عليّ وفاطمة “ع” العلاقة الزّوجيّة المضطربة!! الحلقة الأولى

14 أغسطس 2019
44
ميثاق العسر

#إذا ما أردنا مراجعة التّراث الإثني عشريّ فضلاً عن غيره ـ وهذه قيود مهمّة لمن يفقه لغة القيود ـ فإنّ العلاقة الزّوجيّة بين عليّ بن أبي طالب وعقيلته السيّدة فاطمة بنت محمّد “ع” كانت مضطربة تماماً وغير مستقرّة أصلاً؛ حيث نلاحظ أنّ فاطمة “ع” كانت ممانعة لأصل هذا الزّواج ورافضة له في بداية الأمر؛ لأنّ […]


#إذا ما أردنا مراجعة التّراث الإثني عشريّ فضلاً عن غيره ـ وهذه قيود مهمّة لمن يفقه لغة القيود ـ فإنّ العلاقة الزّوجيّة بين عليّ بن أبي طالب وعقيلته السيّدة فاطمة بنت محمّد “ع” كانت مضطربة تماماً وغير مستقرّة أصلاً؛ حيث نلاحظ أنّ فاطمة “ع” كانت ممانعة لأصل هذا الزّواج ورافضة له في بداية الأمر؛ لأنّ نسوة المدينة كنّ قد نقلن لها صورة غير محبّبة عن عليّ “ع”؛ فقد جاء في الرّواية: إنّ «فاطمة “ع” لا يذكرها أحد لرسول الله “ص” إلا أعرض عنه، حتى أيس الناس منها، فلما أراد أن يزوجها من عليّ أسرّ إليها، فقالت يا رسول الله أنت أولى بما ترى، غير أنّ نساء قريش تحدّثني عنه أنّه رجل دحداح البطن، طويل الذّراعين، ضخم الكراديس، أنزع، عظيم العينين، لمنكبيه مشاشاً كمشاش البعير، ضاحك السنّ، لا مال له…». [تفسير القمّي: ج2، ص336].
#وبعد الزّواج كانت تلوم أباها غير مرّة ؛ لأنّه زوّجها بالمهر الخسيس؛ إذ روي «إنّ عليّاً تزوّج فاطمة “ع” على جرد برد، ودرع، وفراشٍ كان من إهاب كبش» فقط، وإنّ الدّرع«يسوى ثلاثين درهماً»، «وكان فراشها إهاب كبش يلقيانه ويفرشانه، وينامان عليه»، ولهذا روي عتابها لأبيها “ص” وامتعاضها قائلة له: «زوّجتني بالمهر الخسيس!!»، فأجابها “ص”: «ما أنا زوجتك؛ ولكن الله زوّجك من السّماء، وجعل مهرك خمُس الدّنيا ما دامت السّماوات والأرض»، وروي أيضاً: إنّه دخل عليها بعد الزّواج فرآها «تبكي، فقال لها: ما يبكيك، فو الله لو كان في أهلي خير منه ما زوجتكه، وما أنا زوجتكه، ولكنّ الله زوّجك، وأصدق عنك الخمس ما دامت السماوات والأرض». [الكافي: ج5، ص377ـ 378].
#ويبدو إنّ العلاقة الزّوجيّة لم تنتج مودّة ورحمة تمنعان من اضطرابها وتأزّمها؛ إذ بدأت المشاكل العميقة تطفو على السّطح وأمام الملأ العامّ، لكنّ المفرح أنّ رسول “ص” كان يدخل على الخطّ للإصلاح بينهما بشكل دائم كأب تهمّه مصلحة بنته واستقرار حياتها الزّوجيّة؛ وذلك إمّا من خلال التّرغيب أو التّرهيب؛ وعلى سبيل المثال: روى الصّدوق صحيحاً عنده عن أبي هريرة قوله: «صلّى بنا رسول الله “ص” الفجر ثمّ قام بوجه كئيب وقمنا معه، حتّى صار إلى منزل فاطمة “ع”، فأبصر عليّاً نائماً بين يدي الباب على الدّقعاء، فجلس النبي “ص” فجعل يمسح التّراب عن ظهره، ويقول: قم؛ فداك أبي وأمي يا أبا تراب، ثمّ أخذ بيده ودخلا منزل فاطمة فمكثنا هنيئة، ثم سمعنا ضحكاً عالياً، ثمّ خرج علينا رسول الله “ص” بوجهٍ مشرق، فقلنا: يا رسول الله دخلت بوجهٍ كئيب وخرجت بخلافه؟! فقال: كيف لا أفرح وقد أصلحت بين اثنين أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء» [علل الشّرائع: ص155].
