّ والخوئي وغيرهم أيضاً، وله أفضال على كثيرين ممّن تخصّص في الدّرس القرآني في حوزة قم، وتُعدّ كتبه مناهج للدّراسات العليا في الميدان القرآني أيضاً، فلله درّه وعليه أجره.
#لكنّ المؤسف إنّ الرّجل ضعيف جدّاً في البحث الرّجالي، وقد انعكس ضعفه على دارسي كتبه بوضوح تامّ؛ وذلك لاقتصاره في المراجعة على تراث الآخر وإغفاله لما جاء في التّراث الإثني عشريّ؛ باعتبار إنّ الهدف الأساس منها هو المنافحة المذهبيّة الرّامية لإبطال ما عند الطّرف الآخر من مقولات وروايات، ومثل هذا الهدف يوقع الباحث عادة في أخطاء كارثيّة جمّة، ولعلّ مناقشاته للمرحوم المحدّث النّوري عانت بشدّة من هذه الهنات.
#سأضرب مثالاً بسيطاً كشاهد على هذا الضّعف، وأترك الباقي إلى المتابعين النّابهين؛ لأنّ الانشغال في تقصّي هذه الجزئيات يؤثّر بدرجة كبيرة على الأولويّات البحثيّة الّتي تحمّلنا دراستها والمقتصرة على مناقشة الكبار المؤسّسين وأهمّ مقلّدتهم والمقولات المتولّدة من تراثهم.
#تابع المرحوم معرفت أستاذه المرحوم الخوئي في نفي فكرة النّسخ في القرآن عادّاً إيّاها نوعاً من التّحريف، وفي هذا السّياق بدأ باستعراض الرّوايات الدّالة على ذلك في كتب السُنّة، معرّضاً بها ومسخفّاً إيّاها، وحينما وصل الأمر إلى استعراض آية الرّجم في التّراث الإثني عشريّ تعمّد نقلها بهذه الصّورة فقال:
#وهناك رواية رواها بعضهم مرفوعاً إلى الإمام أبي عبد الله الصّادق “ع” سُئل عن الرّجم في القرآن، فقال: “الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة؛ لأنّهما قضيا شهوتهما”. وزاد: وعلى المحصن والمحصنة الرجم. روى ثقة الإسلام الكلينيّ بالإسناد إلى عبد اللّه بن سنان، قال: قال أبو عبد اللّه “ع”: الرّجم في القرآن، قول الله عزّ وجلّ: “إذا زنى الشّيخ والشّيخة فارجموهما البتّة؛ فإنّهما قضيا الشهوة”»، وهكذا روى أبو جعفر الطّوسي بنفس الإسناد عن الإمام الصّادق “ع” مثله، وكذلك ابن بابويه الصّدوق بالإسناد إلى سعد بن عبد الله رفعه عن الإمام الصادق “ع” مثله مع تلك الزيادة، وبإسناد آخر عن إسماعيل بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله “ع” في القرآن رجم؟ قال: “نعم، الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتة؛ فإنّهما قد قضيا الشهوة!». [التّفسير الجامع الأثري: ج3، ص523].
#وحينما أتمّ المرحوم معرفت استعراض الرّوايات أعلاه بدأ بمناقشتها فقال: «غير أنّ هذه الرواية ساقطة عندنا، والّلفظ لا يصلح أن يكون لفظ الإمام “ع” وهو العربيّ الصّميم العارف بموضع القرآن من الّلغة الفصحى الرّقيقة، التي لا تُشبه شيئاً من لفظ الرّواية المتفكّك الرّكيك، ولعلّه موضوع عليه.. ولا سيّما بعد ملاحظة الغمز في الإسناد. أمّا الإسناد إلى عبد الله بن سنان فهو مشترك بين ثلاثة، اثنان منهم مجهولان، فهلّا يكون هذا أحدهما؟! ورواية الصدوق الأولى مرفوعة أي مقطوعة الإسناد في مصطلحهم. وأمّا روايته الأخرى فالإسناد إلى إسماعيل بن خالد ـ وهو مهمل في تراجم الرجال ـ سوى أنّ ابن حجر ذكره في ضعاف الرواة…إلخ». [المصدر السّابق: ص524].
