لحظة بيعة السجّاد “ع” ليزيد!!

26 سبتمبر 2018
33
ميثاق العسر

#في نظام الخلافة الإسلامي الشّائع لا يوجد شيء اسمه معارضة وعدم بيعةٍ لرأس الهرم ومع هذا تبقى حياة المعارض في أمن وسلامة، بل إنّ من لا يبايع لا طريق له سوى خيارين: إمّا أن يفرّ فيكون هارباً خارجاً عن قانون الخلافة وبمجرّد الإمساك به تُجرى بحقّه أقصى العقوبات وهي القتل أو السجن أو العفو بعد […]


#في نظام الخلافة الإسلامي الشّائع لا يوجد شيء اسمه معارضة وعدم بيعةٍ لرأس الهرم ومع هذا تبقى حياة المعارض في أمن وسلامة، بل إنّ من لا يبايع لا طريق له سوى خيارين: إمّا أن يفرّ فيكون هارباً خارجاً عن قانون الخلافة وبمجرّد الإمساك به تُجرى بحقّه أقصى العقوبات وهي القتل أو السجن أو العفو بعد المبايعة المذلّة، أو يذهب نحو الكفاح المسلّح وتضطرّ حكومة المركز إلى مواجهته وتجييش الجيوش ضدّه حتّى القضاء عليه وعلى أتباعه، وعلى هذا الأساس أقول:
#حينما أُسر السجّاد “ع” بعد واقعة كربلاء واقتيد إلى الشّام مكرهاً فلا يمكن أن نتفهّم إطلاق سراحه دون بيعة أو تسوية؛ فهذا الأمر يتنافى تمام التّنافي مع أدبيّات الخلافة الإسلاميّة الرّائجة في تلك البرهة الزّمنيّة، بل المرويّ من الفريقين إنّ يزيد أكرمه واهتمّ به؛ وذلك لأنّه حينما أراد إرجاع الموكب النّسائي الهاشمي إلى المدينة ـ وسنبدأ بنقل الحكاية بقلم زعيم الطّائفة الإثني عشريّة المفيد ـ «ندب النّعمان بن بشير وقال له: تجهّز لتخرج بهؤلاء النّسوان إلى المدينة، ولمّا أراد أن يجهّزهم دعا عليّ بن الحسين [السجّاد] “ع” فاستخلى به ثمّ قال: لعن الله ابن مرجانة؛ أم والله لو إنّي صاحب أبيك ما سألني خصلة إلّا أعطيته إيّاها، ولدفعت الحتف عنه بكلّ ما استطعت، ولكنّ الله قضى ما رأيت، كاتبني من المدينة، وأنّه كلّ حاجة تطلبها تكون لك. وتقدّم بكسوته وكسوة أهله… فسار معهم في جملة النّعمان، ولم يزل ينازلهم في الطّريق ويرفق بهم ـ كما وصّاه يزيد ـ ويرعونهم حتّى دخلوا المدينة». [المفيد، الإرشاد: ج2، ص122]، وحينما عاد إلى المدينة عاش كبقيّة المهاجرين والأنصار وغيرهم وفي عنقه بيعة ليزيد بن معاوية دون شكّ وريب، وهذا من الواضحات.
#وبعد أن أوفد أهل المدينة وفداً من علية قومهم إلى الشّام بغية التّفاوض مع حكومة المركز لعلاج بعض المشاكل في حكومتهم المحليّة، أجزل لهم يزيد العطاء والهدايا ووعدهم خيراً، لكنّ جملة منهم عاد وأخذ يحرّض ضدّ يزيد، وإنّه شارب للخمور وغير مواظب على الصّلاة…إلخ من أمور معروفة، فاجتمع المهاجرون والأنصار «عند منبر الرّسول “ص” وبدأوا بخلع بيعة يزيد، وجعل الرّجل منهم يقول: قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتي هذه، ويُلقيها من رأسه، ويقول الآخر: قد خلعت يزيد كما خلعت نعلي هذه، حتّى اجتمع شيء كثير من العمائم والنّعال هنالك…» [البداية والنّهاية: ج8، ص238]، لكنّ هناك من لم يخلع البيعة أصلاً، فقد «اعتزل النّاس: عليّ بن الحسين زين العابدين، وكذلك عبد الله بن عمر بن الخطّاب لم يخلع يزيد، ولا أحدٌ من أهل بيته… وقد سُئل محمّد بن الحنفيّة عن ذلك [أي عن خلع يزيد] فامتنع من ذلك وأبى أشدّ الإباء، وناظرهم وجادلهم في يزيد وردّ عليهم ما اتّهموه به من شرب الخمر وتركه بعض الصّلوات»، وقال لهم: «ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده قرأيته مواظباً الصّلاة متحرّياً للخير يسأل عن الفقه ملازماً للسُنّة…».[ص255].
