فتاوى استحباب الدّفن في النّجف وصياغاتها المذهبيّة!!

21 أغسطس 2017
954
ميثاق العسر

#تأمّلنا في منشورات سابقة في عبارة مشهور المراجع والفقهاء المعاصرين الواردة في مكروهات الدّفن من رسائلهم العمليّة والنّاصة على ورود بعض الرّوايات أو الأخبار في خصوص إنّ الدّفن في النّجف مسقط لعذاب القبر ومحاسبة منكر ونكير [منهاج الصّالحين: المرحوم الخوئي: ج1، ص89]، وأكّدنا هناك على عدم وجود أيّ رواية ولو ضعيفة تفيد مثل هذا المضمون، […]


#تأمّلنا في منشورات سابقة في عبارة مشهور المراجع والفقهاء المعاصرين الواردة في مكروهات الدّفن من رسائلهم العمليّة والنّاصة على ورود بعض الرّوايات أو الأخبار في خصوص إنّ الدّفن في النّجف مسقط لعذاب القبر ومحاسبة منكر ونكير [منهاج الصّالحين: المرحوم الخوئي: ج1، ص89]، وأكّدنا هناك على عدم وجود أيّ رواية ولو ضعيفة تفيد مثل هذا المضمون، ومن هنا نعينا هذه المذهبيّة على هؤلاء المراجع والفقهاء، ووظّفنا مفردة مذهبيّة لأنّ بعضهم “رحم الله الماضين وحفظ الباقين” من المعروف بالتّتبع والتّنقيب الرّجالي والرّوائي ولا يُعقل أن تغيب مثل هذه الأمور عليه!!
#وفي هذا السّياق ربّما يقال دفاعاً عنهم: إنّ المراجع والفقهاء المعاصرين حينما نصّوا في رسائلهم العمليّة على ذلك فهذا لا يعني إنّهم قد اطّلعوا على هذه الأخبار مباشرة ولحظوها ودقّقوا فيها كما هو ظاهر العبارة وظاهر ادّعائهم الأعلميّة أيضاً، وإنّما اعتمدوا على نقل مخبر يطمئنون لنقله بوجودها، ومن باب التّسامح أو رجاء المطلوبيّة أفتوا على أساسها، فما مارسوه ليس بدعاً من القول ولا نقضاً للمباني الّتي شيّدوها!!
#والجّواب: إنّ هذا التّوجيه رغم عدم معقوليّته وعدم تناسبه مع دعاوى الأعلميّة والفقاهة المستلزمتين للوقوف على هذه الرّوايات وتنقيح مضمونها على أقل التّقادير فهو خلاف ظاهر العبارة وفنيّتها أيضاً، وكان عليهم أن يضيفوا قيوداً بسيطة تُبعد عنهم الإشكال الّذي طرحناه وهم المعروفون بذلك، وهذا ما عثرت عليه في الرّسالة العمليّة للمرجع الأخباري المعتدل المرحوم محمد أمين زين الدّين المتوفّى سنة: “1419هـ”، حيث أبعد عن نفسه الإشكال بصياغته الفتوى بالنّحو التّالي: «يكره أن ينقل الميت من موضع موته إلى بلد آخر ليدفن فيه، إلّا إلى الأماكن المحترمة والمشاهد المقدّسة، كالميت يموت بعرفات و شبهها ‌فينقل إلى مكة، وقد نقل بعض العلماء ورود الأخبار الصحيحة الدالّة على أنّ الدفن في الغري يدفع عذاب القبر وسؤال الملكين…» [كلمة التّقوى: ج1، ص235]، فبإضافة قيد: «وقد نقل بعض العلماء…» تخلّص من الإشكال عليه بعدم وجود مثل هذه الأخبار تماماً، وهذا هو مقتضى الفنيّة المطلوبة كما يقولون، أمّا تعبير: «وفي بعض الروايات أن من خواصّ الأول [يعني الغري] إسقاط عذاب القبر ومحاسبة منكر ونكير» فهو تعبير ظاهر يفهمه كلّ عربي يؤكّد إنّ صاحب العبارة قد اطّلع على هذه الأخبار وخَبر ما فيها خصوصاً إذا كان فقيهاً يدّعي الأعلميّة، مع إنّنا ذكرنا عدم وجود عين ولا أثر لهذه الرّوايات ولا في واحد من المجامع الحديثيّة، فتأمّل إن كنت من أهله.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...