محمد بن الحنفيّة ونموذج من أدلّة ما بعد الوقوع!!

6 أكتوبر 2017
1028
ميثاق العسر

#جاء في نهج البلاغة: إنّ عليّاً “ع” دفع الرّاية إلى محمد بن الحنفيّة في حرب الجّمل وهو في عمر لا يتجاوز العشرين إلّا بقليل حسب الرّواية المعروفة في تاريخ ميلاده قائلاً له: «تزول الجبال ولا تزول، عضّ على ناجذك، أعر الله جمجمتك، تدّ في الأرض قدمك، إرم ببصرك أقصى القوم، وغضّ بصرك، وإعلم أنّ النصر […]


#جاء في نهج البلاغة: إنّ عليّاً “ع” دفع الرّاية إلى محمد بن الحنفيّة في حرب الجّمل وهو في عمر لا يتجاوز العشرين إلّا بقليل حسب الرّواية المعروفة في تاريخ ميلاده قائلاً له: «تزول الجبال ولا تزول، عضّ على ناجذك، أعر الله جمجمتك، تدّ في الأرض قدمك، إرم ببصرك أقصى القوم، وغضّ بصرك، وإعلم أنّ النصر من عند الله سبحانه». [ص55]؛ كما نقل أبن أبي الحديد في شرح النّهج عن عليّ “ع” قوله لمن قال له إنّك تعرّض محمداً للقتل وتقذف به في نحور الأعداء دون أخويه: «هذا يدي ـ يعني محمد بن الحنفية ـ وهذان عيناي ـ يعني حسناً وحسيناً ـ وما زال الإنسان يذبّ‏ بيده‏ عن‏ عينيه». [ج2، ص334]، وهناك نصوص عدّة تُشير إلى مكانة محمد الكبيرة عند أبيه “ع” يمكن للباحث العثور عليها في النّصوص التّاريخيّة والرّوائيّة.
#وقد نوّهت في مقالات سابقة إلى إنّ مكانة الحسين “ع” عند أبن الحنفيّة مكانة كبيرة جدّاً وجليلة في نفس الوقت، لكنّها ليست كمكانته عندنا حاليّاً دون شكّ وريب؛ فإنّنا ننظر إلى الحسين “ع” ـ وبقيّة الأئمّة أيضاً ـ بنظّارة كلاميّة مذهبيّة عاطفيّة خاصّة تولّدت حقيقتها واشتراطتها لاحقاً، أعني: في أيّام تكوين المذاهب الإسلاميّة في عصر الصّادقين “ع” وفي أيّام صياغة فكرة الإمامة الأثني عشريّة في نهايات القرن الثّالث فما بعد، وهو ما اصطلحنا عليه بعمليّات نحت الأدلّة بعد الوقوع، وعليه: فلا يمكن أن نقدّم تفسيراً معقولاً لعدم خروج محمد بن الحنفيّة وأولاده مع أخيه الحسين “ع” دون الالتزام بالأمرين التّاليين:
#الأوّل: إنّ سفر الحسين بن عليّ “ع” إلى الكوفة لم يكن لأجل الشّهادة فقط، وإنّما كان على أساس تشخيصه المباشر وغير المباشر للأرضيّة المناسبة لإقامة حكومة عادلة يُراد منها إحقاق الحقّ وإبطال الباطل، وقد وقعت واقعة كربلاء كإجراء طارئ لأسباب كثيرة غير مخطّط لها سلفاً وفقاً للمقاييس الطّبيعيّة [لا الغيبيّة الّتي سنتحدّث عنها لاحقاً]، وبالتّالي فلم تقع هذه المعركة في المدينة أو مكّة لكي نُحاسب أبن الحنفيّة لعدم المشاركة فيها؛ بل هي واقعة حصلت ولم يكن لأبن الحنفيّة علم بها.
#الثّاني: إنّ نظرة أبن الحنفيّة إلى أخيه الحسين “ع” لم تكن كنظرتنا نحن الشّيعة الأثني عشريّة في هذا الزّمان إليه وإلى بقيّة الأئمّة “ع” والمملوءة غلوّ من رأسها إلى أخمص قدميها، بل هي نظرة واقعيّة كانت سائدة في تلك الفترة بالنّسبة لمن عرف مكانة الحسين من أبيه ومن رسول الله “ص”، وهي نظرة لم تكن نابعة من هوى نفس أو قلّة وعي أو دين على الإطلاق، وكيف يكون ذلك وهو ربيب بيت عليّ “ع” والمقاتل بين يديه في جميع المعارك.
#إن قلت: سلّمنا معك إنّ هناك سياقات كلاميّة ومذهبيّة كوّنت صورة نمطيّة واشتراطات خاصّة للإمامة الشّيعيّة لم تكن موجودة في أيّام محمد بن حنفيّة لكي نحاكم تصرّفاته ومواقفه على أساسها، لكن ما تقول فيما نصّ عليه أبن شهر آشوب في كتابه الشّهير مناقب آل أبي طالب “ع” مثلاً حينما قال: «واجتمع أهل القبلة على أن النبي “ص” قال: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا». [ج3، ص394]؛ فهل يُعقل إنّ محمد بن الحنفيّة لم يسمع بهذا الحديث الّذي اجتمعت أهل القبلة على صدوره من النّبي “ص” كما يقول أبن شهر آشوب، وهل يُعقل أن لا تكون في مفردة الإمام الواردة فيه نفس الدّلالات المعاصرة؟!
#والجّواب: حينما نفتّش في مصادر عموم أهل القبلة من أبناء الطّرف الآخر المعروفين لا نجد لهذه الصّيغة من الحديث أثراً ولا ذكراً على الإطلاق فما نسبه أبن شهر آشوب وغيره إليهم وهم ولا نقول أكثر من ذلك، كما إنّنا حينما نرجع إلى مصادرنا الشّيعيّة لا نجد لهذا النّص سنداً في غير كتابي علل الشّرائع للصّدوق وكفاية الأثر للخزّار القمّي فقط، وأسانيد كليهما ضعيفان جدّاً وفيها المجاهيل أيضاً، ومن يقرأ ما قبل هذا النّص وما بعده يجد آثار الوضع واضحة عليها وهو ما نعبّر عنه بنحت الأدلّة بعد الوقوع، نعم جاء هذا النّص في كتاب دعائم الإسلام والإرشاد وروضة الواعظين وأعلام الورى وغيرها أيضاً لكن بدون سند أصلاً، ولهذا حينما نرجع إلى عموم الكتب الّتي ذكرت هذا الحديث مرسلاً تجد إنّ محقّقي هذه الكتب يحيلون القارئ في الهامش إمّا إلى علل الشّرائع أو إلى كفاية الأثر أو إلى المناقب أو إلى البحار أو غيرها من الكتب المتأخّرة، ومن الواضح: إنّ هذا الحديث ولد في أيّام الصّراعات الكلاميّة في داخل الأجنحة المذهبيّة المتأخّرة حول صلح الحسن “ع” وثورة الحسين “ع”، وقد تلقّت الزّيديّة والأثنا عشريّة هذا الحديث بالقبول في سياق أدلّة ما بعد الوقوع كما نوّهنا، وكم لهذه الظّاهرة من نظير في مفردات الإمامة والمهدويّة بقراءتهما الشّيعيّة المعروفة.
#سنسعى في القادم من المقالات إلى فتح البحث في آليّات انتقال الإمامة من الحسين “ع” إلى السّجاد “ع” ونصوص إثباتها، وما هي المعوّقات الّتي رافقتها، وما هو دور أدلّة ما بعد الوقوع فيها، ومن الله نرجو التّوفيق.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...