كذبة عدم رؤية ظلّ زينب!!

17 سبتمبر 2019
53
ميثاق العسر

#اعتقد أنّ معظمنا سمع من أهل المنابر وغيرهم حكاية يسوقونها للبرهنة على ستر زينب بنت عليّ وحجابها الشّديد والمثالي، وينسبونها لراوٍ سمّوه يحيى المازني، يقول فيها: «كنت في جوار أمير المؤمنين [عليّ] “ع” في المدينة مدّة مديدة، وبالقرب من البيت الّذي تسكنه زينب ابنته، فلا والله ما رأيت لها شخصاً، ولا سمعت لها صوتاً. وكانت […]


#اعتقد أنّ معظمنا سمع من أهل المنابر وغيرهم حكاية يسوقونها للبرهنة على ستر زينب بنت عليّ وحجابها الشّديد والمثالي، وينسبونها لراوٍ سمّوه يحيى المازني، يقول فيها: «كنت في جوار أمير المؤمنين [عليّ] “ع” في المدينة مدّة مديدة، وبالقرب من البيت الّذي تسكنه زينب ابنته، فلا والله ما رأيت لها شخصاً، ولا سمعت لها صوتاً. وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة جدّها رسول الله “ص” تخرج ليلاً، والحسن عن يمينها، والحسين عن شمالها، وأمير المؤمنين أمامها، فإذا قربت من القبر الشّريف سبقها أمير المؤمنين “ع” فأخمد ضوء القناديل، فسأله الحسن مرة عن ذلك؟ فقال: أخشى أن ينظر أحد إلى شخص أُختك زينب‏». [حياة زينب الكبرى: ص22].
#ورغم أنّ مضمون الرّواية واضح البطلان ويكذّبه الواقع الفقهي والتّاريخي في طريقة حجاب المرأة المسلمة في المدينة وواقعها، لكنّ هذه الحكاية كذبة صلعاء وفرية جوفاء، لا أصل ولا فصل لها في الموروث الرّوائيّ الإثني عشريّ الواصل فضلاً عن الإسلاميّ على الإطلاق ، وإنّما أظهرها لأوّل مرّة في واقعنا الإثني عشريّ ـ حسب الظّاهر ـ أحد خطباء وشعراء مدينة العمارة العراقيّة وهو: المرحوم جعفر الرّبعي المعروف بالنّقدي والمتوفّى سنة: “1370هـ” في كتابه “حياة زينب الكبرى”، من دون ذكر أيّ مصدر لها ولا نعرف من أين أخذها أو نسجها، وهكذا نقلها الّلاحقون ممّن كتب في هذا الميدان، ووظّفها الخطباء والرّواديد والشّعراء الحسينيّيون ونسجوا على منوالها حكايات وصوراً لا أصل ولا فصل لها، فصار كلّ من يتحدّث عن عفّة زينب وسترها ينقل لك هذه الفرية ويبدأ بطرح الوجوه تلو الوجوه في تفسيرها!!
#وهنا يحسن بي الإشارة إلى بعض الملاحظات وخاتمة:
#الأولى: في الموروث الرّوائيّ السُنّي هناك راو اسمه: يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازنيّ الأنصاريّ المدنيّ، وهو نجل عمارة الّذي استعمله عليّ “ع” على المدينة حين خروجه للعراق والّذي تُطرح شكوك حول عدّه من الصّحابة، وجدّه من الصّحابة الّذين شهدوا بدراً، وهو والد عمرو بن يحيى شيخ مالك بن أنس، وتوجد ليحيى روايات قليلة في موروثهم. أمّا في تراثنا فلا يوجد راو تحت هذا الاسم من الطّبقة المتّصلة بعصر زينب سوى ما تفرّد بذكره ابن شهر آشوب المازندراني المتوفّى سنة: “588هـ” تحت عنوان: “يحيى بن سليم المازني”، حيث عدّه أحد أصحاب الحسين بن عليّ “ع” المستشهدين في كربلاء، ونسب له أبياتاً ارتجز بها حين قتاله أيضاً!! [مناقب آل أبي طالب: ج4، ص102].
