لماذا وضع الجاحظ وأبو العيناء الخطبة الفدكيّة؟!

21 أغسطس 2018
1660
ميثاق العسر

#حمل التّاريخ الإسلاميّ بعد مرحلة استشهاد الحسين بن عليّ “ع” انقسامات مذهبيّة راديكاليّة عدّيدة، تولّدت على إثرها فرق ومذاهب شّتى يمكن للدّارس تلمّس آثارها بوضوح، ومن هذه الفرق الّتي كان لها حضور في تلك الأزمنة هي الفرقة الّتي يُصطلح عليها بالرّاونديّة أو شيعة بني العبّاس من أهل خُراسان وغيرهم أيضاً، والّذين يرون: إنّ أحقّ النّاس […]


#حمل التّاريخ الإسلاميّ بعد مرحلة استشهاد الحسين بن عليّ “ع” انقسامات مذهبيّة راديكاليّة عدّيدة، تولّدت على إثرها فرق ومذاهب شّتى يمكن للدّارس تلمّس آثارها بوضوح، ومن هذه الفرق الّتي كان لها حضور في تلك الأزمنة هي الفرقة الّتي يُصطلح عليها بالرّاونديّة أو شيعة بني العبّاس من أهل خُراسان وغيرهم أيضاً، والّذين يرون: إنّ أحقّ النّاس بالخلافة بعد رسول الله “ص” هو: العبّاس بن عبد المطّلب؛ وذلك باعتباره عمّه ووارثه وعصبته، ولقول الله تعالى: “وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله”، لكنّ النّاس اغتصبوه حقّه، وظلموه أمره حتّى ردّه الله تعالى له حين تسنّم السّفاح الأمر… ولم يكتفوا بذلك أيضاً، بل أعلنوا البراءة من أبي بكر وعمر، وقبلوا ببيعة عليّ “ع”؛ باعتبار إنّ العبّاس أجازها بالبيعة، وخاطبه قائلاً: “يا ابن أخي، هلمَّ إلى أن أبايعك فلا يختلف عليك إثنان”، ولقول داود بن عليّ على منبر الكوفة يوم بويع السّفاح: “يا أهل الكوفة، لم يقم فيكم إمام بعد رسول الله “ص” إلّا عليّ بن أبي طالب وهذا القائم فيكم” ويعني: أبا العباس السفاح [مروج الذّهب: ج3، ص236].
#وحيث إنّ الرّاونديّة تشترك مع مدّعى الإماميّة الإلهيّة الإثني عشريّة في إنّ الخلافة بعد الرّسول “ص” لا تكون إلّا بالنّص بادر السيّد المرتضى المتوفّى سنة: “436هـ” لمناقشة توجّهاتهم، ونصّ على إنّ النّص على إمامة العبّاس بن عبد المطّلب مجرّد حكايات لا دليل على واقعيّتها، «ولولا أنّ الجاحظ صنّف كتاباً حكى فيه مقالتهم، وأورد فيه ضرباً من الحِجاج نسبة إليهم، لما عُرفت لهم شبهة ولا طريقة تعتمد في نصرة قولهم، والظّاهر: أنّ قوماً ممّن أراد التّسلق والتّوسّل إلى منافع الدنيا تقرّب إلى بعض خلفاء ولد العباس فذكر هذا المذهب، وأظهر اعتقاده، ثمّ انقرض أهله وانقطع نظام القائلين به؛ لانقطاع الأسباب والدّواعي لهم إلى إظهاره…» [تلخيص الشّافي: ج2، ص115].
#ولكن قد تسأل وتقول: ما هو الشّيء الّذي صنّفه الجاحظ في الدّفاع عن الفرقة الرّاونديّة والذبّ عن معتقداتهم ومتبنّياتهم، وما هو المبرّر الّذي يدعوه لذلك؟!
#أجاب المؤرّخ الشّيعيّ الإثنا عشريّ المسعودي المتوفّى سنة: “346هـ” والخبير بتوجّهات الجاحظ واهتماماته عن هذا السّؤال بوضوح تامّ، ونصّ على إنّ الجاحظ في سياق طبيعة توجّهاته وميوله المتذبذبة تبعاً للزّاد والرّاحلة صنّف حواراً بين فاطمة “ع” وأبي بكر الصّديق، وقال ما نصّه بعد أن عرض لأساسيّات العقيدة الرّاونديّة: «وقد صنّف هؤلاء كتباً في هذا المعنى الّذي ادّعوه هي: متداولة في أيدي أهلها ومُنْتحليها، منها: كتاب صنَّفه عمرو بن بحر الجاحظ، وهو: المترجم بكتاب “إمامة ولد العباس”، يحتج فيه لهذا المذهب، ويذكر فعل أبي بكر في فدَكَ وغيرها، وقصته مع فاطمة “رض”، ومطالبتها بإرثها من أبيها “ص”، واستشهادها ببعلها وابنيها وأمّ أيمن، وما جرى بينها وبين أبي بكر من المخاطبة، وما كثر بينهم من المنازعة، وما قالت، وما قيل لها عن أبيها “ع”، من إنّه قال: “نحن معاشر الأنبياء نَرثُ ولا نورث”، وما احتجت به من قوله عزّ وجلّ: “وورث سليمانُ داوُد” على إنّ النّبوّة لا تُوّرث، فلم يبق إلّا التّوارث وغير ذلك من الخطاب» [مروج الذّهب، المصدر السّابق: ص237].
#وبعد أن أكمل المسعوديّ بيان ما في الكتاب المؤَلّف من قبل الجاحظ ـ والّذي هو مفاد الخطبة الفدكيّة المتداولة عيناً ـ نصّ قائلاً لكي يُلجم أفواه بعض جهلة المذهبيّين: «ولم يصنّف الجاحظ هذا الكتاب ولا استقصى فيه الحِجاج للراونديّة وهم شيعة ولد العباس؛ لأنّه لم يكن مذهبه، ولا كان يعتقده، ولكن فعل ذلك تماجناً وتطرّباً» [المصدر السّابق نفسه].
#وليس هذا القول من المسعوديّ ـ وهو الشّيخ الجليل الثّقة الثّبت المأمون الحديث عند العامّة والخاصّة حسب تعبير المير دّاماد جدّ المرجع الأعلى السّيستاني ـ قولاً تاريخيّاً أو حدسيّاً سمعه أو احتمله، وإنّما هو إخبار حسّيّ ينقله عن كتاب الجاحظ المعلوم الانتساب له مباشرة، فلا مجال لهم لإنكاره وفقاً لمبانيهم، فإذا عرفت هذا ستعرف حينها صدق مقولة أبي العيناء الّتي رواها ابن عساكر في تاريخ دمشق حينما قال: «أنا والجاحظ وضعنا “حديث فدك” وأدخلناه على الشّيوخ ببغداد، فقبلوه إلّا ابن شيبة العلوي [الزّيدي] فإنه قال: “لا يشبه آخر هذا الحديث أوّله” فأبى أن يقبله» [تاريخ دمشق: ج45، ص441].
#أجل؛ إنّها الحقيقة المرّة الّتي لا نستطيع هضمها بعد أن ذرفنا أنهاراً من الدّموع على مدى قرون طويلة ونحن نسمع غيرها، ولكن ماذا نصنع للجهل المُطبق الّذي توارثته بعض العمائم كابراً عن كابر، ومارست آلاف الطّرائق والأساليب في سبيل تعميقه وتركيزه وتأصيله، فتفطّن واحذر، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#خطوات_على_طريق_التّنوير
#مرجعيّات_مجهول_المالك
#الإمامة_الإثنا_عشريّة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...