#لكنّ المشاكل لم تستقرّ أصلاً حتّى بعد فترة لا بأس بها من زواجهما وإنجابهما أيضاً، بل تفاقمت وتطوّرت أكثر وأكثر، حتّى وصلت إلى أوجها حينما أراد عليّ “ع” الزّواج عليها من بنت أبي جهل أو حصلت إشاعة حول ذلك حسب ما هو مرويّ في التّراث السُنّي والشّيعي معاً؛ حيث غضبت فاطمة وانزعجت جدّاً من ذلك، وغضب أبوها لغضبها وارتقى المنبر قائلاً: «فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها أغضبني»، و «إنّ فاطمة منّي، وأنا أتخوّف أن تُفتن في دينها»، «وإنّي لست أُحرّم حلالاً، ولا أُحلّ حراماً، ولكنّ والله لا تجتمع بنت رسول الله “ص” وبنت عدوّ الله أبداً»، وروي عنه “ص” أيضاً قوله: «إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أنّ يُنكحوا ابنتهم عليّ بن أبي طالب، فلا آذن، ثمّ لا آذن، ثمّ لا آذن، إلّا أن يُريد ابن أبي طالب أن يُطلّق ابنتي وينكح ابنتهم؛ فإنّما هي بضعة منّي، يُربيني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها”، هكذا قال».[صحيح البخاريّ؛ صحيح مسلم، مواضع مختلفة].
#بلى؛ بسبب هذا الموقف ـ كما في رواية المرحوم الصّدوق ـ دخل على السيّدة فاطمة “ع” «من الغيرة ما لا تملك نفسها؛ وذلك: أنّ الله تبارك وتعالى كتب على النّساء غيرةً، وكتب على الرّجال جهاداً، وجعل للمُحتسبة الصّابرة منهنّ من الأجر ما جعل للمرابط المُهاجر في سبيل الله، فاشتدّ غمُّ فاطمة من ذلك، وبقيت مُتفكّرةً هي حتّى أمست وجاء الّليل، حملت الحسن على عاتقها الأيمن، والحسين على عاتقها الأيسر، وأخذت بيد أمّ كلثوم اليسرى بيدها اليُمنى، ثمّ تحوّلت إلى حُجرة أبيها، فجاء عليّ فدخل حجرته فلم ير فاطمة، فاشتدّ لذلك غمّه وعظم عليه، ولم يعلم القصّة ما هي، فاستحى أن يدعوها من منزل أبيها، فخرج إلى المسجد يُصلّي فيه ما شاء الله، ثمّ جمع شيئاً من كثيب المسجد واتّكأ عليه.
#فلمّا رأى النّبي “ص” ما بفاطمة من الحُزن أفاض عليها من الماء، ثمّ لبس ثوبه ودخل المسجد، فلم يزل يُصلّي بين راكع وساجد، وكلّما صلّى ركعتين دعا الله أن يذهب ما بفاطمة من الحُزن والغمّ؛ وذلك أنّه خرج من عندها وهي تتقلّب وتتنفّس الصّعداء، فلمّا رآها النّبيّ “ص” أنّها لا يُهنيها النّوم وليس لها قرار، قال لها: قومي يا بُنيّة، فقامت، فحمل النّبيّ “ص” الحسن وحملت فاطمة الحسين وأخذت بيد أمُ كلثوم، فانتهى إلى عليّ “ع” وهو نائم، فوضع النّبيّ “ص” رجله على رجل عليّ فغمزه، وقال: قم يا أبا تراب، فكم ساكن أزعجته، ادع لي أبا بكر من داره، وعمر من مجلسه، وطلحة، فخرج عليّ فاستخرجهما من منزلهما، واجتمعوا عند رسول الله “ص”. فقال رسول الله “ص”: يا عليّ، “أما علمت أنّ فاطمة بضعة منّي وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذاها بعد موتي كان كمن آذاها في حياتي، ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي…». [علل الشّرائع: ج1، 184]. [يُتبع].
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...