عصيان الإمام لأوامر أبيه!!!

1 أغسطس 2018
1037
ميثاق العسر

ربّما قرع سمعك يوماً إنّ الكليني صاحب أهمّ كتاب حديثيّ إثني عشريّ معتبر قد أخذ عهداً على نفسه ألّا ينقل في كتابه الكافي إلّا ما حصل له الاطمئنان بصدوره منهم “ع”، وربّما سمعت أيضاً إنّ أصوليّاً إثني عشريّاً معاصراً كالنّائيني يرى إنّ المناقشة في أسانيد الكافي تُعدّ من جهد العاجز، على أساس هذه الرؤية تعالوا […]


ربّما قرع سمعك يوماً إنّ الكليني صاحب أهمّ كتاب حديثيّ إثني عشريّ معتبر قد أخذ عهداً على نفسه ألّا ينقل في كتابه الكافي إلّا ما حصل له الاطمئنان بصدوره منهم “ع”، وربّما سمعت أيضاً إنّ أصوليّاً إثني عشريّاً معاصراً كالنّائيني يرى إنّ المناقشة في أسانيد الكافي تُعدّ من جهد العاجز، على أساس هذه الرؤية تعالوا معي لنقرأ رواية جاءت في الكافي لنستجلي من خلالها الأفق الّذي كان يحكم تلك المرحلة وطبيعة رؤيتها المحايدة للإمام:
#كانت اليمن من المراكز التّجاريّة المهمّة الّتي يقصدها النّاس للتّجارة والكسب، وذات يوم أراد الصّادق “ع” أن يمنح أمواله لأحد الأشخاص للاتّجار والرّبح عن طريق ذلك، فاستأذن أو استشار أباه محمد بن عليّ الملقّب بالباقر “ع”؛ فقال له ع: «أما علمت إنّه يشرب الخمر؟!»، وهذا يعني عدم انبغاء العمل والاتّجار مع شارب الخمر، فأجابه ولده جعفر الملقّب بالصّادق “ع”: أجل؛ «بلغني من المؤمنين إنّهم يقولون ذلك»، فعلّق الباقر “ع” حينها قائلاً: «صدّقهم؛ فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: “يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين”؛ إنّك إن استبضعته فهلكتْ أو ضاعتْ فليس لك على الله عزّ وجلّ أن يأجرك ولا يخلف عليك».
#لكن الظّاهر وحسب هذه الرّواية: إن الصّادق “ع” خالف هذا الرأي أو الاستشارة انسياقاً مع تقديراته، ودخل في مشروع تجاري مع هذا الإنسان فخسر المشروع كما تنبّأ أبوه “ع” بذلك، فما كان إلّا أن دعا عزّ وجلّ أن يأجره على ذلك!!، وهذه عين عبارة الصّادق “ع” كما في الرّواية: «فاستبضعته فضيّعها، فدعوت الله عزّ وجلّ أن يأجرني».
#وحينما سمع أبوه “ع” بدعائه قال: «أي بني مه، ليس لك على الله أن يأجرك ولا يخلف عليك»، وحينما استفسر منه الصّادق “ع” عن سبب ذلك أجابه قائلاً: «إنّ الله يقول: “ولا تؤتوا السّفهاء أموالكم الّتي جعل الله لكم قياماً”، فهل تعرف سفيهاً أسفه من شارب الخمر؟!» [الكافي: ج6، ص398؛ تهذيب الأحكام: ج9، ص120].
#وفي مقام التّعليق على هذه الرّواية نستظهر ونسجّل بعض الملاحظات:
#الأولى: الرّواية في عقيدتنا تقع ضمن سلسلة من الرّوايات الّتي كانت للصّادق “ع” وجهات نظر اجتهاديّة وتقديريّة مختلفة عن والده الباقر “ع” فيها، سواء أ كان هذا الأمر في الأحكام أم في الموضوعات، وقد ذكرنا بعضها فيما تقدّم أيضاً، وهذا الأمر من متبنّياتنا الّتي نؤسّس عليها أيضاً على تنظير سيأتي في محلّه ووقته، وقد لمسه النّابهون بوضوح في مقالاتنا السّالفة.
