غدير الأميني ولغة السّرد!!

7 يوليو 2019
147
ميثاق العسر

#ثمّة مشاكل علميّة عميقة جدّاً في كتاب الغدير للمرحوم الأميني المتوفّى سنة: “1390هـ” لا يُريد المحقّقون المعاصرون من أصحابنا التّعرّض لها ولا الإشارة إليها؛ لأنّ ذلك يُعدّ في نظرهم تضعيفاً للمذهب؛ إذ كان “رحمه الله” يحسب إنّ الأوهام تتحوّل إلى حقائق بمجرّد تكثير المصادر والصّفحات والأجزاء والعناوين وإن كان لا وجود لها أو لا قيمة […]


#ثمّة مشاكل علميّة عميقة جدّاً في كتاب الغدير للمرحوم الأميني المتوفّى سنة: “1390هـ” لا يُريد المحقّقون المعاصرون من أصحابنا التّعرّض لها ولا الإشارة إليها؛ لأنّ ذلك يُعدّ في نظرهم تضعيفاً للمذهب؛ إذ كان “رحمه الله” يحسب إنّ الأوهام تتحوّل إلى حقائق بمجرّد تكثير المصادر والصّفحات والأجزاء والعناوين وإن كان لا وجود لها أو لا قيمة لأصحابها في ميدان العلم والاحتجاج أصلاً، ولهذا تجده يملأ كتابه بكلمات أمثال الخوارزمي والحمويني وسبط ابن الجوزي وعشرات العناوين المتأخّرة الّتي لا قيمة لها، كما لا ننسى إنّ لغته الحادّة مع الطّرف الآخر وقلمه الطّائفي أثّرا بدرجة كبيرة في تسويق هذا الكتاب وانتشاره؛ لأنّ طبيعة المجتمعات المذهبيّة تعشق ذلك.
#والمؤسف إنّ هذه الطّريقة السّرديّة في النّقاشات المذهبيّة هي الّتي ولّدت لنا أجيالاً من المغلقين فكريّاً والّذين غرّتهم وتغرّهم لغة الأرقام في أمثال هذه المواطن وتحوّلهم إلى ببغاوات تكرّر ما لُقّنت به دون أن يخطر على بالها احتمال الخطأ في مقولاتهم المذهبيّة الّتي ولدوا عليها ولو بدرجة ضئيلة، ولهذا يبادرون ـ فور رؤيتهم ما يخالف مكرّراتهم بعلم وموضوعيّة ـ إلى آليّة سرد عناوين الكتب والأجزاء والصّفحات والأرقام، من دون أن يعرفوا قيمة هذه العناوين وقيمة أصحابها وكتبهم أيضاً.
#وكيف كان؛ فهذا موضوع يتطلّب شواهد أكثر لإيضاحه لكنّي ساقتصر على ذكر مثال بسيط جدّاً أكشف من خلاله عن عدم تتبّع المرحوم الأميني للتّراث الإثني عشريّ وإنّ هدفه الأساس كان المجادلة مع الخصوم والمنافحة المذهبيّة، وهذا الأمر انعكس على كتابه بوضوح؛ حيث يُلاحظ الدّارس الموضوعيّ المنصف فقدانه لأبسط مقوّمات البحث العلميّ الجادّ الّذي تهمّه الحقيقة دون غيرها.
#بعد أن إدّعى الأميني نزول آية البلاغ القائلة: “يا أيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك…إلخ” بعد خمس ساعات [!!] من نهار يوم الثّامن عشر من ذي الحجّة في السّنة العاشرة من الهجرة وبدأ باستعراض كلمات من حسبهم على اتّجاه السُنّة والجماعة، وهي دعوى مذهبيّة غير علميّة تماماً وسنكشف أسباب عدم علميّتها في دراسات لاحقة، أقول: بعد أن ادّعى هذا الادّعاء واستعرض كلمات أطلق عليهم أهل السُنّة للبرهنة على مدّعاه، عقد ذيلاً في المقام نقل فيه كلمات القرطبي المتوفّى سنة: “671هـ” والقسطلاني المتوفّى سنة: “923هـ” في تفسير آية البلاغ وذكر الأقوال فيها، حيث نقل عن الأوّل قوله: «وقبّح الله الرّوافض حيث قالوا: إنّه “ع” كتم شيئاً ممّا أَوحى الله إليه كان بالناس حاجة إليه»، ونصّ في النّقل عن الثّاني قائلاً: «وزاد القسطلاني في إرشاد الساري ضغثاً على إبّالة فقال: “قالت الشّيعة: إنَّه قد كتم أشياء على سبيل التقيّة».
