عصمة فاطمة “ع” في التّراث الإثني عشريّ!!

10 مارس 2019
93
ميثاق العسر

#روى محمّد بن محمّد الأشعث الكوفي في “باب فضل الغيرة” من كتابه المعروف بالاشعثيّات أو الجعفريّات المحدَّث به سنة: “314هـ”، والّذي صحّح السيّد السّيستاني رواياته على ما حُكي عنه، بإسناده عن إسماعيل بن موسى الكاظم “ع”، عن آبائه “ع”، عن الحسين بن عليّ “ع” قوله: «إنّ فاطمة بنت رسول الله “ص” استأذن عليها أعمى فحجبته، […]


#روى محمّد بن محمّد الأشعث الكوفي في “باب فضل الغيرة” من كتابه المعروف بالاشعثيّات أو الجعفريّات المحدَّث به سنة: “314هـ”، والّذي صحّح السيّد السّيستاني رواياته على ما حُكي عنه، بإسناده عن إسماعيل بن موسى الكاظم “ع”، عن آبائه “ع”، عن الحسين بن عليّ “ع” قوله: «إنّ فاطمة بنت رسول الله “ص” استأذن عليها أعمى فحجبته، فقال لها النّبيّ “ص”: لم حجبته وهو لا يراك؟! فقالت: يارسول الله إنّ لم يراني [يرني] فأنا أراه، وهو يشمّ الرّيح، فقال النّبي “ص”: أشهد أنّك بضعة منّي». [الأشعثيّات: ص64، خطّي؛ المطبوع: ص95؛ دعائم الإسلام: ج2، ص214؛ النّوادر: ص12؛ جامع أحاديث الشّيعة : ج25، ص634].
#لكنّ الكليني صاحب أهمّ كتاب حديثيّ إثني عشريّ معتبر والمتوفّى سنة: “329هـ” قد روى بإسناده غير النّقيّ عندهم، «عن عبد الله بن محمّد الجُعفي، عن أبي جعفر [الباقر] وأبي عبد الله [الصّادق] “ع” قالاً: إنّ فاطمة “ع” لمّا كان من أمرهم ما كان أخذت بتلابيب عُمر [بن الخطّاب] فجذبته إليها [!!]، ثمّ قالت: أمّا والله يا ابن الخطّاب لولا أنّي أكره أن يُصيب البلاء من لا ذنب له لعلمت أنّي سأقسم على الله ثمّ أجده سريع الإجابة». [الكافي: ج1، ص460].
#وهنا يحقّ لنا إبداء بعض الملاحظات العاجلة:
#الأولى: إذا كانت السيّدة فاطمة الزّهراء “ع” تستشكل من رؤيتها للأعمى فما بالها جذبت عمر بن الخطّاب من تلابيبه وخاطبته بهذه الطّريقة الحادّة؟! وهو أمر يوجب بنحو الاحتمال الكبير جدّاً تماسّاً مع الأجنبيّ فضلاً عن عدم انسجامه مع بنت نبيّ الإسلام محمّد “ص” والّتي يُفترض بها أن تكون على درجة عالية من الحشمة والوقار والاتّزان والسّكينة خصوصاً في أمثال هذه المواطن الرّجاليّة الّتي لم تستهدفها مباشرة أو أنّ بإمكانها التّصدّي لها بطريقة مختلفة.
#الثّانية: ربّما سيجيبك المقلِّدون بجوابهم التّكراريّ المعروف: ما دامت هي معصومة فهي أعرف بتكليفها؛ فمتى ما أرادت أن تتمنّع عن رؤية الأعمى فعلت، ومتى ما أرادت أن تمسك الأجنبيّ من تلابيبه فعلت ولا غضاضة في ذلك؛ فهي من تحدّد الشّرعي من غير الشّرعي، وما علينا إلّا السّمع والطّاعة!! لكنّ هذا الكلام إنّما يُصغى إليه في حالة ما إذا كان دليل عصمتها “ع” قد ثبت بدليل قبليّ مستقلّ غير النّصوص الرّوائيّة المباشرة أو المطبّقة وهذه قيود مهمّة، أمّا مع كون الأمر كذلك فإنّ مثل هذه الممارسات إذا ثبتت صحّتها فهي تضع علامة استفهام كبيرة جدّاً أمام العصمة المدّعاة لها “ع” على اختلاف مراتبها الضّعيفة والشّديدة وعرضها العريض أيضاً، وهذا البيان لا يقف أمام عصمتها “ع” فقط، بل يُمكن الاستشكال به أمام عصمة زوجها وأولادها المعروفين “ع” أيضاً.
