كراهة تعليم النساء سورة يوسف، مفارقة روائيّة

4 أكتوبر 2012
853
ميثاق العسر

نلاحظ في بعض النصوص الواردة عن أهل بيت النبي عليهم السلام أنهم أمروا بعدم تعليم النساء سورة يوسف وعدم تعليمهن الكتابة أيضاً، والاقتصار على تعليمهن سورة يوسف، بل عقد صاحب الوسائل باباً لذلك…ألا يتنافى هذا الحديث مع بدهيات الدين الإسلامي؟


لا شك في أن أمثال هذه النصوص لا يمكن أن تشكّل قاعدة عامّة صالحة لكل زمان ومكان؛ وذلك لاصطدامها المباشر مع الرؤية التأسيسية البنائية العامّة التي ينطلق منها الدين في بناء الإنسان من دون فرق بين الرجل والمرأة، بل لحظت ـ على فرض صحتها ـ حالة اجتماعية متداولة في تلك الفترة الزمنية وصَبّت الحكم على أساسها، ومن الطبيعي أن هذا الحكم لا عموم ولا أطلاق له ليشمل كل زمانٍ ومكان؛ بل يختص بزمانه ومكانه ويتكرّر بتكرّرها.
ولا شك في أن ما تقتضيه قواعد الصناعة الفقهية المتداولة يخالف فحوى هذه النصوص جزماً؛ فإن العمومات الأولية ناصّة على أن القرآن الكريم من بدايته إلى نهايته كتاب نور وهداية للجميع من دون فرق بين الرجل والمرأة، ومن دون فرق بين آياته وسوره، بالإضافة إلى العمومات الأخرى، فكيف يمكن أن يقال: إن قراءة بعض الآيات القرآنيّة ليس كذلك بالنسبة للمرأة؟!
إن المشكلة التي يعاني واقعنا البحثي منها وهو يريد التعامل مع النصوص الدينية تكمن في آليات الفهم المتداولة؛ فهذه الآليات لا تُعطي مائزاً حاسماً يُفرّق من خلاله بين النصوص العامة التي تحمل اطلاقية المطلق وبين النصوص التي تريد أن تعالج ظاهرة خارجية معيّنة، بل كثيراً ما نلاحظ الانتقائية في التطبيق، وهذا مؤشر على غياب الرؤية المقاصديّة في الدين.
ولعل المشكلة الأخرى التي ولّدتها آليات الفهم المتداولة ترتبط بالضعف والقوة السندية؛ حيث أعتاد أغلب الباحثين ـ فضلاً عن عموم القرّاء والمتابعين ـ على أن تكون بداية انطلاقتهم هو رمي الرواية بالضعف، مع أن ضعف الرواية لا يعني عدم صدورها، بل أكثر ما يدلّ عليه عدم صحة الاحتجاج بها، والأجدر بالباحثين أن يذهبوا لتفحّص الوضع الاجتماعي العام الذي انطلقت فيه أمثال هذه الروايات، وأن يتحرّروا من الرؤية الكلامية الراكزة في الذهن الشيعي التي تقول: إن حركات الإمام وسكناته وأقواله وأفعاله الناطقة والصامتة كلها تشريع يستشرف المستقبل وكأنه يعيش في غُرف مظلمة كما هو حال بعض المفتين.
إن الأئمة (عليهم السلام) كائنات بشريّة لا يمكن لنا مهما أطّرناهم: بقيود كلاميّة أو فلسفيّة أو عرفانيّة أن نجرّدهم من إنسانيّتهم ومحيطهم الاجتماعيّ؛ فهم يحبّذون ظاهرة ويستهجنون أخرى انطلاقاً من رؤيتهم الدينيّة التي تتخطّ الحاضر أحياناً، وربّما لا تتخطّاه في أحايين أخرى… وبهذا المنهج سنتمكّن من حلحلة (بعض) ما ظاهره التناقض في نصوصهم (عليهم السلام).


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...