لماذا نجحتْ مرجعيّةُ الأصفهانيّ حوزويّاً؟

3 أكتوبر 2016
955
ميثاق العسر

هناكَ شبهُ اتّفاقٍ بينَ الباحثينَ النجفيّينَ الذينَ عاصروا مرجعيّةَ السيّدِ أبو الحسنِ الأصفهانيّ على الدورِ الذي لعبهُ عاملُ الوقتِ في إنجاحِ مرجعيّتِهِ؛ إذ يرى هؤلاءُ الباحثونَ: إن تربّعَ الأصفهانيّ على دَسْتِ الرئاسةِ الدينيّةِ جاءَ في زمنٍ لم يمرُّ على الإسلامِ زمنٌ أحرجَ منهُ!!؛ «حيثُ إنّ الجوَ كانَ مشبعاً بأنواعِ النزعاتِ المتخالفةِ، والآراءِ المتباينةِ، تكتنفهُ الظلماتُ […]


هناكَ شبهُ اتّفاقٍ بينَ الباحثينَ النجفيّينَ الذينَ عاصروا مرجعيّةَ السيّدِ أبو الحسنِ الأصفهانيّ على الدورِ الذي لعبهُ عاملُ الوقتِ في إنجاحِ مرجعيّتِهِ؛ إذ يرى هؤلاءُ الباحثونَ: إن تربّعَ الأصفهانيّ على دَسْتِ الرئاسةِ الدينيّةِ جاءَ في زمنٍ لم يمرُّ على الإسلامِ زمنٌ أحرجَ منهُ!!؛ «حيثُ إنّ الجوَ كانَ مشبعاً بأنواعِ النزعاتِ المتخالفةِ، والآراءِ المتباينةِ، تكتنفهُ الظلماتُ المتكدّسةُ؛ من جرّاءِ الحوادثِ التي كانتْ تتعاقبُ على المسلمينَ عامّةً، وعلى المذهبِ الشيعيِّ خاصّةً؛ فالطائفيّةُ كانتْ قائمةٌ على أشدّها، والجامعةُ الدينيّةِ في النجفِ وغيرها مبعثرةٌ لا يُرجى منها لمّ الشعثِ، والفقرُ ضاربٌ أطنابهُ بينَ أهلِ العلمِ، والشبابُ يُعتبرُ نازعاً خارجاً عن الدينِ، والأفكارُ الهدّامةُ منتشرةٌ هنا وهناك. فلمْ يمرُّ يومٌ إلا وتسمعُ فيهِ صرخةً للشيطانِ يستفزُّ بها أتباعهُ وجنودهُ؛ ليزيدوا في تشتيتِ الآراءِ، عنْ طريقِ الاختلافاتِ الطائفيّةِ تارةً، وعن طريقِ العنعناتِ الحزبيّةِ تارةً أخرى، ويتحفّزُ للوقيعةِ بالوحدةِ الشعبيّةِ عن طريقِ التضاربِ بين الرجعيّةِ والتنوّرِ الفكريِّ يومئذٍ، كلُّ هذهِ الأحوالِ تتطلّبُ من الزعيمِ الدينيّ عقلاً رزيناً، وحلماً واسعاً، وحنكةً ومقدرةً في إدارةِ دفّةِ الأمورِ؛ لأنّهُ بحكمِ الظروفِ أصبحَ المسؤولُ أمامَ اللهِ ورسولهِ أنْ لا يدّخر وسعاً في الإصلاحِ مهما كلّفهُ الثمنُ»(1).
وفي هذا السياقِ الإسلاميّ والشيعيّ المعقّدِ والمتراكمِ والمظلمِ الذي صوّره هؤلاء، نجدُ إنّ للبذلِ والتنظيمِ دوراً هامّاً في صناعة المرجعيّة وتثبيتهاِ؛ فعنْ طريقهما يتمكّنُ مرجعُ التقليدِ من وضعِ علامةٍ فارقةٍ في مرجعيّتِهِ، تُشَخِّصُها عن غيرها، وتميّزهُ عنْ الآخرينَ أيضاً، وهكذا كانَ أبو الحسن؛ «فقد اهتمَّ “رحمهُ اللهُ” في شؤونِ أهلِ العلمِ اهتماماً متواصلاً منذُ بدءِ نهضتهِ الإصلاحيّةِ؛ فأخذَ بتنظيمِ شؤونِ المدارسِ العلميّةِ في النجفِ وكربلاءِ والكاظميّةِ وسامراءِ، وجعلَ يُخصّصُ لها المبالغَ التي لا تحصرُ تحت عدٍّ؛ مّما يعمُّ التعليمَ والرواتبَ والخبزَ والأكسيةَ، وحتّى الزياراتِ والنُزهِ المشروعةِ؛ ترفيهاً لأهلِ العلمِ وافضالاً عليهمُ، حتّى تهافتْ الناسُ على طلب العلم، وملأوا المدارس، إلى أن بلغ في كلّ غرفة ثلاثة من