#ومع إغماض الطّرف عن صحّة ما نُسب إلى ابن الحنفيّة ولكنّ: بعد مراحل من الشّد والجذب وصلت الأخبار إلى يزيد فاتّخذت حكومة المركز قراراً بإرسال الجيش لعلاج هذا التّمرّد على سلطتها، وحينما وصل قائد الجيش مسلم بن عُقبة إلى المدينة استشار من استشار فأشار عليه بالمكوث خارج المدينة وإمهال أهلها “72 ” ساعة لمبايعة يزيد، وقد رضخ بعضهم لهذا القرار ولم يرضخ آخرون فاستباح المدينة إثرها وحصل ما حصل كما هو محرّر في كتب التّاريخ المختصّة.
أمّا المرويّات المنقولة عن طبيعة الّلقاء الحاصل بين مسلم بن عُقبة وبين السجّاد “ع” فهي تُجمع تقريباً على إنّ مسلم أبلغ السجّاد “ع” بوجود توصية خاصّة من يزيد به، وإنّه تسلّم كتابه كما طلب منه حين لحظة تودعيه أيضاً، وقال له: «إنّ أمير المؤمنين [ويعني يزيد] أوصاني بك قبلاً، وهو يقول: إنّ هؤلاء الخبثاء شغلوني عنك وعن وصلتك، ثمّ قال لعليّ [السجّاد “ع”]: لعلّ أهلك فزعوا؟! قال: أي والله، فأمر بدابّته فأسرجت، ثمّ حمله فردّه عليها». [تاريخ الطّبري: ج5، ص484؛ 493].
#أمّا المؤرّخ الشّيعي ابن واضح اليعقوبي المتوفّى ما بعد سنة: “292هـ” فينصّ على إنّ مسلم بن عقبة كان قد «أخذ النّاس على أن يبايعوا على أنّهم عبيد ليزيد بن معاوية، فكان الرّجل من قريش يؤتى به فيقال: بايع …[على] إنّك عبد قنّ ليزيد، فيقول: لا فيضرب عنقه، فأتاه عليّ بن الحسين “ع” [السجّاد] فقال: علامَ يُريد يزيد أن أبايعه؟ فقال [له مسلم]: على أنّك أخ وابن عمّ، فقال [له السجّاد]: وإن أردت أن أبايع على أنّي عبد قنّ فعلت، فقال [مسلم]: ما أجشمك هذا. فلمّا أن رأى النّاس إجابة عليّ بن الحسين “ع” قالوا: هذا ابن رسول الله “ص” بايعه على ما يُريد فبايعوه على ما يريد”». [تاريخ اليعقوبي: ج2، ص223ط النّجف]، وقد عرفنا فيما تقدّم من سطور إنّ أصل البيعة كانت متحقّقة قبل هذا التّاريخ، وهذه الأمور إن حصلت فهي لتأكيدها فقط.
#وأخيراً: إنّنا حينما نسرد الوقائع التّاريخيّة الجزميّة في هذا الخصوص ـ أعني بيعة السجّاد “ع” ليزيد ـ لا نريد أن نشرعن خلافة يزيد ولا سلوكيّاته والعياذ بالله، وكيف نشرعن ذلك وهو الّذي يتحمّل المسؤوليّة الأولى والأخيرة عن مقتل الحسين بن عليّ “ع” مهما تعذّر أو برّر، ولكنّنا نريد بذلك أن نضع علامة استفهام كبيرة على القراءة المشهورة والرّاكزة في الوسط الإثني عشريّ المعاصر حول حركته “ع” من المدينة وحتّى نهايته المأساويّة الدّمويّة المفجعة؛ إذ لو كان “ع” قد خرج وهو ناو للشّهادة من لحظته بغية زرع روح الاستبسال والشّهامة والمقاومة في الأمّة حتّى مع قلّة النّاصر والمعين لكان ولده السجّاد “ع” أولى بأن يمتثل لهدف والده، لكنّنا رأينا منه خلاف ذلك تماماً، بل بقي الموقف العامّ لأولاده من الأئمّة ع ومشهور الفقهاء والمراجع الإثني عشريّة هو التّقيّة وعدم المواجهة المسلّحة، فتفطّن كثيراً ولا تغرّك الشّعارات الرّنانة وأفهم حركة الحسين بن عليّ ع كما فهمها وطبّقها نجله السجّاد ع، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...