كذبة عدم جواز الاعتماد على خبر الواحد!!

18 مايو 2019
218
ميثاق العسر

#ربّما يسخّف وعيك متعلّم هنا أو جاهل هناك بدعوى: إنّ ما تتحدّث عنه من روايات للتّشكيك بالمقولات العقائديّة أو الفقهيّة الإثني عشريّة وإن كانت صحيحة السّند ومستقاة من أصول مشهورة معروفة بين أصحابنا الإثني عشريّة المتقدّمين، إلّا إنّها أخبار آحاد لا توجب علماً ولا عملاً أصلاً، لذا من المعيب أن يُستند إليها في ردّ المتواترات […]


#ربّما يسخّف وعيك متعلّم هنا أو جاهل هناك بدعوى: إنّ ما تتحدّث عنه من روايات للتّشكيك بالمقولات العقائديّة أو الفقهيّة الإثني عشريّة وإن كانت صحيحة السّند ومستقاة من أصول مشهورة معروفة بين أصحابنا الإثني عشريّة المتقدّمين، إلّا إنّها أخبار آحاد لا توجب علماً ولا عملاً أصلاً، لذا من المعيب أن يُستند إليها في ردّ المتواترات الجزميّات القطعيّات!!
#وفي الحقيقة: إنّ مثل هذا الكلام لا يدلّ إلّا على جهالة صاحبه أو سذاجته في معرفة التّراث الإثني عشريّ وأدواته وطرائقه؛ وذلك لأنّ العمل بآخبار الآحاد كان سيرة عمليّة قائمة عندهم لا خلاف فيها على الإطلاق، وإنّ حكاية: “إنّ أخبار الآحاد لا توجب علماً ولا عملاً” إنّما هي حكاية جدليّة مارسها الأصحاب المتقدّمون وهم يحاججون الاتّجاهات الأخرى من السُنّة أو غيرهم من الفرق الشّيعيّة غير الإثني عشريّة؛ بغية أن يشكّكوا بالمستندات الرّوائيّة لمقولاتهم وكي لا يُلزموهم بها، وإلّا فهم يعملون بأخبار الآحاد بأبشع صور ذلك، لكنّ المؤسف: إنّ هذه الحكاية الجدليّة تحوّلت إلى حكاية برهانيّة فيما بعد بقصد أو من دون قصد؛ وذلك لقطع الطّريق أمام النقد الجادّ والمؤسّس لإمّهات المقولات الإثني عشريّة.
#وبغية إيضاح هذه الحقيقة سأستعين بنصّين هامّين، الأوّل: هو لشيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ”، والثّاني هو للمرجع الأعلى الإثني عشريّ حينها المرحوم حسين البروجرديّ المتوفّى سنة: “1380هـ”، وعن طريق هذين النّصّين ستتّضح الحقيقة، ويُغلق باب النّقاش في هذا الموضوع.
#النصّ الأوّل: قال الطّوسي في كتابه العدّة في أصول الفقه: «فأمّا ما اخترته من المذهب فهو: أنّ خبر الواحد إذا كان وارداً من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة، و كان ذلك مرويّاً عن النّبي “ص” أو عن واحد من الأئمة “ع”، وكان ممّن لا يُطعن في روايته، ويكون سديداً في نقله، ولم تكن هناك قرينة تدلّ على صحّة ما تضمّنه الخبر ـ لأنه إن كانت هناك قرينة تدلّ على صحّة ذلك كان الاعتبار بالقرينة وكان ذلك موجباً للعلم ونحن نذكر القرائن فيما بعد ـ جاز العمل به، والّذي يدلّ على ذلك: إجماع الفرقة المحقّة؛ فإنّي وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم ودوّنوها في أصولهم، لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه، حتّى أنّ واحداً منهم إذا أفتى بشي‏ء لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف، أو أصل مشهور، وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه، سكتوا وسلّموا الأمر في ذلك وقبلوا قوله، وهذه عادتهم وسجيّتهم من عهد النّبي “ص” ومن بعده من الأئمّة “ع”، ومن زمن الصّادق جعفر بن محمد “ع” الّذي انتشر العلم عنه وكثرت الرّواية من جهته، فلو لا أنّ العمل بهذه الأخبار كان جائزاً لما أجمعوا على ذلك ولأنكروه؛ لأنّ إجماعهم فيه معصوم لا يجوز عليه الغلط والسهو…». [العدّة: ص125].
