مآسي القراءة الرّسميّة لمصرع الحسين “ع”!!

9 أكتوبر 2018
26
ميثاق العسر

#خلّفت القراءة الرّسميّة المتداولة لحركة الحسين بن عليّ “ع” ومصرعه المأساوي الدّموي نتائج مذهبيّة غريبة ورهيبة في نفس الوقت؛ فبعد أن صوّرت إن خروجه “ع” من المدينة من أجل الشّهادة والمواجهة فقط، صوّرت أيضاً ـ من خلال النّصوص الّتي ولدت لاحقاً ـ إنّ الحسين بن عليّ “ع” أعلن هذا الهدف وأقام الحجّة على مستمعيه في […]


#خلّفت القراءة الرّسميّة المتداولة لحركة الحسين بن عليّ “ع” ومصرعه المأساوي الدّموي نتائج مذهبيّة غريبة ورهيبة في نفس الوقت؛ فبعد أن صوّرت إن خروجه “ع” من المدينة من أجل الشّهادة والمواجهة فقط، صوّرت أيضاً ـ من خلال النّصوص الّتي ولدت لاحقاً ـ إنّ الحسين بن عليّ “ع” أعلن هذا الهدف وأقام الحجّة على مستمعيه في تلك الّلحظة، ومن الطّبيعي بعد هذا التّصوير السّيء أن يكون جميع من تخلّف عنه دون تأييد منه فاسقاً مارقاً خذل إمام زمانه، مع إنّ هذا الكلام خاطئ وغير صحيح بالمرّة؛ وذلك:
#أوّلاً: لعدم ثبوت فرضيّة وجوب طاعة الحسين بن عليّ “ع” لخُلّص الصّحابة في تلك الفترة أو التّابعين، وما يُقال من دعاوى وضوح ذلك وسوق نصوص قرآنيّة وروائيّة عديدة إنّما يقع في سياق اجتهادات وتّفسيرات مذهبيّة لاحقة كما نبّهنا لذلك مراراً.
#وثانياً: لم يخرج الحسين بن عليّ “ع” من المدينة لأجل الشّهادة كما هي القراءة المتداولة في الأوساط الإثني عشريّة ببركة جهود ابن طاووس، بل تمنّع عن بيعة يزيد بن معاوية لأسباب موضوعيّة، وهاجر إلى مكّة واستقرّ فيها فترة لا بأس فيها وهو ينتظر تنجّز التّكليف الشّرعي النّهائيّ عليه ببيعة أهل الكوفة من خلال إخبارات سفيره مسلم، وحينما وصله خبر مقتل السّفير ونقض البيعة من قبل الخائنين وذوي العهود الكاذبة أراد العودة إلى مدينة جدّه بل طرح خيارات أخرى أيضاً، لكنّه حوصر حتّى آلت الأمور إلى ما آلت إليه.
#وفي هذا السّياق واجه الرّجاليّون الإثنا عشريّة أزمة كبيرة في توجيه تخلّف جملة ممّن هو أجلّ شأناً من بعض المستشهدين بين يديّ الحسين بن عليّ “ع” لولا الشّهادة كمحمّد بن عليّ بن أبي طالب مثلاً، ولمّا رأى الرّجاليّ الإثنا عشريّ المعاصر المرحوم المامقانيّ عسر إجابة مثل هذا الاعتراض بادر إلى طرح الحقيقة الّتي لوّحنا لك بها آنفاً، لكنّه تمسّك بـ “معزوفة الظّاهر والباطن “المعروفة في الواقع الإثني عشريّ في تبرير أمثال هذه الأمور فقال: «والحسين “ع” حين حركته من الحجاز وإن كان يدري هو إنّه يستشهد بالعراق، إلّا أنّه في ظاهر الحال لم يكن ليمضي الى الحرب حتّى يجب على كلّ مكلّف متابعته، وإنّما كان يمضي للإمامة [#الخلافة] بمقتضى طلب أهل الكوفة، فالمتخلّف عنه غير مؤاخذ بشيء، وإنّما يؤاخذ لترك نصرته من حضر الطفّ، أو كان بالقرب منه على وجه يمكنه الوصول إليه ونصرته ومع ذلك لم يفعل وقصّر فى نصرته، فالمتخلّفون بالحجاز لم يكونوا مكلّفين بالحركة معه حتّى يوجب تخلّفهم الفسق، ولذا إنّ جملة من الأخيار الأبدال الّذين لم يكتب الله تعالى لهم نيل هذا الشّرف الدائم بقوا فى الحجاز ولا يتامّل أحد فى عدالتهم…» [تنقيح المقال: ج3، ص112، الطّبعة الحجريّة].
#وممّا تقدّم تفهم: إنّ الصّورة المنبريّة السّوداويّة المرسومة عن الأمّة الإسلاميّة في ذلك الوقت بسبب عدم نصرتها للحسين بن عليّ “ع” لا تعدو كونها صورة عاطفيّة للتّحشيد الطّائفيّ والمذهبيّ فقط، ولو وقعت واقعة كربلاء ـ بصيغتها الواقعيّة ـ في المدينة أو حواليها لقاتل مع الحسين بن عليّ “ع” ما شاء الله من الأنصار والمهاجرين فضلاً عن ابن الحنفيّة دون شكّ وريب، ولكن ما حصل في كربلاء هو خيار أخير لم يكن أهل المدينة على اطّلاع به وإن تنبّأ عقلاؤهم به وحذّروا من وقوعه أيضاً، لذا لا تصغ إلى تقوّلات بعض الجهلة من هنا أو هناك وهم يشرحون لك ما يحقّق مآربهم وليس ما يعمّق الحقيقة، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...