كذبة الّلهم تقبّل منّا هذا القربان!!

12 سبتمبر 2019
45
ميثاق العسر

ثمّة صورة نمطيّة غارقة في المثاليّة راكزة في الأذهان الإثني عشريّة منذ قرون عدّة حول السيّدة زينب بنت عليّ بن أبي طالب، صورة تتحدّث عن عصمتها، وعن صبرها، وعن رباطة جأشها، وعن بلاغتها… إلخ، لكنّ الحقيقة أنّ هذه الصّورة لا تستند إلى معطيات روائيّة تاريخيّة صحيحة على الإطلاق، بل هي وليدة أوهام مذهبيّة منبريّة ولدت […]


ثمّة صورة نمطيّة غارقة في المثاليّة راكزة في الأذهان الإثني عشريّة منذ قرون عدّة حول السيّدة زينب بنت عليّ بن أبي طالب، صورة تتحدّث عن عصمتها، وعن صبرها، وعن رباطة جأشها، وعن بلاغتها… إلخ، لكنّ الحقيقة أنّ هذه الصّورة لا تستند إلى معطيات روائيّة تاريخيّة صحيحة على الإطلاق، بل هي وليدة أوهام مذهبيّة منبريّة ولدت لاحقاً، وتتصادم مع الثّابت المنقول عن تلك المرحلة ورجالاتها.
#وبغية الوقوف على نموذج تطبيقيّ بسيط لأحد أجزاء هذه الصّورة، وتعريضه للفحص المخبري لتمييز حقّانيّته عن خطله، سنقوم بفحص المقولة الّتي طالما سمعناها من كافّة الطّبقات الحوزويّة المعاصرة بمختلف صنوفها ـ ونحن واعون جدّاً لما نذكره من تعميم ـ ، وهي قولهم وهي يسوّقون لرباطة جأش زينب بنت عليّ وصبرها على الشّدائد: إنّها وضعت يدها تحت جسد أخيها الحسين “ع”، ورفعت رأسها إلى السّماء مخاطبة ربّها: الّلهم تقبّل منّا هذا القربان!! وبذلك يضعون عموم الأخبار المرويّة في جزعها وبكائها وألمها وشقّ جيبها في سلّة المهملات، وبهذه الطّريقة ينتهي كلّ شيء لديهم!!
#وفي الحقيقة: إنّ هذه الواقعة المنسوبة للسيّدة زينب بنت عليّ والقول الّذي جاء فيها من الأكاذيب الجزميّة الّتي لا أصل ولا فصل لها في موروثنا الرّوائيّ، ومن يتحمّل مسؤوليّة إدخالها إلى الجسم الإثني عشريّ العربي ـ وهذا قيد مهمّ ـ في القرن الأخير هما: المرحومان جعفر النّقديّ المتوفّى سنة: “1370هـ” ، وعبد الرزّاق المقرّم المتوفّى سنة: “1391هـ” من خلال كتابيهما: «زينب الكبرى»، و«مقتل الحسين “ع”»، وقد قلّدهم دون دراية عموم المراجع والكتّاب والخطباء والرّواديد والشّعراء…إلخ العرب دون تنقيب وفحص وتدقيق، وهذا من مآسينا الكبيرة الّتي لا تنتهي عند حدّ، وهو من تجليّات زينب المذهبيّة الّتي ولدت أخيراً ببركة بعض الجهلة مهما كبرت عمائمهم.
#بيان ذلك: قال المرحوم جعفر النّقديّ في كتابه حياة زينب الكبرى الصّادر سنة: “1361هـ”: «يكفي في علوّ مقام هذه الدّرة المكنونة والجوهرة المصونة في الصّبر وعظيم في التّسليم لأمر الله، والرّضا بقضائه، ما نقله في الطّراز المذهّب: أنّها سلام الله عليها وعلى جدّها وأبيها وأمّها وإخوانها لمّا وقفت على جسد أخيها الحسين “ع”، قالت: الّلهم تقبّل منّا هذا القليل من القربان، قال: فقاربت أمّها في الكرامات، والصّبر في النّائبات، بحيث خرقت العادات، ولحقت بالمعجزات». [ص73، ط النّجف].