#الثّالثة: ذهب بعضهم إلى أنّ أخذ السيّدة فاطمة “ع” بتلابيب عمر بن الخطّاب كان بعد تمزيقه «كتابها الّذي كتبها أبو بكر فى ردّ فدك إليها بعد أكمال الحجّة عليه [!!]، فآذاها وآذى الرسول بذلك؛ لما رواه مسلم عنه “ص”: “إنّ فاطمة يؤذينى ما آذاها”، فصار مصداقاً لقوله تعالى: إنّ الّذين يؤذون الله ورسوله…» [المازندراني: ج7، ص214]، وذهب آخرون إلى إنّ ذلك كان في وقت «دخولهم دار فاطمة بأمر الملعونين قهراً وإخراج عليّ إلى بيعة أبي بكر وسائر ما مرّ…»، وقالوا: إنّ أخذها بتلابيب عمر كان «للضرورة؛ لإنقاذ أمير المؤمنين “ع” من أيديهم، وكان واجباً على جميع الخلق، وقيل: أي أمرت بذلك من قبيل: قطع الأمير الّلص [!!]». [المجلسي، مرآة العقول: ج‏5، ص343].
#الرّابعة: إذا كانت السيّدة فاطمة الواردة في الرّواية تجزم بفساد وفسق وانحراف وضلال عمر بن الخطّاب ومناصريه فلا يوجد أيّ مبرّر لتمنّعها من الدّعاء عليه بالهلاك والإهلاك؛ إذ مع افتراض عدم قدرتها الطّلب من الله أن يُخصّص بلاءه به دون أن يشمل الأبرياء ممّن لا ذنب ولا جريرة لهم باعتبار إنّ طبيعة العقاب الإلهيّ القرآنيّ شاملة، فإنّ الراجح بعد الكسر والانكسار اختيار ذلك حتّى وإن شمل أبرياء لا ذنب لهم؛ وذلك لأنّ الفائدة المذهبيّة المرجوّة من هلاك هذا الشّخص وأتباعه أكبر بكثير من الفساد المترتّب على بقائه في طول عمود الزّمان، بل ولم تحصل حينذاك أيّ علاقات سببيّة ونسبيّة بين الأولاد والأحفاد بسببه.
#الخامسة: من حسن الطّالع إنّ رواية جذب عمر بن الخطّاب من تلابيبه غير نقيّة السّند عندهم، لكن توافر هذه النّصوص في أهمّ كتاب حديثيّ إثني عشريّ معتبر وهو الكافي يُعدّ علامة مُقلقة جدّاً خصوصاً لمن يعتبر ما ورد فيه من الصّحاح ولو مضموناً؛ باعتبار إنّ مرويّاته مأخوذة من الأصول المتلقّاة حسب اصطلاحهم، علماً إنّ هذه الرّواية هي المنسجمة مع الواقع المذهبيّ المتداول حول طبيعة المشهد المرويّ عن فاطمة “ع” وعمر.
#السّادسة: أ لم يكن بمقدور الكليني أن يروي رواية غضب فاطمة “ع” بعد هذه الرّواية مباشرة؛ لكي يمنح القارئ الإثني عشريّ دليلاً واضحاً وجليّاً على إغضاب عمر بن الخطّاب لفاطمة “ع” ما دامت هذه النّصوص متوافرة بين يديه وبكثرة في الأصول المتلقّاة حسب تعبيرهم كما يقول من لا خبرة له في شؤون الحديث مثلاً؟! نعم؛ ربّما اكتفى برواية أخذها بتلابيبه وجذبه نحوها للدّلالة على ذلك، ولم يكن يعلم: إنّ الّلاحقين سيبادرون لتضعيف هذه الرّواية لعدم انسجامها مع الصّورة النّمطيّة المثاليّة المرسومة في أذهانهم عن فاطمة “ع” ويصحّحون رواية الأعمى الضّعيفة أيضاً عند معظمهم ربّما!!
#السّابعة: يجب علينا أن نقرّ بأنّ التُراث الرّوائيّ الإثني عشريّ يحمل صوراً شحيحة ومضطربة في الوقت نفسه عن السيّدة فاطمة بنت محمّد “ع”، وما لم نتّفق على مقياس موضوعيّ وعلميّ وحيادي في تقييم هذه الصّور من دون إسقاطات وتأويلات عاطفيّة ومذهبيّة سوف نبقى نعيش حالة صراع نفسي مرير بسبب عدم التّطابق بين المروي وبين الرّاكز في الأذهان؛ إذ من حقّ أيّ باحث جادّ أن يسأل هذا السّؤال: تُرى ما هي المرتكزات الرّوائيّة الصّحيحة الّتي ساهمت في تكوين هذه الصّورة المثاليّة المرسومة في أذهاننا عن فاطمة “ع” طالما إنّ أهمّ الكتب الرّوائيّة الإثني عشريّة المعتبرة تحتوي على أمثال هذه النّصوص؟! فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#غضب_فاطمة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...