لغة السّيف ولغة المثاليّات!!

14 أبريل 2019
196
ميثاق العسر

#قيل للمرجع الدّينيّ المعاصر الشّيخ إسحاق الفيّاض “حفظه الله”: «ما هو تكليفيّ الشّرعي فيما لو شتم شخص أمامي ربّ العالمين سبحانه وتعالى، أو رسوله الكريم “ص”، أو أحد المعصومين “ع”؟». #فأجاب بعد أن تجاوز حكم سابّ الله تعالى قائلاً: «حكم سابّ النّبيّ “ص” أو أحد الأئمّة المعصومين “ع” عن جدّ وقصد هو القتل، ولكن قد […]


#قيل للمرجع الدّينيّ المعاصر الشّيخ إسحاق الفيّاض “حفظه الله”: «ما هو تكليفيّ الشّرعي فيما لو شتم شخص أمامي ربّ العالمين سبحانه وتعالى، أو رسوله الكريم “ص”، أو أحد المعصومين “ع”؟».
#فأجاب بعد أن تجاوز حكم سابّ الله تعالى قائلاً: «حكم سابّ النّبيّ “ص” أو أحد الأئمّة المعصومين “ع” عن جدّ وقصد هو القتل، ولكن قد يكتنف هذه الحادثة بعض الظّروف الّتي تغيّر حكم المكلّف، ولا يكون واجباً عليه كما لو خيف حدوث الفتنة أو ذهاب الأرواح». [الاستفتاءات الشّرعيّة: ق2، المعاملات، ط1، 2014م/1435هـ، المطبعة: الكلمة الطّيبة، ص261].
#أقول: أصل الحكم الفقهيّ الّذي ذكره الفيّاض ليس بدعاً من القول؛ بل هو حكم مشهوريّ لا خلاف فيه بين الفقهاء والمراجع الإثني عشريّة، وهو مستفاد من نصوص روائيّة صحيحة ومعتبرة عندهم واردة في هذا الخصوص، وليس هذا محلّ حديثي فعلاً، ولكنّ الّلافت والغريب: إنّني استمعت اليوم إلى مقطع مرئيّ مسجّل حديثاً للفيّاض يتحدّث فيه بنصائح أخلاقيّة لمجموعة من طلّاب الحوزة العلميّة، منها ضرورة الحفاظ على درسهم وجعل الأولويّة له، وقد طرح ما يتناقض مع هذه الفتوى تماماً، حيث قال ما لفظه:
#حفظ مذهب هذه الحوزات العلميّة، بمراجعها، بأساتذتها، وبطلابها، هم الذين حافظوا على اعتدال المذهب وسلامة المذهب من الأفكار المتطرّفة والمنحرفة والأفكار التّكفيريّة والقتل؛ فهذه الأمور ليست في مذهب الشّيعة، والشّيعة تحافظ على مذهبهم؛ فإنّ مذهب أئمّتنا امتداد لمذهب النّبي الأكرم، ومذهب النّبي الأكرم هو الاعتدال؛ يتعامل مع المشركين الّذين هم أعدى أعدائه بأخلاق عالية حتّى نزل في حقّه إنّك لعلى خلق عظيم، عليّ بن أبي طالب غصب حقّه، وهو أكبر جريمة في الإسلام، شتّت الإسلام، وتفرّق الإسلام، أحرق بابه، أسقط جنين حريمه، وظلم ما ظلم، مع ذلك يتعامل مع جميع أعدائه بالاعتدال وبالهدوء وبالاستقرار وبابتسامة الوجه وبكلام طيّب وبكلام حسن [!!]…». [مقطع مرئي في اليوتيوب].
#ولكي نُحسن الظّن بالشّيخ الفيّاض ينبغي أن نحمل كلماته أعلاه على المجاملة وتطييب الخواطر أو لعناوين ثانويّة استدعت ذلك أو أنّه نسي ما قرّره في رسالته العمليّة بوضوح حينما قال: «”مسألة 856″: يجب قتل من سبّ النّبيّ “ص” على سامعه‌ ما لم يخف‌ الضّرر على نفسه أو عرضه أو ماله الخطير ونحو ذلك، ويلحق به سبّ الأئمة “ع” وسبّ فاطمة الزّهراء “ع”، ولا يحتاج جواز قتله إلى الإذن من الحاكم الشرعيّ». [‌منهاج الصالحين، الفيّاض: ج‌3، ص297]، وإذا كانت هذه الفتوى قد استنبطها الفيّاض من نصوص صحيحة ومعتبرة فلما يُغرَّر بالنّاس ويُقال لهم: إنّ الرّسول والأئمّة “ع” كانوا يتعاملون مع أعدائهم بطريقة مثاليّة عظيمة؟!
#وإذا ما أردنا أن نضرب مثالاً عاجلاً لأهمّ النّصوص الّتي يطرحها الفقهاء والمراجع الإثنا عشريّة في تبرير مثل هذا الحكم القاسي والّذي يخالف مقاصد الدّين وأهدافه فلا يمكننا أن نتجاوز ما يُسمّى عندهم بصحيحة محمّد بن مسلم والّتي رواها عن الباقر “ع” والّتي جاء فيها ما يلي: «إنّ رجلاً من هذيل كان يسبّ رسول الله “ص”، فبلغ ذلك النّبي “ص” فقال: من لهذا؟ فقام رجلان من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله. فانطلقا حتى أتيا عربة [منطقة قريب المدينة] فسألا عنه فإذا هو يتلقى غنمه، فقال: من أنتما وما اسمكما؟ فقالا له:أنت فلان بن فلان؟ قال: نعم، فنزلا فضربا عنقه [!!]». وهنا قال محمّد بن مسلم للباقر “ع”: «أ رأيت لو أن رجلاً الآن سبّ النّبي “ص” أ يقتل؟قال: إن لم تخف على نفسك فاقتله». [الكافي: ج7، ص267].
#اعتقد إنّنا بحاجة ماسّة جدّاً إلى إعادة قراءة شخصيّات الرّموز الدّينيّة الكبيرة بشكل واقعيّ وحقيقيّ بعيداً عن الأساطير والحكايات وما ينبغي أن يكون، وأن لا ننساق مع فهمنا المذهبيّ لبعض الآيات القرآنيّة ذات الصّلة فنحير حينذاك بين مثاليّة هذه الآيات وبين عدم انسجامها مع الواقع التّاريخيّ والرّوائيّ المنقول والمُفتى على أساسه أيضاً، ولهذا نحتاج إلى فقيه جريء مسلّح بأدوات فهم الحقيقة كما هي لا كما يُريدها المذهبيّون، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...