لم أخرج أشراً ولا بطراً من بعديّات الحسين المذهبيّ!!

9 سبتمبر 2021
129
ميثاق العسر

من منّا لم يسمع خطاب الحسين [المذهبيّ] الّذي يحدّد أهداف حركته أو قل ثورته كما يحلو لأهل المنابر بعرضهم العريض تسميتها، والّذي أطلقه قبل رحيله من مكّة وجاء فيه: إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً، وإنّما خرجت أطلب الإصلاح في أمّة جدّي وأسير بسيرة أبي…، وهكذا حتّى أصبح هذا الخطاب ترنيمة […]


من منّا لم يسمع خطاب الحسين [المذهبيّ] الّذي يحدّد أهداف حركته أو قل ثورته كما يحلو لأهل المنابر بعرضهم العريض تسميتها، والّذي أطلقه قبل رحيله من مكّة وجاء فيه: إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً، وإنّما خرجت أطلب الإصلاح في أمّة جدّي وأسير بسيرة أبي…، وهكذا حتّى أصبح هذا الخطاب ترنيمة المنابر ومستمعيها وكأنّه البيان التّأسيسيّ الأوّل لحركة الحسين!!

لكن علينا أن نعلم: أنّ هذا الخطاب رغم أهميّته المضمونيّة الكبيرة جدّاً والّتي ترسم أهداف الحركة الحسينيّة ـ وفق اصطلاحاتهم ـ بوضوح، لم يرد في شيء من مصادرنا الاثني عشريّة المتقدّمة والمعتبرة قطّ، كما لم يرو في مصادر أهل السُنّة المتقدّمة والمتأخّرة أيضاً؛ فلا نراه عند ابن قولويه، ولا في كتب الصّدوق، ولا المفيد، ولا الطّوسي…، ولم يرد عند ابن سعد ولا البلاذري ولا الدّينوري ولا الطّبري…، بل ولا حتّى عند أمثال اليعقوبي والمسعودي وأبي الفرج الأصفهاني أيضاً.

إنّما أورده لأوّل مرّة مرسلاً ـ دون إسناد إلى أحد ـ ابن اعثم الكوفي الشّيعي المتوفّى كما هو المشهور سنة: “314هـ” في النّسخة الواصلة من كتابه الفتوح، وجاء أيضاً في النّسخة الواصلة من مقتل الخوارزمي المتوفّى كما قيل سنة: “568هـ”، كما جاء في كتاب مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب المتوفّى سنة: “588هـ” بعد بتر فقراته أيضاً، وعدم إيراد أولئك المتقدّمين له مع حرصهم على توثيق مثل هذه الأساسيّات والمفاصل الرّئيسيّة لحركة الحسين الحقيقيّ يُعدّ منبّهاً على عدم ثبوته عندهم.

والطّريف في البين: أنّ ابن أعثم الكوفي كان قد أورد هذا الكتاب عن الحسين بعد أن أورد أصل نصيحة ابن الحنفيّة له كما أوردها غيره من المؤرّخين، ونصّ على أنّ الحسين بعد إكماله الكتابة بادر لطيّ الكتاب بيده وختمه بختمه وسلّمه إلى أخيه ابن الحنفيّة، وكان قد ضمّن هذا الكتاب فقرة أنّه يهدف من حركته الإصلاحيّة أن يسير بسيرة الخلفاء الرّاشدين المهديّين وهي نفسها كان قد طرحها ابن الحنفيّة عليه وفق نقل ابن أعثم، لكن حينما أورد ابن شهر آشوب هذا الكتاب مختصراً بتر منه هذه الفقرة واقتصر على ما ينسجم مع الحسين المذهبيّ الرّاكز في الأوساط الاثني عشريّة، وهو ما شاع وتصدّر الأوساط المنبريّة المعاصرة.

وبكلمة واحدة: من الواضح أنّ أصل صدور مثل هذا الكتاب المرسل عن الحسين الحقيقيّ غير ثابت، ولو كان ثابتاً لما توانى كبار المؤرّخين والمحدّثين في تناوله وتناقله في مصنّفاتهم، بل الملاحظ أنّ الباقر والصّادق لم ينقلا شيئاً من هذا الكتاب قطّ، واقتصرا على عبارة “من لحق بي استُشهد ومن لم يلحق بي لم يُدرك الفتح”، بل نلاحظ اختفاءه حتّى من تراث ابن طاووس المتوفّى سنة: “664هـ” أيضاً، ويعزّز هذه الدّعوى ما نقرأه من عبارة لياقوت الحموي المتوفّى سنة: “626هـ” الّذي نصّ وهو يترجم لابن أعثم على تشيّعه وكونه عند أصحاب الحديث ضعيفاً [ج1، ص202، دار الغرب الإسلاميّ]، ومن يُلاحظ الغرائب والتّفرّدات في كتابه الفتوح يشعر بذلك بوضوح، فتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.

https://www.facebook.com/plugins/post.php?href=https%3A%2F%2Fwww.facebook.com%2Fjamkirann%2Fposts%2F4126766057445687&show_text=true&width=500


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...