علاقة الخمس الشّيعي بالغنيمة الّلغويّة!!

22 يناير 2017
1045
ميثاق العسر

#أوضحنا في المقال السّابق طبيعة المعاجم الّلغويّة الّتي يصحّ الرّجوع إليها لتحديد معنى المفردات العربيّة الّتي وقع فيها الخلاف، وذكرنا هناك عدم سلامة الاعتماد على المصادر المتأخّرة أو المصادر الّتي وقعت تحت تأثير الخيارات المذهبيّة لمؤلّفيها إذا ما بدا منها مخالفة للمصادر الأمّ، وآسفي: إنّ بعض الكتابات الحوزويّة المتأخّرة تعاني كثيراً من هذا الموضوع؛ حيث […]


#أوضحنا في المقال السّابق طبيعة المعاجم الّلغويّة الّتي يصحّ الرّجوع إليها لتحديد معنى المفردات العربيّة الّتي وقع فيها الخلاف، وذكرنا هناك عدم سلامة الاعتماد على المصادر المتأخّرة أو المصادر الّتي وقعت تحت تأثير الخيارات المذهبيّة لمؤلّفيها إذا ما بدا منها مخالفة للمصادر الأمّ، وآسفي: إنّ بعض الكتابات الحوزويّة المتأخّرة تعاني كثيراً من هذا الموضوع؛ حيث تخلط في عرضها بين المصادر المتأخّرة والمتقدّمة وكأن الجّميع بمستوى معرفي واحد.
#وحيث إنّ معظم فقهاء الشيّعة أدّعوا إنّ الغنيمة في آية الخمس المعروفة عامّة لا تختصّ بغنائم دار الحرب رغم إقرارهم بأنّها نزلت في خصوص غنائم دار الحرب؛ وذلك لأنّهم يرون إن “غنمتم” الواردة فيها عامّة تشمل كلّ غنيمة يحصل عليها الإنسان، سواء أ كان ذلك طريق الحرب أو عن طريق الكنز والغوص أو عن طريق العمل والتّكسب… أقول: حيث إنّ الأمر كذلك فمن المناسب أن نرجع إلى كلمات الّلغويين الثبت للتّفتيش عن معنى الغنم والغنيمة في معاجمهم؛ فإذا وجدناها تفسّر الغنيمة بنحو يشمل كلّ الفوائد والأرباح فيتمّ المطلوب، ولكن من الضّروري الإشارة إلى نقطة هامّة ترتبط بطبيعة المنهج الاجتهادي المختار وهي:
#إنّا لا نتفاعل كثيراً مع هذا الّلون من الاستظهارات القرآنيّة الّتي تغضّ الطّرف عن أسباب نزول الآية وأجوائها وسياقها وقرآئنها استناداً إلى تطبيق خاطئ لقاعدة “إنّ العبرة بعموم الّلفظ لا خصوص السبب”؛ إذ نرى إنّ بعض الآيات القرآنيّة ناظرة لحالات خاصّة لا يمكن التّعدي عنها بمثل هذه البيانات الضّعيفة، وكيف ما كان سننساق مع طريقة المشهور من فقهاء الشّيعة ونفتّش عن معاني مفردتي غُنم وغنيمة في الكتب الّلغويّة بغية توفير موضوع للاستنباط.
#أمّا الغُنم فقد نصّت كلمات كبار الّلغويين على إنّه: “الفوز بالشيء من غير مشقّة”؛ وهذا يعني إنّ قيد “عدم المشقّة” قيد احترازيّ له دخالة موضوعيّة في مادّة هذه المفردة؛ فمن يحصل على شيء لم يبذل بإزائه ولأجله مشقّة ـ بما تحمل هذه الكلمة من معان ـ فيوصف ما حصل عليه بأنّه غُنم. #أمّا الغنيمة فقد عرّفوها بأموال المشركين الّتي يُتسابق إليها بالخيل والرّكاب وتؤخذ منهم بالقسر والقوّة.
#وفي ضوء هذا التّفسير للغُنم والغنيمة طُرحت مجموعة تساؤلات لعلّ أبرزها ما يلي:
1ـ إذا كان الغُنم لغة هو الفوز بالشيء من غير مشقّة، فهذا معناه خروج الغنيمة الحربيّة عن دائرة هذا المفهوم؛ فإنّ الغنائم الّتي يحصل عليها المقاتلون لا تتأتى إلّا بعد مشقّة شديدة، وأيّ مشقّة أكثر من بذل الدّماء؟!
2ـ إذا رجعنا إلى كتاب مفردات غريب القرآن للرّاغب الأصفهاني مثلاً نجده ينصّ على إنّ “الغُنم” في الأصل إنّما وضع للدّلالة على إصابة الشيء والظّفر به، وبعد ذلك اُستخدم في الغنائم الحربيّة الّتي تحصل عن طريق القتال، وإذا كان الأمر كذلك: تُرى كيف يمكن التّوفيق بين ما ذكره الرّاغب وبين ما ذكرته المصادر الّلغويّة المعتبرة في تفسير الغنُم بكونه الفوز بالشيء من غير مشقّة؟!
#هذه الأسئلة وغيرها أيضاً هي الّتي دعت معظم فقهاء الشيعة إلى التّشكيك في وجود “قيد عدم المشقّة” الّذي ذكره كبار الّلغويين لمفهوم الُغنم والغنيمة، وقالوا: إنّ مادّة غنم بكلّ اشتقاقاتها إنّما هي موضوعة للفوز بالشيء والظّفر به، سواء أ كان من الحرب أم من الغوص أم من الكنز أم أرباح التّجارات والصناعات، وعلى هذا الأساس حكموا بوجوب الخمس في كلّ ما يغنمه الإنسان استناداً إلى آية الخمس المعروفة قبل الوصول إلى الأدلّة الأخرى.
#سنتوقّف في الحلقة القادمة على ما يمكن ذكره بإجابات للأسئلة المتقدّمة، فترقّب.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...