فحولة الرّسول “ص” ودور الهريسة في تنشيطها!!

9 نوفمبر 2018
38
ميثاق العسر

#يبدو إنّ الموروث الرّوائي الإثني عشري يحمل قصصاً كثيرة حول تجاوزات أبي بكر وعمر على خصوصيّة رسول الله “ص” وتماديهم عليه، وهذا هو أحد الأسباب الأساسيّة الّذي يكمن وراء إحدى مسارات تشويه صورة هذين الصّحابيّين في ذهن المتلقّي الإثني عشريّ، لكن إسمحوا لي اليوم أن أنقل لكم قصّة ظريفة وطريفة رواها الكليني في كتابه الّذي […]


#يبدو إنّ الموروث الرّوائي الإثني عشري يحمل قصصاً كثيرة حول تجاوزات أبي بكر وعمر على خصوصيّة رسول الله “ص” وتماديهم عليه، وهذا هو أحد الأسباب الأساسيّة الّذي يكمن وراء إحدى مسارات تشويه صورة هذين الصّحابيّين في ذهن المتلقّي الإثني عشريّ، لكن إسمحوا لي اليوم أن أنقل لكم قصّة ظريفة وطريفة رواها الكليني في كتابه الّذي يُعدّ أهمّ كتاب حديثيّ إثني عشريّ معتبر، وبإسناد صحيح لا غبار فيه عندهم أيضاً؛ لنكشف لهم بعض ما ورائيّات تغييب النّبيّ محمّد “ص” من تراثنا، وبعض مآسي هذا التّراث وهناته.
#روى الكليني بأسناده صحيحاً عندهم عن أحد زعامات علم الكلام الشّيعيّ في وقتها أعني هشام بن سالم، عن الصّادق “ع” القول: «إنّ أبا بكر وعمر أتيا أمّ سلمة فقالا لها: يا أمّ سلمة إنّك قد كُنت عند رجلٍ قبل رسول الله “ص”، فكيف رسول الله من ذاك في الخلوة؟! فقالت: ما هو إلّا كسائر الرّجال، ثمّ خرجا عنها، وأقبل النّبي “ص”، فقامت إليه مبادرة فرقاً [خوفاً] أن ينزل أمر من السّماء فأخبرته الخبر، فغضب رسول الله “ص” حتّى تربّد وجهه، والتوى عرق الغضب بين عينيه، وخرج وهو يجرّ رداءه حتّى صعد المنبر، وبادرت الأنصار بالسّلاح، وأمر بخيلهم أن تحضر، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها النّاس، ما بال أقوام يتّبعون عيبي، ويسألون عن غيبي، والله إنّي لأكرمكم حسباً، وأطهركم مولداً، وأنصحكم لله في الغيب، ولا يسألني أحدٌ منكم عن أبيه إلّا أخبرته. فقام إليه رجل، فقال: من أبي؟ فقال: فلان الرّاعي، فقام إليه آخر، فقال: من أبي؟ فقال: غلامكم الأسود، وقام إليه الثّالث، فقال: من أبي؟ فقال: الّذي تُنسب إليه.
#فقالت الأنصار: يا رسول الله، اعف عنّا عفا الله عنك؛ فإنّ الله بعثك رحمة، فاعف عنّا عفا الله عنك. وكان النّبي “ص” إذا كلّم استحيا، وعرق، وغضّ طرفه عن النّاس حياءً حين كلّموه، فنزل. فلمّا كان في السّحر، هبط عليه جبرائيل “ع” بصفحة من الجنّة فيها هريسة، فقال: يا محمّد، هذه عملها لك الحور العين، فكلها أنت وعليّ وذرّيتكما؛ فإنّه لا يصلح أن يأكلها غيركم، فجلس رسول الله “ص” وعليّ وفاطمة والحسن والحسين “ع”، فأكلوا، فأُعطى رسول الله في المباضعة من تلك الأكلة قوّة أربعين رجلاً، فكان إذا شاء غشي نساءه كلّهن في ليلة واحدة». [الكافي: ج5، ص565].
ويحسن بي وأنا بصدد التّعليق على رواية الهريس ومنحها قوّة أربعين رجلاً في المباضعة أن أسجّل بعض الملاحظات العاجلة:
