علاقة مسألة الهلال بالمرجعيّة!!

4 يونيو 2019
883
ميثاق العسر

#هناك اصطلاح معروف في علم أصول الفقه الإثني عشريّ المعاصر ويكثر استخدامه في الأروقة الحوزويّة أيضاً مفاده: إنّ بعض الأحكام والفتاوى قد لا تكون مستندة إلى مصالح ومفاسد واقعيّة في أشخاص أو أنواع متعلّقاتها بحيث يتوفّر المكلّف عليها من خلال الامتثال لها أو الامتناع عنها، وإنّما تكمن مصلحتها ومفسدتها في نفس تشريعها؛ بمعنى ـ وهذا […]


#هناك اصطلاح معروف في علم أصول الفقه الإثني عشريّ المعاصر ويكثر استخدامه في الأروقة الحوزويّة أيضاً مفاده: إنّ بعض الأحكام والفتاوى قد لا تكون مستندة إلى مصالح ومفاسد واقعيّة في أشخاص أو أنواع متعلّقاتها بحيث يتوفّر المكلّف عليها من خلال الامتثال لها أو الامتناع عنها، وإنّما تكمن مصلحتها ومفسدتها في نفس تشريعها؛ بمعنى ـ وهذا أحد مساراتها ـ أنّ نفس جعلها وفرضها وتشريعها وإلزام المكلّف بها سيحقّق مصلحة أو يُبعد عن مفسدة.
#إذا اتّضحت هذه المقدّمة المختصرة إعلم: إنّ مسألة عودة المكلّف في مسألة التّحقّق من ثبوت الهلال وجملة من الأحكام والفتاوى والإلزامات الأخرى الّتي يُصدرها الفقهاء والمراجع الإثنا عشريّة في أيّامنا والخالية من مصالح ومفاسد واقعيّة هي من هذا القبيل؛ لأنّهم يرون إنّ نفس جعلها وافتراضها وتشريعها سيولّد مصلحة مذهبيّة أو مرجعيّة أو يدفع مفسدة من هذا القبيل.
#بيان ذلك: رغم إنّ معرفة مباني الفقيه أو المرجع في خصوص آليّات ثبوت الشّهر وتحقّق الهلال مسألة يسيرة جدّاً من خلال العودة إلى رسالته العمليّة، وبالتّالي: فإنّ الامتثال لها وتطبيقها مسألة متيسّرة لا حاجة فيها إلى العودة إلى مرجع التّقليد على الإطلاق، لكنّا نجد أنّ الفقهاء والمراجع في أعصارنا مصرّون على عودة المكلّف إليهم حتّى في تطبيقها ولو من خلال إيجاد حالة خوف وهلع نفسي إيماني في داخله، ومن هنا نشاهد في بداية كلّ شهر رمضان ونهايته قائمة طويلة باسماء الفقهاء والمراجع وتحديد اليوم الّذي يختارونه كبداية لشهر رمضان ولعيد الفطر أيضاً، وإعلانات ثبت أو لم يثبت الهلال عندنا رائجة في مكاتب المرجعيّات الدّينيّة، ومن يدخل هذا السّباق فقد ضمن مرجعيّته!!
#أمّا سبب ذلك فيرجع حسب تقديرنا إلى كون مسألة الهلال من أوضح مصاديق الأحكام والفتاوى الّتي تكمن مصلحتها في نفس جعلها وتشريعها كما نبّهنا؛ وذلك لأنّ الفقيه أو المرجع يعتقد إنّ على المكلّف أن يعود إليه لمعرفة رأيه واتّباعه حتّى وإن تمكّن المكلّف من معرفة ذلك ببساطة؛ لأنّ في العودة إليه بنفسها وبحدّ ذاتها مصلحة يراها المرجع أو الفقيه وهي: تعويد المكلّف على الارتباط بالمرجعيّة والحوزة وإطاعته والامتثال لرأيه، وهي أحد دعامات مرجعيّة المرجع الّتي لا يمكن تنازله عنها على الإطلاق، بل ربّما تبقى مورّثة إلى أولاده وأحفاده حتّى بعد وفاته أيضاً؛ حيث يربطون النّاس به وبهم عن طريقها.
#وفي عقيدتي: إنّ هذه الممارسات تروم إلهاء النّاس وإشغالها بأمور ثانويّة تهدف إلى استمراريّة الجهل وتزييف الوعي المؤسّس له سلفاً، والأجدر بدل ذلك: أن يُعاد النّظر في أصل شرطيّة رؤية الهلال في ثبوت وجوب الصّوم أو الإفطار؛ وذلك لأنّ الهلال لا يمتلك أيّ قيمة موضوعيّة بحيث نرهن وجوب الصّوم والإفطار برؤيته، سواء أ كانت تلك الرّؤية بالعين المجرّدة أو المسلّحة، وسواء أ كان ذلك في بلد الصّائم أم غيره من البلدان القريبة منه أو البعيدة، وإنّما هو عنوان مشير لدخول الشّهر، وهذا المقدار يتمكّن العلم من تحقيقه ببساطة ويمكن لمراجع التّقليد أن يصدروا وفقه تقاويم سنويّة استناداً إلى هذه النّتائج العلميّة بعد تطبيق مبانيهم عليها ويضعونها في مواقعهم الإلكترونيّة وينصّون على أنّ العمل وفقها مجزئ ومبرئ للذمّة، وكفى الله المؤمنين شرّ التّقليد الأعمى ومآربه.
#بلى وألف بلى أيضاً: قدرنا أن تهبط تعاليم الإسلام في مجتمع بدائي كان يعتمد آليّات البداوة في تسجيل أحداثه ومناسباته ويمارس النّسيء والتّقديم والتأخير في سبيل الحفاظ على مكاسبه، لكنّ الأكثر تعاسة من قدرنا أن نُصرّ على افتراض قيمة موضوعيّة لرؤية هذا الهلال البدوي في أهمّ عباداتنا، ونخترع بيانات صناعيّة واستظهارات روائيّة في سبيل تصحيح هذه البداوة وإعادة إنتاجها ومظهرتها بلغة جديدة تضع مقاصد الدّين تحت أقدامها؛ من أجل المصالح الكامنة في نفس جعلها، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...