مثليّة الأموال أو قيميّتها

15 أبريل 2013
1703
ميثاق العسر

هناك سؤال يطرح نفسه بنحو متكرّر في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي تمرّ بها بعض البلدان وهو موضوع: أن النقود والأوراق النقدية المتعارفة هل هي قيمية أم مثلية، والذي تترتب عليه المزيد من النتائج العملية، سواء على مستوى القروض أو على مستوى المهور، ما هي آراء علمائنا المعاصرين؟


هناك خلاف شديد بين الأعلام في مثلية الأوراق النقدية المعاصرة وقيميّتها، وقد انعكس هذا الخلاف على الاستفتاءات بنحو واضح؛ فقد ذهب الشيخ جواد التبريزي والسيد علي السيستاني من المعاصرين في جواب استفتاء قُدّم لهم من قبل اللجنة القانونية والقضائية في مجلس الشورى الإيراني إلى: أن الأوراق النقدية المعاصرة هي من المثليات، ولا يجوز جبران النقص الحاصل فيهما وقت الأداء.
جاء في جواب الاستفتاء المقدّم إلى الميرزا جواد التبريزي ما ترجمته: إن للأموال قيمة في حدّ ذاتها وليست كاشفة عن قيمة ما، وعلى هذا الأساس: فلو تحمّل الإنسان قرضاً أو مهراً بالأوراق النقدية المعاصرة فلا يحقّ لمقرضه أو زوجته أن تطالب أكثر من عدد المبلغ المنصوص عليه، وارتفاع أو سقوط القيمة الشرائية لهذا الأمور غير دخيل في الحكم، ولو فرضنا سقوط هذه الأوراق عن الاعتبار فينبغي على المدين أن يقدّم ما يعادل تلك الأموال الاعتبارية، والله العالم(1).
وجاء في جواب الاستفتاء الذي قُدّم للسيد السيستاني:
ما تستحقه الزوجة بعنوان مهر هو عين المبلغ الذي عُيّن في نفس العقد، ولا ازدياد لمقدار هذا المبلغ مع ارتفاع قيمته؛ وذلك لأن الأوراق النقدية من المثليات، اللهم إلا أن تسقط هذه الأوراق عن الاعتبار بنحو كلي، فتستحق الزوجة حينها قيمة هذه الأوراق ما قبل سقوطها(2).
وقد استند هؤلاء الفقهاء إلى مجموعة من الأدلة نظير التمسّك بمثلية النقود المتداولة؛ وأن جبران الخسارة في حالة سقوط العملة من أوضح مصاديق الربا؛ وأن القيمة الاعتبارية لهذه النقود لا تسقط بذلك؛ وأن الضرر الحاصل خارج عن إرادة المديون أو الزوجة؛ مضافاً إلى الادلة النقلية.
ويميل فقهاء آخرون إلى أن الملاك في الأوراق النقدية هو قيمتها الشرائية لا مثليتها، وقد ركنوا في إثبات ذلك إلى جملة من الأدلة من قبيل: أن فلسفة وجود هذه الأوراق هي كاشفيتها عن قيمة الأشياء والحفاظ على قيمتها؛ كما أن هذه الأوراق لا تعدّ عيناً أو متاعاً كي تصحّ المعاملة عليها، أضف إلى ذلك أن مؤدى القول بمثليتها هو خسارة الدائن، وأن النصوص الروائية تؤيد ذلك… وهكذا العديد من الأدلة الأخرى.
نعم ذهب رعيل كبير من الفقهاء ممن اتبعوا منهج الحيطة والحذر في فتاواهم إلى: وجوب التصالح في أمثال هذه الحالات، إمّا احتياطاً وإمّا فتوىً… .
لكن ما هو سرّ هذا الاضطراب والخلاف الشديد في هذه المسألة؟
لعل الإجابة عن ذلك تتكفّلها دراسة لاحقة.
ــــــــ
(1) الاستفتاء المقدّم على الرسالة المرقمة 2528 المؤرخة 24/7/1375 هـ ش، والمقدّمة من اللجنة القضائية والقانونية في مجلس الشورى الإيراني.
(2) الاستفتاء المقدّم على الرسالة المؤرخة 7/جمادى الثانية/1417 هـ ق، والمقدّمة من اللجنة القضائية والقانونية في مجلس الشورى الإيراني.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...