#وبعد أن نقل الأميني هذه الكلمات من القرطبي والقسطلاني علّق قائلاً: «وليتهما أوعزا إلى مصدر هذه الفِرْية على الشّيعة من عالم ذكرها، أو مؤلَّف تضمّنها، أو فرقة تنتحلها، نعم؛ لم يجدا شيئاً من ذلك، بل حسبا أنَّهما مصدَّقان في كلّ ما ينبزان به أمّةً من الأُمم على أيّ حال، أو أنَّه ليس للشيعة تآليف محتوية على معتقداتهم هي مقاييس في كلّ ما يُعزى إليهم، أو أنَّ جيلهم المستقبل لا ينتج رجالًا يناقشون المفترين الحساب، فمن هنا وهنا راقهما تشويه سمعة الشّيعة كما راق غيرهم، فتحرَّوا الوقيعة فيهم بالمفتريات؛ ليثيروا عليهم عواطف، و يخذِّلوا عنهم أُمماً، فحدّثوا عنهم كما يحدِّثون عن الأُمم البائدة الذين لا مُدافع عنهم، و الشيعة لم تجرؤ قطُّ على قُدس صاحب الرسالة بإسناد كتمان ما يجب عليه تبليغه إليه “ص” إلّا أن يكون للتبليغ ظرف معيّن، فما كان يسبق الوحي الإلهي بتقديم المظاهرة به قبل ميعاده… ». [الغدير: ج1، ص273، ط الأعلمي؛ ج1، ص445، ط مركز الغدير].
#يبدو لي أنّ المرحوم الأميني لم يوفّق وهو في بداية تصنيف الأجزاء الأولى لكتابه الغدير في مراجعة تراثنا الإثني عشريّ بشكل مستوفٍ؛ حيث إنّ ما ذُكر أعلاه من قبل القرطبي والقسطلاني ليس شيئاً غريباً لكي يسرد جميع هذه الكلمات الوعظيّة على متابعيه، وسنرشده إلى مصدر ذلك في كلمات من عبّر عنه لاحقاً بشيخنا الصّدوق والمتوفّى سنة: “381هـ”؛ حيث روى الأخير بإسناده الصّحيح عنده عن سهل بن القاسم النوشجاني إنّه قال: «قال رجل للرّضا “ع”: يا ابن رسول الله إنّه يروى عن عروة بن الزبير أنّه قال: توفّي رسول الله “ص” وهو في تقيّة، فقال: أما بعد قول الله تعالى: “يا أيها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس”، فإنّه أزال كلّ تقية بضمان الله عزّ وجلّ، وبيّن أمر الله تعالى، ولكنّ قريشاً فعلت ما اشتهت بعده، وأمّا قبل نزول هذه الآية فلعلّه». [عيون أخبار الرّضا: ج2، ص252، ط مؤسّسة آل البيت].
#اعتقد إنّ ما يجب على الجيل الإثني عشريّ الجديد أن يعلمه: إنّ المقولات الدّينيّة لا تتنجّز بلغة السّرديّات وتكثير الأرقام والصّفحات ولا بالمبالغة بأعداد رواتها وتهويلها، ومن يتوهّم ذلك فهو جاهل، بل بمراجعة جادّة وعلميّة لمصادرها وقيمة دليلها، ومن غير ذلك سيكون الإيمان بها إيماناً عشائريّاً قبليّاً عاطفيّاً منبوذاً لا قيمة له، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#غدير_الوهم


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...