#الثّانية: الرّواية أعلاه تضع مقولة العصمة بصيغتها الإلهيّة الإثني عشريّة في زاوية حرجة جدّاً، ولا مندوحة لدى القائلين بها وهم يرون أمثال هذه الرّواية في أهمّ كتاب حديثيّ إثني عشريّ معتبر إلّا بالّلجوء إلى: التّأويل بدعوى إنّ أمر الباقر ع بترك الاتّجار مع شارب الخمر إرشاديّ لا يجب امتثاله ولا يستحبّ العمل به أيضاً، «وإنّما الغرض فيه مصلحة الدّنيا وإن كان لو عمل به أحد لله لكان مثاباً» [روضة المتّقين: ج9، ص295]، وإمّا الّلجوء إلى: الإسقاط السّندي كما هي طريقة بعض المعمّمين الآليّين.
#الثّالثة: روى الكليني نفس هذه المحاورة مع تفاصيل وإضافات معيّنة وبإسناد صحيح عندهم عن حريز، ولكن بين الصّادق “ع” وولده إسماعيل لا بين الباقر “ع” وولده جعفر كما هو حال الرّواية الّتي ذكرناها، ومن هنا سعى المجلسيّ الأب وهو يحاول أن يجد حلّاً للشّرخ الّذي أوجدته هذه الرّواية في مفهوم العصمة أن يبادر لاتّهام حمّاد راوي الرّواية بالسّهو والاشتباه، وأفاد الفيض الكاشاني إنّ نسبة الاستبضاع إلى إسماعيل والنّهي عنه إلى الصّادق “ع” يبدو إنّه هو الأصّح؛ «لتنزه الإمام “ع” عن مخالفة أبيه» [روضة المتّقين: ج9، ص295؛ الوافي: ج20، ص613].
#الرّابعة: من الواضح إنّ الرّواية المنقولة عن إسماعيل وأبيه الصّادق “ع” لم ترو عن الإمام مباشرة كما في الرّواية آنفة الذّكر والّتي يتحدّث فيها الصّادق “ع” نفسه عن مخالفته لأوامر أبيه، وإنّما ينقل فيها حريز وقوع هذه الحكاية بين إسماعيل وبين أبيه الصّادق “ع” وإن نقل عنه “ع” بعض الأقوال في ذيلها، وبالتّالي فدعوى حصول الاشتباه من الرّاوي لا شاهد ولا قرينة عليه، خصوصاً مع رواية العياشي لرواية عصيان الصّادق “ع” لأوامر أبيه “ع” أيضاً في تفسيره [ج1، ص220]، وتكرّرها دون تعليق من قبل شيخ الطّائفة الإثني عشريّة في تهذيبه عن الكليني أيضاً، ومن هنا نصّ شيخ الفقهاء المعاصرين المرحوم المنتظري قائلاً: «احتمال وقوع القصّة تارة للإمام الصادق “ع” وتارة لإبنه إسماعيل غير بعيد، ولكن عصيان الإمام الصادق لأبيه بعيد جدًاً» [كتاب الزّكاة: ج3، ص407]، وقد عرفت إنّ هذا الأمر لا يعّد عصياناً محرّماً في وجهة نظرنا، وإنّما هو اختلاف في وجهات النّظر والفهم والتّقدير كما نوّهنا في الملاحظة الأولى.
#الخامسة: بناءً على الرّؤية المختارة في تفسير مرتكز الأحكام والسّلوكيّات الصّادرة من الأئمّة “ع” فسوف يتضاءل عندنا بحث التّعارض إلى درجة كبيرة جدّاً، وسوف تنحصر دواعي توظيف آليّات التّرجيح الدّلالي أو السّندي المعروفة في علم أصول الفقه الإثني عشريّ في مواطن ضيّقة أيضاً، فتفطّن وفكّر في هذه السّطور، والله من وراء القصد.
#الإمامة_الإثنا_عشريّة
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...