كذبة لا تقاتلوا الخوارج بعدي!!

27 مايو 2019
1027
ميثاق العسر

#واحدة من أشهر النّصوص الرّاكزة في أذهاننا الشّعبيّة والعلميّة الإثني عشريّة المعاصرة هي المقولة المنسوبة لعليّ بن أبي طالب “ع”: «لا تقاتلوا الخوارج بعدي؛ فليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه»، مقولةٌ أضحت شعاراً علويّاً نتغنّى به ونتفاخر على الآخرين بدقّته ومثاليّته، من دون فحص أساساته الحديثيّة ومدى انسجام مضامينه مع الواقع التّاريخيّ […]


#واحدة من أشهر النّصوص الرّاكزة في أذهاننا الشّعبيّة والعلميّة الإثني عشريّة المعاصرة هي المقولة المنسوبة لعليّ بن أبي طالب “ع”: «لا تقاتلوا الخوارج بعدي؛ فليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه»، مقولةٌ أضحت شعاراً علويّاً نتغنّى به ونتفاخر على الآخرين بدقّته ومثاليّته، من دون فحص أساساته الحديثيّة ومدى انسجام مضامينه مع الواقع التّاريخيّ الواصل.
#وانطلاقاً من المسؤوليّة الّتي أخذناها على عاتقنا في تنوير أذهان المتابعين بالإثارات الجادّة والمُجدية، وضرورة تكريس مبدأ: إنّ المرجعيّة الحقيقيّة لاكتشاف الحقائق العلميّة هي العلم فقط لا الصّورة النّمطيّة الغارقة في المثاليّة المرسومة في الأذهان عن الرّموز الدّينيّة أو المذهبيّة، أقول: انطلاقاً من ذلك أجد من الّلازم فحص أساسات هذه المقولة ورؤية مدى انسجامها مع الواقع التّاريخيّ الواصل أيضاً.
#يبدو إنّ المقولة بهذه الصّيغة وردت لأوّل مرّة في كتاب “نهج البلاغة” للشّريف الرّضي المتوفّى سنة: “415هـ” ولا يوجد لصيغتها بهذه الصّورة مصدر واصل على الإطلاق، والظّاهر إنّها ولدت من أجل بيان عدم شرعيّة قتال معاوية لهم، ولهذا علّق الشّريف الرّضي عليها قائلاً في تفسيرها: «يعني معاوية وأصحابه»، والظّاهر إنّها لا تصحّ نسبتها إلى عليّ “ع” ولا يمكن تعقّل صدورها منه أيضاً، وإنّما رويت من دون أسناد عن نجله الحسن “ع” وفي حادثة خاصّة تختلف عن سياق ما نسبوه إلى أبيه “ع”، وبيان ذلك يقرأ في السّطور التّالية:
#عقد المبرّد المتوفّى سنة: “285هـ” في كتابه الكامل بحثاً حمل عنوان: «الخوارج ومعاوية»، تحدّث فيه عن أوّل من خرج بعد قتل عليّ “ع”، فنصّ على أنّه «حوثرة الأسدي؛ فإنّه كان متنحيّاً بالبندنيجين [قضاء مندلي]، فكتب إلى حابس الطائي يسأله أن يتولى أمر الخوارج حتّى يسير إليه بجمعه، فيتعاضدا على مجاهدة معاوية، فأجابه فرجعا إلى موضع أصحاب النخيلة، ومعاوية بالكوفة حيث دخلها مع الحسن بن علي بن أبي طالب “صلوات الله عليه”، بعد أن بايعه الحسن والحسين “ع” وقيس بن سعد بن عبادة. ثمّ خرج الحسن يريد المدينة، فوجه إليه معاوية وقد تجاوز في طريقه يسأله أن يكون المتولي لمحاربتهم، فقال الحسن: والله لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين، ولا أحسب ذلك يسعني، أفأقاتل عنك قوماً أنت والله أولى بالقتال منهم!». [الكامل للمبرّد: ج3، ص175].
#أمّا المرحوم الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” فقد نقل عن كتاب نسبه للمغالي والمفوِّض محمّد بن بحر الشّيباني حمل عنوان: «الفروق بين الأباطيل والحقوق» نصّاً يهدف إلى إبطال دعوى إنّ الحسن بن عليّ “ع” كان قد بايع معاوية على أساس إنّه «يسالم من سالم ويحارب من حارب ولم يبايعه على أنّه أمير المؤمنين»، فأفاد إنّ معاوية طلب من الحسن “ع” مقاتلة بعض الخوارج الّذين خرجوا على معاوية في الكوفة، فتمنّع “ع” قائلاً: «يأبى الله لي بذلك»، ولمّا سأله معاوية عن السّبب قائلاً له: «أ ليس هم أعداؤك وأعدائي؟!»، أجابه الحسن “ع”: «نعم يا معاوية، ولكن ليس من طلب الحقّ فأخطأه، كمن طلب الباطل فوجده»، فسكت معاوية كما في الرّواية. [علل الشّرائع: ص218].