#الأولى: ما هي المناسبة الّتي تدعو الشّيخين إلى الذّهاب إلى أمّ سلمة والاستفسار منها عن فحولة النّبي “ص” وبهذه الطّريقة المُخجلة؟! ولماذا لم يسأل أبو بكر بنته عائشة عن هذا الموضوع وقد أعرس عليها النّبيّ قبل ارتباطه بأمّ سلمة بأكثر من سنتين؟! ولماذا لم يسأل عمر من بنته حفصة حول هذا الموضوع وقد تزوّجها النّبيّ قبل أمّ سلمة بما يقرب من سنتين وقد كانت متزوّجة أيضاً من خُنيس بن حذافة؟! وهل شكت البنتان إلى أبويهما من فحولته “ص” مثلاً فكان ذلك مبرّراً لسؤالهما؟!
#الثّانية: تنصّ الرّواية على توفّر الرّسول “ص” بعد أكله هذه الهريسة على قوّة أربعين رجلاً في المباضعة والقوّة الجنسيّة، فلا أدري هل توفّر على هذه القوّة من أكل معه أيضاً والّذين جاء اسمهم في الرّواية، أم إنّ هذه الهريسة لا تؤثّر إلّا في أجسام الأنبياء؟!
#الثّالثة: إنّ أصل قصّة توفّر الرّسول محمّد “ص” على قوّة أربعين رجلاً في المباضعة بسبب أكله للهريس أو ما يُشابهه مرويّة في بعض كتب أهل السُنّة أيضاً، لكنّ معظمهم ضعّفوا أسانيدها حتّى قال نُقّادهم: إنّ راويها صاحب هريسة، وإنّ معظم الطُرق تنتهي إليه، كما إنّ هذه المرويّات ـ بغضّ الطّرف عن قناعتها فيها ـ لا تُساق عندهم من خلال تشويه سمعة أبي بكر وعمر من خلال هذا السّيناريو الدّرامي الّذي مُرّر عن طريق أحد أبرز وأهمّ منظّري الإمامة الإلهيّة وبراهينها أعني الرّاوي المباشر لهذه الرّواية هشام بن سالم الجواليقي، وبإسناد صحيح لا غبار عليه، نعم؛ ربّما تشترك مع الموروث الرّوائيّ الإثني عشريّ في تشويه سمعة النّبيّ “ص” بهذه الطّريقة، والله العالم.
#الرّابعة: علينا أن نقرّ بأنّ الكبار الإثني عشريّة المؤسّسين قد نشروا المذهب وركّزوا أساساته بأمثال هذه النّصوص الطّائفيّة البغيضة، ولعلّ الصّورة الهابطة جدّاً المرسومة في الذّهن الشّيعي الإثني عشريّ عن أبي بكر وعمر تعود بالدّرجة الأساس إلى أمثال هذه النّصوص والمواقف وأضرابها، ولا أدري: إذا كان الخليفة الأوّل بهذه الوضاعة والخسّة فلماذا أقدم الباقر “ع” على الزّواج من حفيدته وهو يعلم إنّ مثل هذا الزّواج سيُعطي انطباعاً إيجابيّاً عن العلاقة بين البيتين؟! ولماذا يُقدم عليّ “ع” ـ كما نقل ذلك الصّادق “ع” نفسه ـ على تزويج بنته لعمر بن الخطّاب ويبرّر ذلك لاحقاً بأنّه فرج غصبناه، والطّريف إنّ الرّواية الأخيرة ورد في أسنادها المعتبر هشام بن سالم الجواليقي أيضاً، فتفطّن!!
#بلى؛ اعتقد إنّ أمام الجيل الحوزويّ الجديد مسؤوليّة كبيرة في إعادة الرّسول الأكرم “ص” إلى واجهة أبحاثهم الفقهيّة وغيرها، وإن تقوقعهم على المرويّات الاجتهاديّة الّلاحقة وتحكيم ذلك بأطواق كلاميّة كان صنّاعها الأوائل هم رواة أمثال هذه النّصوص لن يُجدي نفعاً ولا يورّث غير الخراب والدّمار والضّياع، فتأمّل قليلاً تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...