غدير الأميني واستغفال القارئ!!

8 يوليو 2019
129
ميثاق العسر

#ثمّة مفاتيح أساسيّة كنّا قد وضعناها بين يدي القارئ النّابه والجادّ، والّذي لديه رغبة موضوعيّة في قراءة نقديّة لكتاب الغدير للمرحوم الأميني المتوفّى سنة: “1390هـ”، بعد أن ركز في وعيه خطأً ببركة تكرار المنابر والفضائيّات والكتب والمجلّات والصّحف… الأهميّة العظمى لكتاب الغدير وجهود مصنّفه التّحقيقيّة الوافرة في مجال إثبات أحقيّة عليّ بن أبي طالب “ع” […]


#ثمّة مفاتيح أساسيّة كنّا قد وضعناها بين يدي القارئ النّابه والجادّ، والّذي لديه رغبة موضوعيّة في قراءة نقديّة لكتاب الغدير للمرحوم الأميني المتوفّى سنة: “1390هـ”، بعد أن ركز في وعيه خطأً ببركة تكرار المنابر والفضائيّات والكتب والمجلّات والصّحف… الأهميّة العظمى لكتاب الغدير وجهود مصنّفه التّحقيقيّة الوافرة في مجال إثبات أحقيّة عليّ بن أبي طالب “ع” بالخلافة السّياسيّة والدّينيّة بعد رسول الله “ص” بمعنى: إمامته الإلهيّة الإثني عشريّة، بما لا مجال للشّك فيه إلّا للمكابر الّذي أعمى الله بصيرته وبصره!!
#وقد كان أحد هذه المفاتيح هو ما سمّيناه بجهالة مصنّفه التّامة بالتّراث الإثني عشريّ؛ وذلك لأنّ القارئ الفاحص لهذا الكتاب يلحظ مشكلة غريبة ولافتة في نقاشاته لخصومه، وهي الإنكار المطلق لوجود روايات يوظّفها الخصوم في بياناتهم، ويرى أنّها مجرّد أوهام نسجوها من وحي خيالهم وهي موجودة في كتب لم تؤلّف بعد!! مع أنّ هذه الرّوايات موجودة في مصادرنا المتقدّمة وبأنصع العبارات أيضاً، ولا ندري ما هو المبرّر العلميّ والدّيني فضلاً عن الأخلاقي الّذي يدعو الأميني لإنكار وجودها؟!
#على أنّ هذا الأمر لا يقتصر على شاهد يتيم هنا أو شاهد عابر هناك، بل يمكن إيراد شواهد كثيرة له، لكنّا سنقتصر في هذا المقال على واحد فقط، بأمل أن تحصل الفرصة لإيراد شواهد أكثر في قادم المقالات.
#خصّص المرحوم الأميني صفحات كثيرة في الجزء الثّالث من كتابه الغدير لمناقشة كتاب: “الإسلام والوثنيّة” لعبد الله القصيمي المتوفّى سنة: “1416هـ”، لكنّ المؤسف إنّ الأميني كان في مناقشاته له يعاني من نقص واضح في تتبّعه للتّراث الإثني عشريّ فضلاً عن لغته الجارحة والحادّة جدّاً معه والّتي لا تنسجم مع لغة العلم، ومن ضمن نقولاته الّتي أوردها عن القصيمي إنّه قال: «قد استفتى أحد الشّيعة إماماً من أئمّتهم، لا أدري أ هو الصّادق أم غيره، في مسألة من المسائل فأفتاه فيها، ثمّ جاءه من قابل واستفتاه في المسألة نفسها فأفتاه بخلاف ما أفتاه عام أوّل، ولم يكن بينهما أحد حينما استفتاه في المرّتين، فشكّ ذلك المستفتي في إمامه وخرج من مذهب الشّيعة، وقال: إن كان الإمام إنّما أفتاني تقيّة فليس معنا من يتّقى في المرّتين، وقد كنت مخلصاً لهم عاملاً بما يقولون، وإن كان مأتيّ هذا هو الغلط والنسيان؛ فالأئمّة ليسوا معصومين إذن، والشيعة تدّعي لهم العصمة، ففارقهم وانحاز إلى غير مذهبهم، وهذه الرواية مذكورة في كتب القوم». [الغدير: ج3، ص301، ط2].
#ومن الواضح إنّ من له أدنى إطلاع تخصّصي على التّراث الإثني عشريّ يعرف أنّ القصيمي يُشير إلى قصّة عمر بن رياح والّتي جاءت في أحد أهمّ الأصول الرّجاليّة الإثني عشريّة وهو كتاب رجال الكشّي المتوفّى سنة: “350هـ”، حيث قيل إنّه سأل الباقر “ع” عن مسألة فأجابه فيها بجوابٍ، ثمّ عاد إليه في عامٍ آخر وسأله عن السّؤال نفسه فأجابه الباقر “ع” بخلاف ما أجابه سابقاً، فاستغرب ابن رياح من ذلك، فأخبره الباقر “ع”: إنّ ذلك بسبب التقيّة، فلقي ابن رياح راوياً آخر من أصحاب الباقر “ع” اسمه: “محمّد بن قيس”، فأخبره بحادثة اختلاف الأجوبة وتبرير الباقر “ع” لها، قائلاً له: «وقد علم الله أنّي ما سألته [أي الباقر “ع”] إلّا