#النصّ الثاني: في سياق إيضاحه لكلام الطّوسي طرح المرحوم البروجرديّ المتوفّى سنة: “1380هـ” كلاماً هامّاً جدّاً يرتبط بأخبار الآحاد، اعتقد إنّ الوقوف عليه والتّمعّن فيه رغم طوله كافٍ في إيضاح جملة من الحقائق الغائبة والمغيّبة؛ حيث قال:
#أنّه بعد ما قبض رسول الله “ص” وتصدّى الغاصبون لإحراز مقام الخلافة تنبّهوا على كونهم محتاجين إلى الاطّلاع على قوانين الإسلام وأحكامه لمراجعة النّاس إليهم في مسائلهم ومخاصماتهم، والمفروض: أنّهم أظهروا الغنى عمّا وصل من النّبي “ص” إلى أهل بيته “ع” من العلوم والمعارف الإسلاميّة، فلا محالة أحوجهم ذلك إلى العمل بما يرويه صحابة النبي “ص” عنه “ص” في الوقائع؛ ليعمل بها في مواردها ويُقاس عليها أشباهها ونظائرها. وقد كثر في زمان عمر الاستعلام من الصّحابة في القضايا المرفوعة إليه، فصار قول الصحابي بما هو صحابي حجّة واضحة عندهم، بحيث لم يمكن لأحد إظهار المخالفة في مقابل ذلك، فمن هنا ارتفع شأن الصّحابة، ولم يتأبّ الفُسّاق منهم من الجعل والافتراء على النبي “ص” أيضاً، فكثُرت من قبلهم روايات عن النّبي “ص” في الفروع والأصول على طبق ما اقتضته آرائهم وشهواتهم، وارتكز في أذهان التابعين أنّ الصّحابيّ لا يمكن أن يكون فاسقاً يكذب على رسول الله “ص”، فكانوا يتلقّون جميع رواياتهم بالقبول، فصار مبنى عقائدهم في الأصول والفروع روايات الصّحابة، حتّى مثل روايات أبي هريرة وعائشة ونحوهما.
#وهذه كانت طريقتهم إلى أن التفت جماعة من متكلميهم ـ أعني: المعتزلة ـ اشتمال الأحاديث المرويّة في الأصول على أمور مخالفة للعقل، موجبة للاعتقاد بتجسّم الباري جلّ شأنه وجواز رؤيته ونحو ذلك، فأنكروا هذه الأحاديث، فقُوبلوا بالتّكفيرات والتّهديدات؛ إذ كان بناء مخالفيهم ـ أعني: الأشاعرة ـ على العمل بكل ما ورد من النّبي “ص” ورواه الصّحابة وإن كان مخالفاً للعقل والاعتبار.
#ثم اُبتلي ببلاء المعتزلة المتكلمون من أصحابنا الإماميّة أيضاً إذ كانوا يناظرونهم في الأصول الإسلامية، فكانوا يروون عن النّبي “ص” ما وصل إليهم من أبي هريرة وأنس بن مالك وعائشة ومعاوية وغيرهم مما يخالف العقل، وأخذوا من الأئمة “ع” خلافه، فدار أمر أصحابنا المناظرين معهم بين أن يُظهروا عقيدتهم من التّبعيض بين الصّحابة وإظهار الاعتماد بما يرويه مثل أبي ذر وعمّار وأبي سعيد الخدريّ دون ما يرويه عائشة ومعاوية وأبو هريرة وأمثالهم، وبين أن ينكروا حجية الخبر الواحد مطلقاً في مقام المخاصمة معهم، وحيث أن الأوّل كان مساوقاً لتفسيق مثل عائشة وأبي هريرة وغيرهما من البدو إلى الختم، وكان ذلك عندهم بمثابة الكفر والخروج من الدّين لارتفاع شأنهم في النّاس، فلا محالة التجئوا إلى الثّاني.