#وقال المرحوم عبد الرزّاق المقرّم في كتابه مقتل الحسين “ع” وهو يشرح أحوال ما بعد مقتله “ع” ويتحدّث عن أخته زينب: «ثمّ بسطت يدها تحت بدنه المقدّس ورفعته نحو السّماء وقالت: “الهي تقبّل منّا هذا القربان”، وهذا الموقف يدلّ على تبوّئها عرش الجلالة، وقد أُخذ عليها العهد والميثاق بتلك النّهضة المقدّسة كأخيها الحسين “ع”، وإن كان التّفاوت محفوظاً، فلمّا خرج الحسين عن العهدة بإزهاق نفسه القدسيّة، نهضت العقيلة زينب بما وجب عليها، ومن تقديم الذّبيح إلى ساحة الجلال الرّبوي، والتّعريف به، ثمّ طفقت سلام الله عليها ببقيّة الشّؤون ولا استبعاد في ذلك بعد وحدة النّور وتفرّد العنصر». [مقتل الحسين، عبد الرّزاق المقرّم: ص307، منشورات الشّريف الرّضي].
#وبعد ادّعائه قيام زينب بنت الحسين بذلك وضع هامش حمل المعطيات التّالية لإرشاد القارئ إلى مصدر نقله: [الكبريت الأحمر: ج3، ص12، عن الطّراز المذهب]، وقد قلّده جملة ممّن اعتمد على هذه المقولة الباطلة في المصدر ورقم الجزء والصّفحة أيضاً، وبغية إيقاف المتابع الجادّ على الحقيقة علينا فحص هذين المصدرين، والإلماع إلى حقيقتهما، وتاريخ تصنيفهما أيضاً.
#أمّا كتاب الكبريت الأحمر في شرائط المنبر فهو من تأليفات المرحوم محمّد باقر حسن القائينيّ البيرجنديّ الصّافي المتوفّى سنة: “1352هـ”، والرّجل خريج مدرسة سامرّاء ومن تلامذة المجدّد محمّد حسن الشّيرازي المتوفّى سنة: “1312هـ” والمحدّث النّوري المتوفّى سنة: “1320هـ” أيضاً، ولا زالت جملة من كتبه المخطوطة بيده في مكتبة المرحوم المرعشيّ النّجفي في مدينة قم الإيرانيّة لم تر النّور بعدُ.
#وهذا الكتاب ـ أعني الكبريت الأحمر ـ كُتب بالّلغة الفارسيّة ويشتمل على مطالب أخلاقيّة وصوفيّة عرفانيّة وغرائب كثيرة أيضاً، وفي الوقت نفسه فيه بعض التّحقيقات الحديثيّة على طريقة شيخه النّوري، ومن غرائبه إصراره انسياقاً مع قبليّات مذهبيّة ونصوص روائيّة ساقطة على أنّ السيّدة زينب بنت عليّ كان لها مقام النّيابة الخاصّة من الإمام، وإنّها كانت مرجعاً للشّيعة في الحلال والحرام حتّى زمان برء السجّاد “ع” من مرضه…إلخ، وفي سياق هذا المدّعى أورد نصوصاً وشواهد عليه فقال: «وفي [كتاب] طراز المذهب: أنّها سلام الله عليها وعلى أبيها وجدّها وأمّها وإخوانها لمّا وقفت على جسد أخيها الحسين قالت: الّلهم تقبّل منّا هذا القليل القربان، فقاربت أمّها في الكرامات، والصّبر في النّائبات؛ بحيث خرقت العادات، ولحقت بالمعجزات». [الكبريت الأحمر في مجالس أهل المنبر: ج3، ص17، ط الحجريّة].
#ولكي نعرف قيمة هذه المقولة الّتي عمد صاحب الكبريت الأحمر إلى نقلها من كتاب طراز المذهب في أحوال زينب أو الطّراز المذهّب، علينا في بداية الأمر أن نكشف حقيقة هذا الكتاب، وقيمة مؤلّفه أيضاً وتاريخ تصنيفه؛ لكي نضع نهاية علميّة معقولة لهذه الفرية الرّائجة في أوساطنا الإثني عشريّة المعاصرة، وعلينا بداية إيضاح مقدّمة:
#أمر السّلطان محمّد شاه القاجاريّ: محمد تقی سپهر أن يصنّف تاريخاً مفصّلاً للعالم منذ بدء الخليقة وحتّى عصره، فبدأ في عام: “1254هـ” بتصنيف كتاب حمل عنوان: “ناسخ التّواريخ”، وصدرت منه بعض الأجزاء وتوفّي المصنّف سنة: “1297هـ”، فقام نجله عباس قلي خان الّذي يُقال له: “سپهر الثاني” تمييزاً له عن والده بإكمال هذا المشروع، فصنّف كتباً منها: “الطّراز المذهّب في أحوال السيّدة زينب”، أو “طراز المذهب مظفّري” نسبة إلى السّلطان مظفّر الدّين شاه القاجاريّ باعتباره مستشاراً في بلاطه، وقد توفّي صاحب طراز المذهب في سنة: “1342هـ”، وقد طُبع كتابه على الحجر والحروف، ويبدو إنّه حُقّق وطُبع أخيراً من قبل المرحوم البهبوديّ.