#الثّانية: الّلافت إنّ الكاتب المعروف بالنّقدي عرّض في مقدّمته بالكتاب الفارسي الطّزار المذهّب في فضائل زينب؛ ونصّ على أنّ مؤلّفه قد جمع بين الغثّ والسّمين، الأمر الّذي يشيّ للقارئ بأنّه ـ أي النّقدي ـ يهدف إلى بيان السّمين والسّليم فقط، مع أنّ من يقرأ كتابه يجد العكس تماماً.
#الثّالثة: الغريب أن يبادر المرحوم الشّهيد محمّد الصّدر المقتول سنة: “1419هـ” إلى الاعتماد على هذه الفرية ويرسلها إرسال المسلّمات في كتابه “شذرات من فلسفة تاريخ الحسين”، بل وسعى إلى اقتطاعها والحكم بتعدّدها أيضاً، وبدأ بعد ذلك بتحليلها وتفسيرها، وهو أمر مؤسف نلحظه كثيراً في الأوساط الحوزويّة؛ حيث يتلقّفون مقولة منبريّة أو مذهبيّة مشهورة على الألسن، فيبادرون إلى منحها صحّة الصّدور مباشرة ومن ثمّ تقديم الاستظهارات تلو الاستظهارات منها، مع أنّ جملة كبيرة من هذه المشهورات واضحة البطلان حين الفحص عن صحّة صدورها.
#الرّابعة: سُئل المرجع صادق الرّوحاني عن صحّة هذه الرّواية أوّلاً، وعن احتماليّة أن تكون ممارسة عليّ “ع” لإخماد الضّوء ناشئة من اتّجاههم لزيارة قبر السيّدة فاطمة ثانياً، وعن أنّ إخماد القناديل من قبله “ع” هل كان في كلّ زياراته أم عند مرافقة السيّدة زينب فقط ثالثاً؟! فأجاب: الظّاهر إنّ يحيى الرّاوي هو أحد المقاتلين في كربلاء حسب نقل ابن شهر آشوب، وإنّ هذه الرّواية إن صحّت ففي العمل المنقول فيها جهتان: تعظيم السيّدة زينب وحيازتها على الصّفات الحميدة ما لم يحز بعد أمّها أحد… إلخ وعطف الكلام بعدها إلى عصمتها [!!]؛ وإخفاء قبر السيّدة فاطمة [!!!]. [ألف فتوى وسؤال في التّقليد والعقائد: ص368]، ورغم أنّ الشّرطيّة صادقة حتّى مع كذب طرفيها كما يقولون، لكنّ هذا الّلون من الأجوبة والاستنتاجات مؤسفة للغاية؛ فكيف إذا كانت ادّعاءات الأعلميّة تبدأ عن طريقها، وتصدر الفتاوى بالضّلال والانحراف على أساسها!!
#وأخيراً: يبدو لي إنّنا صوّرنا لأنفسنا صورة نمطيّة غارقة في المثاليّة عن السيّدة زينب بنت عليّ بسبب أمثال هذه النّصوص المكذوبة، وأردنا أن نجعل هذه الصّورة هي المرجعيّة الحصريّة الّتي نحتكم إليها في تقييم النّصوص الرّوائيّة والتّاريخيّة المنقولة لأحداث كربلاء وقبليّاتها وبعديّاتها، وبادرنا بعد ذلك إلى تلقين الجماهير الإثني عشريّة تلقيناً دينيّاً واجتماعيّاً خاطئاً يوظّف زينب مثالاً نهائيّاً للصّبر والعفّة والسّتر بحيث لا يمكن لأيّ امرأة أن تبلغ مرتبتها، ولهذا أُسقطت لدينا النّصوص الرّوائيّة والتّاريخيّة دون العودة إلى مرجعيّة علميّة معتبرة، وتوقّفت لدينا احتماليّة أن تصل المرأة الإثنا عشريّة إلى مقام أخلاقيّ وديني عالٍ في الصّبر والعفّة والسّتر ربّما يفوق السيّدة زينب أيضاً، مع أنّ كلا هذين الأمرين خاطئان، والمؤسف أن يُتوسّل بالمذهبيّات لتثبيتهما، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...