وأنا صحيح العزم على التديّن بما يفتيني فيه وقبوله والعمل به، ولا وجه لاتّقائه إياي، وهذه حاله»، فحاول ابن قيس أن يخفّف من وقع صدمة الحادثة محتملاً أن تكون تقيّة الباقر “ع” بسبب حضور أشخاص في المجلس لم يكن “ع” يُريد سماعهم ذلك، لكنّ ابن رياح أخبره إنّ المجلس في كلا الحادثتين لم يكن فيه أحد غيره، وإنّ جواب الباقر “ع” في جميعهما كان على وجه التّبخيت [التّخمين]، ولهذا لم يحفظ ما أجاب به في العامّ الماضي ليجيبني بمثله، وهكذا رجع ابن رياح عن القول بإمامة الباقر “ع” الفقهيّة. [رجال الكشّي: ص505].
#كما أنّ القصيمي ذكر القصّة أعلاه في سياق حديثه عن التّقيّة كشاهد على مدّعاه القائل: «ولهذا يزعمون: أنّ الأئمّة من آل البيت كانوا يقولون لأتباعهم وشيعتهم هذا حرام وهم يرونه حلالاً، وهذا حلال وهم يرونه حراماً، وإن لم يكن بينهم أحدٌ ممّن يتّقون أو يخافون، ولكنّهم يفعلون ذلك لإيقاع الخلاف بينهم؛ كيلا يُعرف أنّهم شيعة، أو لأجل أن يظنّ أنّهم ليسوا من الشّيعة، وقد استفتى أحد الشّيعة إماماً…إلخ ». [الإسلام والوثنيّة: ج2، ص38، ط2].
#لكنّ المؤسف: إنّ المرحوم الأميني بدل أن يقرّ بوجود هذه الواقعة بل ووجود هذه التّبريرات لها في كتبنا الرّجاليّة أيضاً، نراه يبدأ بطريقة مؤسفة ومخجلة جدّاً بالتّهجّم على القصيمي وإنكار وجود هذه مثل هذه الرّواية في تراثنا أصلاً، حيث قال: «أنا لا أقول لهذا الرّجل إلّا ما يقوله هو لمن نسب إلى إمام من أئمّته‏ لا يشخّص هو أنّه أيّ منهم: مسألة فاضحة مجهولة لا يعرفها، عن سائل هو أحد النكرات، لا يعرّف بسبعين ألف لام، وأسند ما يقول إلى كتب لم تؤلّف بعد [!!]، ثمّ طفق يشنّ الغارة على ذلك الإمام وشيعته على هذا الأساس الرّصين، [أجل] فنحن لسنا نردّ على القصيميّ إلّا بما يردّ هو على هذا الرّجل، ولعمري لو كان المؤلّف ـ القصيميّ ـ يعرف الإمام أو السّائل أو المسألة أو شيئاً من تلك الكتب لذكرها بهوس وهياج، لكنّه لا يعرف ذلك كلّه، كما أنّا نعرف كذبه في ذلك كلّه [!!]، ولا يخفى على القارئ همزه ولمزه». [الغدير: مصدر سابق، نفس المعطيات].
#وهنا أخاطب المرحوم الأميني وهو في عليائه: يقولون إذا كنت لا تعرف أسأل ممّن يعرف؛ فأنت عاصرت فحول هذه الميادين وقتها في النّجف، وكان بإمكانك ببساطة أن تستفهم منهم عن حقيقة هذه الرّواية وسوف يُرشدوك دون عناء إليها، ومن غير حاجة لأجهزة حاسوب ولا برامج كمبيوتريّة ولا محرّكات بحث لم تكن متوفّرة في زمنك، وبذلك يجنّبوك الإحراج الّذي أوقعت نفسك فيه، خصوصاً حينما قلت بضرس قاطع: إنّ القصيمي أسند الرّواية إلى مصنّف لم يولد بعد!!
#بلى؛ ما سقناه لا يُعدّ شاهداً يتيماً في غدير الأميني لكي يمكن تبريره بعدم الالتفات أو توجيهه بطغيان القلم، وإنّما يجد المتابع الفاحص نظائره الكثير في هذا الكتاب، ولهذا قلنا فيما سبق: إنّنا إذا ما أحسنّا الظّن بالمرحوم الأميني فسنصفه بالجهالة التّامّة بالتّراث الإثني عشريّ، وإلّا فلا يمكن لقارئ نابه يحترم نفسه أن يتجاوز الموارد الكثيرة من هذا القبيل؛ الّلهم إلّا إذا قلنا إنّها تقع في سياق الاستغفال المذهبيّ المقصود والمنطلق من كبرى حوزويّة متداولة تقرّر إنّ مصلحة أمثال هذه الاستغفالات في نفس جعلها، ومن هنا تولّدت لدينا أجيال من العمائم السّوداء والبيضاء وفي مراكز حسّاسة أيضاً تنساق مع الأميني في الشّعور بالأناقة المذهبيّة العالية وتوظّف القلم الطّائفيّ الحادّ على طريقة الغدير في الابتسار والاستغفال، ولا خلاص من هذه المآسي إلّا بالقراءة ثمّ القراءة ثمّ القراءة، ولكنّ من دون قبليّات مذهبيّة مقيتة، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#غدير_الوهم


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...