#والواقع: إنّ كتاب ناسخ التّواريخ الأصلي فضلاً عن تتمّاته ومنها طراز المذهب من الكتب المصنّفة من قبل البلاط القاجاري، ولا قيمة علميّة لها عند المحقّقين خصوصاً فيما يرتبط بأحداث كربلاء وقبليّاتها وبعديّاتها ونصّوا على عدم اعتماده، والأخطاء الفاحشة الّتي فيه لا تخفى على قارئ فضلاً عن فاحص، وفي خصوص كتاب طراز المذهب أو الطّراز تحديداً سأعرّب اسمه كاملاً كما جاء على غلافه لكي يأخذ المتابع الجادّ نظرة عمّا جاء فيه من مضامين، حيث جاء: «الكتاب المستطاب: طراز المذهب المظفّريّ في أحوال شرافة السِّمات، وحضرة عصمة الآيات، وليّة الله العظمى، ناموس الكبرياء، الرّاضية بالقدر والقضاء، محبوبة المصطفى، الصبيّة المرضيّة للمرتضى المرضيّة، نائبة الزّهراء، شقيقة الحسن المجتبى والحسين سيّد الشّهداء، العالمة غير المعلّمة، الفهمة غير المفهّمة، الزّاهدة الفاضلة، العاقلة الكاملة، المحدّثة، جناب عفّة القباب، أمّ الحسن زينب الكبرى “ص”، من المصنّفات الفائقة لجناب صاحب الجلالة… الميرزا عبّاس قليخان سپهر، المستوفي الأوّل للبلاط الأعلى، ووزير مجلس الشّورى الأكبر…إلخ».
#وبالجملة: فهذا الكتاب مملوء بالأساطير والهلوسات الصوفيّة العرفانيّة لإثبات مقام العصمة للسيّدة زينب عن طريق بيانات صدر الدّين الشّيرازي في حقيقة النّفس البشريّة والاستناد في تطبيق هذه المفاهيم الكليّة على زينب من خلال مرويّات فاسدة لا أصل ولا فصل لها، وفي حدود المتابعة المتواضعة في تفحّص الأوراق المختصّة بأحداث ما بعد مقتل الحسين بن عليّ “ع” لم أجد للكلمة الّتي نقلها صاحب الكبريت الأحمر عنه ذكراً في هذا الكتاب، ولعلّه ذكرها استطراداً في موضع آخر من كتابه والله العالم، ولو فرضنا وجودها فهي ساقطة عن الاعتبار ولا قيمة لها أيضاً؛ إذ خلت عموم المصادر الإثني عشريّة وغيرها من ذكر هذه الفرية، ولعلّها من الأوهام الصوفيّة العرفانيّة الّتي تخلق لنفسها مثالاً وتبحث في النّصوص عمّا ينسجم معه.
#لكنّ حيث إنّ المرحومين النّقديّ والمقرّم نقلاها في كتابيهما في سياق الحديث عن صبر زينب ورباطة جأشها مع قيام الأخير بتأطيرها بأوهام صوفيّة عرفانيّة مذهبيّة، عمد الّلاحقون لهم ـ نظراً لثقتهم بهما خصوصاً الأخير ـ إلى نقلها واعتمادها دون مراجعة وفحص، كما عمد المرحوم النّقديّ قبلها إلى وضعها في سياق الحديث عن صبرها ورباطة جأشها فقلّده الآخرون أيضاً، وهكذا وبمرور الوقت استحكمت ببركة بيانات المراجع والخطباء والرّواديد والشّعراء من خلفهم فيه استحكام الفولاذ، ولا تجد خطيباً يتحدّث عن الصّبر ويحثّ النّاس على ذلك إلّا ونقل لك هذه الفرية المكذوبة في سياق تعميق زينب المذهبيّة، وليس لنا إلّا أن نبتهل من الله تعالى أن يكشف هذه الغمّة المذهبيّة عن هذه الأمّة، وأن يبعد عنها هذه الأوهام المذهبيّة الجاثمة على صدرها، ولن يكون ذلك إلّا بزيادة التأمّل والوعي، فلنتأمّل معاً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...