فرس الحسين المذهبي الإيثار والبطولات!!

21 نوفمبر 2019
273
ميثاق العسر

#في أعصارنا هناك عدّة نسخ محرّفة من مقتل الحسين بن عليّ “ع” لأبي مخنف المتوفّى سنة: “157هـ”، وقد كانت لدى ابن شهر آشوب المازندراني المتوفّى سنة: “588هـ” إحدى هذه النّسخ المحرّفة أيضاً، فقام بنقل الأكاذيب منها وكأنّها النّسخة الأصليّة لمقتل أبي مخنف، وهكذا لتضحى ـ بعد ذلك ـ جزءاً لا يتجزّأ من كتب المقاتل المتأخّرة […]


#في أعصارنا هناك عدّة نسخ محرّفة من مقتل الحسين بن عليّ “ع” لأبي مخنف المتوفّى سنة: “157هـ”، وقد كانت لدى ابن شهر آشوب المازندراني المتوفّى سنة: “588هـ” إحدى هذه النّسخ المحرّفة أيضاً، فقام بنقل الأكاذيب منها وكأنّها النّسخة الأصليّة لمقتل أبي مخنف، وهكذا لتضحى ـ بعد ذلك ـ جزءاً لا يتجزّأ من كتب المقاتل المتأخّرة والمعاصرة، وركزت وانتشرت حتّى تناقلها بعض خطباء الدّرجة الأولى من المعاصرين، بعد أن نُظمت على أساسها قصائد شعريّة أصبحت من المحفوظات.
#ومن الأكاذيب الّتي نقلها عن هذا النّسخة المحرّفة من المقتل هي الحكايات الّتي تتحدّث عن فرس الحسين المذهبي وإيثارها وبطولاتها؛ حيث نقل عن أبي مخنف ـ كما يدّعي ـ «عن الجلودي: أنّ الحسين [بن عليّ “ع”] حمل على الأعور السلمي وعمرو بن الحجاج الزّبيدي، وكانا في أربعة آلاف رجل على الشّريعة، وأقحم الفرس على الفرات، فلمّا أولغ الفرس برأسه ليشرب قال “ع” [للفرس]: أنت عطشان وأنا عطشان، والله لا أذوق الماء حتّى تشرب، فلما سمع الفرس كلام الحسين شال رأسه ولم يشرب، كأنّه فهم الكلام، فقال الحسين: اشرب فأنا أشرب، فمدّ الحسين يده فغرف من الماء، فقال فارس: يا أبا عبد الله، تتلذّذ بشرب الماء، وقد هُتكت حرمتك!! فنفض الماء من يده، وحمل على القوم، فكشفهم، فإذا الخيمة سالمة».
#ونقل ثانية عنه أيضاً عن الجلودي قوله: «أنّه كان صُرع الحسين، فجعل فرسه يحامي عنه، ويثب على الفارس، فيخبطه عن سرجه ويدوسه، حتّى قتل الفرس أربعين رجلاً، ثمّ تمرّغ في دم الحسين، وقصد نحو الخيمة وله صهيل عال، ويضرب بيديه الأرض». [مناقب آل أبي طالب: ج4، ص58؛ بحار الأنوار: ج45،ص51؛ 56].
#المؤسف: إنّ هذه الأكاذيب انتشرت انتشار النّار في الهشيم في المنابر الإثني عشريّة في القرون الأخيرة ببركة انتقالها واعتمادها من قبل كُتب المقاتل وكأنّها من الأمور الجزميّة الحتميّة، مع أنّها من المكذوبات الفاضحة الّتي لا تحتاج إلى بيان، وليس لها ذكر في مقتل أبي مخنف الأصلي الّذي نقله الطّبريّ بحرفيّة تامّة، لكنّ المرحوم عبد الرزّاق المقرّم المتوفّى سنة: “1391هـ” بعد أن ادرج هذه الكذبة في كتابه مقتل الحسين “ع” وساهم في مشهوريّتها وانتشارها للأسف الشّديد، عاد ليسجّل هامشاً على طريقة عذر أقبح من فعل، فقال:
#لا أضمن صحّة هذا الحديث المتضمّن لامتناع الفرس من الشرب ولرمي الحسين الماء من يده؛ لمجرّد قول الأعداء، وهو: العالم بأنّه مكيدة، ولكن خصائص هذا اليوم المختصة بسيّد الشهداء ومن معه على أن يقضوا عطاشى خارجة عمّا نعرفه ولاسبيل لنا إلاّ التسليم بعد أن كان الامام “ع” حكيماً في أفعاله وأقواله، لايعلم إلاّ بما تلقاه من جدّه الّذي لا ينطق عن الهوى، كلّ قضايا الطف محدودة الظرف والمكان؛ لأسرار ومصالح لايعلمها إلاّ رب العالمين تعالى شأنه. وهناك شي آخر لاحظه سيد الشهداء، وكانت العرب تتفانى دونه، وهو: حماية الحرم بأنفس الذخائر، وأبو عبدالله سيّد العرب وابن سيدها، فلا تفوته هذه الخصلة الّتي يستهلك دونها النّفس والنفيس، ولمّا ناداه الرّجل هُتكت الحرم، لم يشرب الماء! إعلاماً للجمع لما يحمله من الغيرة على حرمه، ولو لم يُبال بالنداء، لتيقّن الناس فقدانه الحميّة العربية، ولايقدم عليه أبيّ‌ الضيم حتّى لو علم بكذب النداء، وفعل سيد الأباة من عدم شرب الماء ولو في آنٍ‌ يسير هو غاية ما يُمدح به الرجل». [مقتل الحسين: ص275].
#وفي تقديري: إنّ على الإنسان العاقل والواعي أن يفكّر بعقله لا بإذنه المذهبيّة قبل نقل مثل هذه الأكاذيب والتّخريفات المولودة في سياق ما اصطلحنا عليه بـ #الحسين_المذهبي، وأن يتحذّر كثيراً كثيراً من الكتب المعاصرة الّتي نقلتها خصوصاً مقتل المرحوم عبد الرزّاق المقرّم والمرحوم محمّد تقي بحر العلوم، وعليه: أن لا يغترّ بالعناوين والمسمّيات؛ فسوق الكلام كوماً بقرش، فليُتفطّن كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#الحسين_المذهبي


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...