#أقول: اضطررت إلى نقل كلمات المرحوم معرفت بطولها لكي أوضّح ما فيها من أخطاء جسيمة لا يمكن أن تصدر من طالب مبتدئ في علم الحديث والرّجال فضلاً عن صدورها ممّن هو في مقامه وشأنه، وسأوجز الملاحظات فيما يلي:
#الأولى: إنّ دعوى اشتراك عبد الله بن سنان بين ثلاثة وإسقاط الرّواية أعلاه على أساسها لا يقولها طالب مبتدئ في فنّ الرّجال فضلاً عن غيره؛ وذلك لأنّ المسمّين بعبد الله بن سنان وإن كانوا ثلاثة كما احتمل ذلك المرحوم الخوئي [معجم رجال الحديث: ج11، ص228]، لكنّ من يروي عن الصّادق “ع” في الكتب الأربعة ليس سوى عبد الله بن سنان المنصوص على وثاقته وجلالته عندهم، وهذا الأمر من الوضوح بمكان بحيث لا مجال للمناقشة فيه أصلاً، أمّا إسقاط الرّواية بهذه الطّريقة الباهتة فهو من الغرائب العجائب، وليت المرحوم معرفت راجع كلمات أستاذه المرحوم الخوئي فيها حينما وصفها بالصّحيحة، لكنّه حملها على التقيّة من دون أن يُقدّم شاهداً على هذا الحمل. [مباني تكملة المنهاج، القضاء والحدود: ص328].
#الثّانية: إسقاط رواية المرحوم الصّدوق بهذه الطّريقة من الغرائب الأخرى أيضاً؛ وذلك لأنّ الصّدوق روى الرّواية في كتابه الفقيه بإسناده الصّحيح عندهم عن سليمان بن خالد لا إسماعيل بن خالد، وهذا هو الموجود حتّى في طبعة علل الشّرائع المطبوعة في النّجف وكذا في بحار الأنوار أيضاً وهي المصادر الّتي أحال إليها المرحوم معرفت في الهامش، وسليمان بن خالد ممّن نُصّ على وثاقته عندهم أيضاً، أمّا إسماعيل بن خالد فلم يرد له ذكر في هذه المصادر، وظنّي إنّ الّذي أوقع المرحوم معرفت في هذا الخطأ هو اعتماده على البرامج الكمبيوتريّة؛ حيث جاء هذا الخطأ فيها للأسف الشّديد مع تضمين معطيات وأرقام صفحات طبعة النّجف أيضاً، ومع وضوح هذا الخطأ يظهر عدم الحاجة لكلّ التّكرار الّذي نقله سماحته عن ابن حجر، وقد كتبنا في سلسلة بحوث: “أخطاء ابن حجر في ترجمة رجال الشّيعة” ما فيه الكفاية لإيضاح ذلك فراجع ولا نعيد.
#الثّالثة: كيف عرف المرحوم معرفت إنّ النّصّ الّذي جاء في الرّواية لا يصلح أن يكون لفظ الإمام “ع” وهو العربيّ…إلخ، فهل هذا إلّا العودة إلى مرجعيّة الصّورة النّمطيّة الغارقة في المثاليّة والحقّانيّة المرسومة في ذهنه عن الإمام الإثني عشريّ، ولو كلّف نفسه للعودة إلى كلمات شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي في تفسيره التّبيان لرأى أنّ الطّوسي يؤمن بنسخ التّلاوة وبقاء الحكم وإنّه جعل هذه الآية من شواهد هذا الأمر، ولو عاد المرحوم معرفت إلى كلمات شرّاح هذه الرّواية وإلى شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي بالذّات لما كتب ما كتب هنا؛ حيث قال المجلسي وهو يشرح الرّواية: «وعدّت هذه الآية ممّا نُسخت تلاوتها دون حكمها، ورويت بعبارات أُخر أيضاً، وعلى أيّ حال فهي مختصة بالمحصن منهما على طريقة الأصحاب، ويحتمل التّعميم كما هو الظاهر». [مرآة العقول: ج23، ص267].
#الرّابعة: أخطر ما في هذه النّصوص هي في تربيتها جيلاً من التّلاميذ يتعامل معها معاملة الجزميات القطعيّات اليقينيّات؛ وذلك حينما يُعبّأ ويغذّى طالب الحوزة في بدايات تكوينه الحوزويّ بأمثال هذه المعلومات الخاطئة؛ باعتبار إنّ كتب الشّيخ معرفت تُعدّ أحد المناهج التّدريسيّة في بعض الحوزات بل وعلى مستوى الدّراسات العليا أيضاً، وفي الأثناء قد يدخلون في حوار مع الاتّجاه الآخر، فيبادر الآخر المختصّ والمحصّن بالإشكال عليهم بأمثال هذه النّصوص الصّحيحة عندنا، فيُسرعون فوراً إلى إسقاطها السّندي بهذه الطّريقة المخيّبة، ويكونون حينها مثاراً للسّخرية والتّندّر، وهنا يصعب علاج هذه المواقف إلّا بالإصرار على الخطأ والمكابرة.
#وأخيراً ولن نقول آخراً: لا تغرّنكم العناوين الكبيرة وأنتم تقرأون مثل هذه البحوث، وحاولوا أن تتفحّصوا الحقيقة بلا وسائط؛ فهيمنة الاسماء الكبيرة على البحوث ستوجد حاجزاً منيعاً وسدّاً تليعاً عن قراءة الأخطاء؛ فتأمّل كثيراً إن كنت من أهله، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#تحريف_القرآن


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...