#ومن هنا اشتهر بين متكلمينا القول: بأنّ أخبار الآحاد لا توجب علماً ولا عملاً؛ وذلك من غير فرق بين المعاصرين منهم للأئمة “ع” مثل: فضل بن شاذان، وبين غيرهم مثل: ابن قبة والمفيد والسيّد المرتضى وغيرهم؛ ووجه اشتهار هذه الجملة بين المتكلّمين منّا دون غيرهم: أنّ المتكلّمين منّا: كانوا في مقام المناظرة مع المخالفين.
#ومن هنا اتّضح: أنّ الإشكال الّذي أورده الشيخ [الطّوسي] على نفسه في غاية المتانة بدواً؛ إذ كتب المتكلّمين منّا مشحونة بالجملة المُشار إليها [أي: أخبار الآحاد لا توجب علماً ولا عملاً]، كما أنّ جواب الشّيخ [الطّوسي] أيضاً جواب حسن؛ فإنّه مع اشتهار هذه الجملة ترى أصحابنا الإماميّة [الإثني عشريّة] بأجمعهم من المتكلّمين وغيرهم: أنّهم كانوا يعملون بما وصل إليهم من الأئمة “ع” أو النّبي “ص” بطُرق أصحابهم الثّقات، كما دلّ على هذا المعنى كثير من الرّوايات الّتي ذكرناها سابقاً وغيرها فراجع، فإنّهم وإن لم يُألّفوا في بيان حجيتها تصنيفاً، ولم يصرّحوا بحجيتها قبل الشيخ [الطّوسي]، ولكن العمدة هو استقرار بنائهم على ذلك عملاً؛ فإنّها كانت مبنى فقههم، فجزى الله الشّيخ “قده” عنّا خير الجزاء؛ حيث جمع بين ما نرى منهم عملاً من العمل بأخبار الآحاد الواصلة إليهم من طريق أصحابهم، وبين ما أثبتوه في كتبهم الكلامّية من أنّ أخبار الآحاد لا تفيد علماً ولا عملاً، كيف ولو لم يتصد لرفع هذا التّهافت لبقي هذا الإشكال وأشكل رفعه، فراجع [كتاب] “العدة” في المقام؛ فإنّ مبحث حجيّة الخبر من أركان الفقه، وقد ورد فيه “قده” وحقّق فيه بما لا يغنى عنه غيره». [نهاية الأصول، تقريراً لأبحاث المرحوم البروجرديّ، بقلم: المرحوم المنتظريّ: ص522].
#أقول: اعتقد إنّ أصحابنا سعوا جاهدين لقطع الطّريق أمام كلّ من يُريد الاعتراض بحقّ على حقّانيّة جملة من الأساسات المذهبيّة؛ لكنّهم نسوا: إنّ جملة وافرة جدّاً من النّصوص الرّوائيّة الفقهيّة والعقائديّة الصّحيحة تكشف كشفاً واضحاً عن بطلان جملة مّما سمّوه بأصول عقائديّة وفقهيّة مسلّمة، فبدل أن يلتفتوا إليها ويدقّقوا فيها ليعيدوا النّظر في حقّانيّة تلك الأصول، ميّعوها بشكل كامل، وسعوا جهد إمكانهم لرفع التعارض المتراءى بين مؤدّياتها، وهنا مكمن المشكلة وموطن الخلل، وبعد أن عرفت حقيقة العمل بأخبار الآحاد سيتجلّى لك حجم المؤامرات الّتي تقف أمام إقصاء الدّلالات الحقيقيّة لهذه الأخبار من قبل من أشربوا حبّ العجل في قلوبهم، فليُتفطّن كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#الإمامة_الإثنا_عشريّة
#المهدويّة_الإثنا_عشريّة
#هبوط_وعي_المؤسّسين


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...