فرية باب الثّعبان ومثال تطبيقيّ للكذب!!

18 أغسطس 2019
45
ميثاق العسر

#بغية تقديم مثال روائيّ عملي لإيضاح مختارنا ونحن نروم تأسيس الأصل في التّعاطي مع روايات الفضائل والمقامات والسِّير، وإنّ كلّ خبر يخالف الطّبيعة البشريّة فالأصل فيه الكذب ما لم يثبت بدليل معتبر صدقه، وكلّ خبر يوافق الطّبيعة البشريّة فالأصل فيه الصّدق ما لم يثبت بدليل معتبر كذبه، أقول بغية تقديم مثال روائي عملي لإيضاح ذلك: […]


#بغية تقديم مثال روائيّ عملي لإيضاح مختارنا ونحن نروم تأسيس الأصل في التّعاطي مع روايات الفضائل والمقامات والسِّير، وإنّ كلّ خبر يخالف الطّبيعة البشريّة فالأصل فيه الكذب ما لم يثبت بدليل معتبر صدقه، وكلّ خبر يوافق الطّبيعة البشريّة فالأصل فيه الصّدق ما لم يثبت بدليل معتبر كذبه، أقول بغية تقديم مثال روائي عملي لإيضاح ذلك: سأذكر نموذجاً روائيّاً من أهمّ كتاب حديثيّ معتبر كان ولا زال هو المصدر الأساس لترويج المذهب الإثني عشريّ ومقولاته، أعني به كتاب الكافي الموصوف بالشّريف لمصنّفه الكلينيّ المتوفّى سنة: “329هـ”، وسنعلّق بعد ذلك عليه ببعض الإيضاحات:
#عقد الكلينيّ في كتابه الكافي باباً حمل عنوان: «باب أنّ الجنّ يأتيهم [أي لأهل البيت المعروفين “ع”] فيسألونهم عن معالم دينهم ويتوجّهون في أمورهم»، ادرج فيه سبع أو ثماني روايات تتحدّث عن ذلك وسنقتصر لإيضاح ما نريد على نموذج واحد منها:
#روى الكلينيّ بإسناده الصّحيح عنده عن جابر الجعفي، عن الباقر “ع” قوله: بينا أمير المؤمنين [عليّ] “ع” على المنبر، إذ أقبل ثعبان من ناحية باب من أبواب المسجد، فهمّ النّاس أن يقتلوه، فأرسل أمير المؤمنين “ع” أن كفّوا فكفوا، وأقبل الثّعبان ينساب حتّى انتهى إلى المنبر، فتطاول فسلّم على أمير المؤمنين “ع”، فأشار أمير المؤمنين “ع” إليه أن يقف حتّى يفرغ من خطبته، ولما فرغ من خطبته أقبل عليه، فقال: من أنت؟ فقال: عمرو بن عثمان خليفتك على الجنّ، وإنّ أبي مات، وأوصاني أن آتيك فأستطلع رأيك، وقد أتيتك يا أمير المؤمنين فما تأمرني به وما ترى. فقال له أمير المؤمنين “ع”: أوصيك بتقوى الله، وأن تنصرف فتقوم مقام أبيك في الجنّ؛ فإنّك خليفتي عليهم، قال: فودّع عمرو أمير المؤمنين وانصرف فهو خليفته على الجنّ، فقلت له: جعلت فداك فيأتيك عمرو وذاك الواجب عليه؟ قال [الباقر “ع”]: نعم». [الكافي: ج1، ص396].
#أقول: في مقام التّعاطي مع هذه الرّواية وفق المنهج المختار فنحن لا نحتاج إلى أيّ بيانات رجاليّة أو غيرها لفحص سلامتها أو خطلها؛ وذلك لأنّ الأصل الحاكم فيها هو الكذب؛ لوضوح مخالفتها الصّارخة للطّبيعة المشتركة المتّفق عليها بين بني البشر، والقاضية بعدم إمكان محادثة الإنسان مع الثّعبان بالصّورة المنقولة في الرّواية حتّى لو كان ناقلها أوثق الثّقات وأورعهم، نعم؛ إذا أقدم فريق كبير من حضّار هذا المجلس المروي على رواية الحادثة واتّفقوا على اختلاف مشاربهم واهتماماتهم على أصل وتاريخ وطبيعة وقوعها، فحينها لكلّ حادث حديث، وتوفّر مثل هذه الشّروط في نقل أمثال هذه الحكايات والقصص ممتنع عادة إلّا من خلال ترقيعات صناعيّة مذهبيّة.
#إن قلت: إنّ بالإمكان تضعيف هذه الرّواية ببساطة وردّها؛ كأن يُخدش في وثاقة أحد رجال سندها أو يُحكم بمجهوليّته مثلاً، وبهذه الطّريقة نُسقط الرّواية عن الاعتبار من دون حاجة لأيّ أصول ومبانٍ أخرى.
#قلت: رغم إنّنا لا نحتاج في مختارنا إلى الوصول إلى هذه المرحلة أصلاً، فإنّ المشكلة لا تُحلّ بهذه الطّريقة السّاذجة ـ أي البسيطة ـ على الإطلاق أيضاً، ولا تكمن بالمساعي الإثني عشريّة الهائلة من أجل تصحيح أسانيد هذه الأخبار، وإنّما في إنّ المؤسّسين الإثني عشريّة الكبار ومقلِّدتهم ما نشروا المذهب الإثني عشريّ إلّا عن طريق هذه النّصوص وأضرابها ممّا تخالف الطّبيعة البشريّة حتّى بأبده بدهيّاتها، ولو رجعنا لمشايخ الكلينيّ الّذين سمع هذه النّصوص منهم أو قرأها في مصنّفاتهم لعرفنا حقيقة ذلك، وصرف تضعيفها أو علاجها السّنديّ أو المضموني بمقاييس المتقدّمين أو المتأخّرين غير نافع ما لم يُعاد النّظر في أصل المنظومة الكلاميّة الإثني عشريّة الّتي أنتجت مثل هذه النّصوص وسوّقتها.
#وعليه: فلا ينبغي النّظر إلى تهالك هذه النّصوص وأسانيدها وفق ما نطرحه من بيانات بنظرة تجزيئيّة ساذجة، بل ينبغي الذّهاب إلى العمق لمناقشة الأساسات مهما كبر عنوانها واستحكم بنيانها في وجدان الأمّة، فتأمّل كثيراً وراجع تراثك لتعرف هناته، وستعرف بعدها الأسباب الّتي دعت المعنّيين إلى تسمية أحد أبواب مسجد الكوفة بباب الثّعبان؛ لتقف على حجم التّلف الّذي لحق وعيك ولا زالت المنابر تعمّقه وتؤكّده يوماً بعد يوم، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...