المهاجرين، وضاقت بهم تلك المعاهد على كثرتها وسعتها، مّما ألجأهُ إلى دفعِ إيجارِ البيوتِ بمبالغَ ضخمةٍ، فأصبحَ طالبُ العلمِ يضاهي أكابرَ المثرينَ، في رفاهِ العيشِ وطيبِ المسكنِ والمأكلِ والملبسِ والموطئِ، في ظرفِ مدةٍ وجيزةٍ كانتْ قبلها المدارسُ خاويةً خاليةً، وأهلُ العلمِ مشرّدونَ، ينتجعونَ مواردَ الكسبِ، ويفرّونَ من العلمٍِ فرارهمُ من الفقرِ المُدقعِ، بعد أنْ سُدّتْ في وجوههمِ الأبوابُ، فأصبحوا بفضلِ [الأصفهانيّ] أعزّاءَ مكرّمينَ، بعد ذلٍّ وامتهانٍ لم يُعهدْ له مثيلٌ، عزّاً وإكراماً لم يعهدْ مثيل أيضاً»(2).
وسواء أ طابق التوصيفُ أعلاهُ الواقعَ الحوزويَّ النجفيَّ آنذاك، أم اختلجتهُ المجاملاتُ الحوزويّةِ بعضَ الشيء، لكنّه يكشفُ بشكلٍ وبآخر عن التصوّرِ العامِّ الذي كان يعيشهُ مشايخُ تلكَ المرحلةِ ويحملهُ مثقّفوها عن مرجعيّةِ أبو الحسن، ومن خلالهِ يعرفُ القارئ أحدَ الأسرارِ التي دعتْ طلّابَ الدولِ الإقليميّةِ إلى الهجرةِ إلى حوزةِ النجفِ الأشرفِ والاستيطانِ فيها. وكيفَ ما كانَ الأمرُ، إلا إنّ هذا لا يمنعُنا من طرحِ بعضِ التساؤلاتِ:
#الأوّلُ: هل كانتْ العلامةُ الفارقةُ لمرجعيّةِ الأصفهانيّ ـ أعني البذلَ والتنظيمَ ـ تُمارسُ بطريقةٍ عادلةٍ بعيدةٍ عن التمييز العنصريّ والقوميّ، أم إنّها مالتْ إلى أبناءِ جلدَتها بعضَ الشيء؛ انطلاقاً من قاعدةِ: “الأقربونَ أولى بالمعروفِ”؟!
#الثاني: هل وظّفتْ المرجعيّاتُ التاليةِ لمرجعيّةِ الأصفهانيّ هذه السُنّةَ الحسنةَ توظيفاً إيجابيّاً في الاتّجاهِ الصحيحِ، أم تمَّ استغلالُها من “بعضِِ بِطانتِها” استغلالاً بشعاً تحتَ شمّاعاتِ الشأنيّةِ والمقامِ والجاهِ؛ لتتحوّلَ هذه الشمّاعاتُ إلى عناوينَ ثانويّةٍ شرعيّةٍ لتبريرِ عمليّاتِ السلبِ والنهبِ البشعةِ التي يمارسها بعضُ المحسوبينَ على الدينِ، وآسفي: إنّها بمرأىً ومسمعٍ من العامِّ الفوقانيّ.
#الثالثُ: هلْ انتقلتْ هذهِ الهياكلُ والتنظيماتُ والترتيباتُ والمؤسّساتُ والمدارسُ والأموالُ…الخ، التي كانتْ تحتَ سلطةِ مرجعيّةِ السيّدِ أبو الحسن الأصفهانيّ إلى المرجعيّةِ التي تليها، أم إنّها خضعتْ ـ كالعادةِ ـ إلى قانونِ الوراثةِ الفقهيِّ؟!
تساؤلاتٌ ربّما تكشفُ عنْ إجابتِها بعضُ المقالاتِ الّلاحقةِ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
#الهوامشُ:
(2،1) خصّصتْ مجلّةُ: «الدليلِ» النجفيّةِ عددَها الثالثِ والرابعِ الصادرِ في عامِ: «1946م) لمناسبةِ مرورِ أربعينَ يوماً على وفاةِ السيّدِ أبو الحسن الأصفهانيّ، وقد حملَ العددُ مجموعةً من المقالاتِ بأقلامٍ نيّرةٍ وكبيرةٍ، كالشيخِ محمد رضا المظفّر، والسيّد محمد تقي الحكيم وغيرهم أيضاً. وقد نقلتُ المقاطعَ أعلاه من مقالِ الشيخِ عبد المنعم العكّام (1900ـ1974م) الذي حملَ عنوانَ: “صفحةٌ من حياةِ الراحل العظيم”.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...