#وبغضّ الطّرف عن تشكيكاتنا في النّص الّذي نقله المرحوم الصّدوق كثيراً، لكنّا إذا ما أردنا أن نفسّر ما نُسب إلى الحسن بن عليّ “ع” من عدم رغبته في قتال الخوارج تفسيراً معقولاً فلا نعدو ما ذكره المرحوم الشّوشتري المتوفّى سنة: “1415هـ”؛ حيث خصّ قول الحسن “ع” بفئة خاصّة من الخوارج؛ وذلك لأنّ «حوثرة وحابسًا لم يكونا ممّن قاتل أمير المؤمنين [عليّاً] “ع” وإنّما اعتزلاه، وشكّا في أمره، وأرادا بعدُ قتال معاوية لوضوح بطلانه» [بهج الصّباغة: : ج5، ص476]، وعلى هذا الأساس فلا معنى لتعليق ابن أبي الحديد على الكلام المنسوب إلى الحسن بن عليّ “ع” المنقول عن المبرّد بقوله: «قلت: هذا موافق‏ لقول أبيه: لا تقاتلوا الخوارج بعدي…إلخ» [شرح النّهج: ج5، ص98]؛ إذ لم يثبت مثل القول عن أبيه “ع” على الإطلاق.
#ومن هنا كان المرحوم الشّوشتري محقّاً حينما علّق على انتساب هذه المقولة إلى عليّ “ع” قائلاً: «لم أقف أيضاً على مستنده، ويبعد أن يكون من كلامه “ع”؛ حيث إنّه “ع” لو كان قال ذلك لما تصدّى شيعته لقتالهم، مع أنّهم كانوا مجدّين في ذلك، وفي رأسهم صعصعة بن صوحان، ثمّ معقل بن قيس، وعدي بن حاتم، وشريك بن الأعور، ثمّ شيعة الكوفة والبصرة»، وأضاف أخيراً بعد البحث والتّحقيق:
#وبالجملة نهيه “ع” عن قتال الخوارج بعده “ع” بعد إصرار خواص شيعته على قتالهم غير معلوم، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّه بعد صلح إمامهم مع معاوية كان قتالهم لهم جائزاً، ووجه كلامه “ع” مع العامّة، و الكلام في نفسه صحيح بكون معاوية أولى بالمقاتلة من الخوارج، لكون الخوارج طلبوا الحقّ فأخطئوه؛ لكونهم أخفّاء إلهام سفهاء الأحلام، ومعاوية وأتباعه طلبوا الباطل فأدركوه». [بهج الصباغة: ج5، ص473].
#نعم؛ روى شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” في باب: «قتال أهل البغي من أهل الصّلاة» من كتابه التّهذيب ما يُشبه المقطع الأوّل من هذه المقولة، وبإسناده الموثّق عندهم «عن السّكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه “ع” قال: لمّا فرغ أمير المؤمنين [عليّ] “ع” من أهل النّهروان، قال: لا يُقاتلهم بعدي إلّا من هم أولى بالحقّ منه». [التّهذيب: ج6، ص159؛ ج6، ص144، تحقيق: الخرسان]، ومن الواضح إنّ هذا مطلب آخر ليس له علاقة بالمقولة محّل البحث.
#وفي تقديرنا: إنّ من يصدّق بنسبة هذه المقولة إلى عليّ بن أبي طالب “ع” يضع حروبه “ع” أمام اختبارات صعبة؛ إذ ما دام هؤلاء الخوارج طلّاب حقيقة وقد وقعوا في شبهة فما هو المبرّر لقتالهم حينذاك، الّلهم إلّا أن يُقال: إنّ قتالهم كان دفاعيّاً بعد أن ألقيت الحجّة عليهم واستوفيت شروطها، لكنّ يبعد هذا خصوصاً وقد روى الصّدوق والطّوسي بإسنادهما عن السّكوني عن جعفر عن أبيه “ع” قوله: ذكرت الحروريّة [فرقة من الخوارج] عند علي “ع” فقال: إن خرجوا على إمام عادل أو جماعة فقاتلوهم، وإن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم؛ فإنّ لهم في ذلك مقالاً». [علل الشّرائع: ص603؛ تهذيب الأحكام، مصدر سابق، نفس المعطيات].
#لذا نتمنّى من الخطباء الواعين ـ ولا يهمّنا غيرهم ـ أن لا ينساقوا في نقل هذه المقولات والبناء عليها؛ فإنّهم معنيّون حينذاك بإجابة الأسئلة الّتي سيطرحها الجيل النّابه عليهم في تبريرها وتفسيرها وطريقة التّحقّق من صدورها، ولا حراجة أكثر من حراجتهم في تلك الحال، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...