عبد الله المُسمّى بالرّضيع وخرافة عطشه!!

13 سبتمبر 2019
64
ميثاق العسر

#حينما نعود إلى عموم النّصوص الّتي حملتها كتب المؤرّخين والمحدّثين المتقدّمين والّتي تتحدّث عن مقتل نجل الحسين بن عليّ “ع” الرّضيع المُسمّى بـ: “عبد الله” نجدها لا تشير لا من قريب ولا من بعيد إلى حكاية عطشه، وإنّما تنصّ على أنّ والده الحسين “ع” كان قد طلبه في آخر لحظات حياته من أجل وداعه أو […]


#حينما نعود إلى عموم النّصوص الّتي حملتها كتب المؤرّخين والمحدّثين المتقدّمين والّتي تتحدّث عن مقتل نجل الحسين بن عليّ “ع” الرّضيع المُسمّى بـ: “عبد الله” نجدها لا تشير لا من قريب ولا من بعيد إلى حكاية عطشه، وإنّما تنصّ على أنّ والده الحسين “ع” كان قد طلبه في آخر لحظات حياته من أجل وداعه أو جيء به إليه لهذا الغرض، فرماه شخص من بني أسد بسهم فقتله، لكنّ المنقول على المنابر المعاصرة انسياقاً مع المنقولات الكاذبة الّتي ولدت في القرون المتأخّرة يُشير إلى سيناريو آخر يتضمّن: إنّ الحسين “ع” كان قد أخرجه إلى القوم طالباً له الماء؛ باعتباره لم يشرب الماء منذ ثلاثة أيّام…إلخ من سيناريوهات كاذبة.
#ولكي نوضّح حقيقة هذه الفرية سنعمد إلى نقل نصوص المتقدّمين المعتبرة في هذا الشأن بغض الطّرف عن التّفاصيل الواردة في عمره أو تعدّده، ونعود بعد ذلك لبيان أساسها ومن هو الّذي يقف وراءها، وسنعرض ذلك في نقاط:
#الأولى: بعد أن نقل الطّبريّ المتوفّى سنة: “310هـ” عن أبي مخنف قوله: «ولما قعد الحسين أتى بصبي له فأجلسه في حجره زعموا أنّه عبدالله بن الحسين»، عاد لينقل عنه قولاً نقله عن عقبة بن بشير الأسديّ قال فيه: «قال لي أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين [الباقر “ع”]: إنّ لنا فيكم يا بني أسد دماً، قال: قلت: فما ذنبي أنا في ذلك رحمك الله يا أبا جعفر، وما ذلك؟! قال: أتي الحسين بصبي له فهو في حجره، إذ رماه أحدكم يا بني أسد بسهم فذبحه، فتلقى الحسين دمه، فلما ملأ كفيه صبّه في الأرض ثمّ قال: رب إن تك حبست عنّا النّصر من السّماء، فاجعل ذلك لما هو خير وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين». [تاريخ الطّبري: ج5، ص448].
#الثّانية: جاء في مقاتل الطّالبيّين لأبي الفرج الأصفهانيّ المتوفّى سنة: “356هـ”: «وكان عبد الله بن الحسين يوم قتل صغيراً؛ جاءته نشّابة وهو في حجر أبيه فذبحته»، وروى بإسناده عن حميد بن مسلم قوله: «دعى الحسين بغلام فأقعده في حجره، فرماه عقبة بن بشر فذبحه»، وروى أيضاً بإسناده عن مورع بن سويد بن قيس قوله: «حدّثنا من شهد الحسين، قال: كان معه ابنه الصّغير، فجاء سهم فوقع في نحره، قال: فجعل الحسين يأخذ الدم من نحره ولبته فيرمي به إلى السماء فما يرجع منه شي‏ء، ويقول: اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل». [مقاتل الطّالبيّين: ص94ـ95].
#الثّالثة: كما جاء في كتاب الإرشاد لرئيس الطّائفة الإثني عشريّة المفيد المتوفّى سنة: “413هـ” والّذي يُفترض بأنّه أخذ ذلك من مقتل أبي مخنف قوله: «ثمّ جلس الحسين “ع” أمام الفسطاط فأتي بابنه عبد الله بن الحسين ـ وهو طفل ـ فأجلسه في حجره، فرماه رجل من بني أسد بسهمٍ فذبحه، فتلقى الحسين “ع” دمه، فلما ملأ كفّه صبّه في الأرض،‏ ثمّ قال: “ربّ إن تكن حبست عنّا النّصر من السّماء فاجعل ذلك لما هو خير وانتقم لنا من هؤلاء القوم الظالمين”، ثمّ حمله حتّى وضعه مع قتلى أهله». [الإرشاد: ج2، ص108].
#الرّابعة: أمّا اليعقوبيّ ذو الميول الشّيعيّة المتوفّى سنة: “290هـ” فقد نقل سياقاً غريباً كعادته من دون أن يُعرف مصدره فقال: «ثمّ تقدّموا رجلاً رجلاً، حتّى بقى وحده ما معه أحد من أهله ولا ولده ولا أقاربه؛ فإنّه لواقف على فرسه اذ اُتي بمولودٍ قد ولد في تلك السّاعة؛ فاذّن في اذنه وجعل يحنكه، إذ أتاه سهم فوقع في حلق الصبي فذبحه، فنزع الحسين “ع” السّهم من حلقه وجعل يلطخه بدمه، ويقول: والله لأنت أكرم على الله من النّاقة، ولمحمد أكرم على الله من صالح، ثم أتى فوضعه مع ولده وبني اخيه». [اليعقوبيّ: ج2، ص232، ط النّجف].
#الخامسة: أمّا السيّد عليّ بن طاووس المتوفّى سنة: “664هـ” فنقل في مقتله الّلهوف مضموناً ربّما يتقارب مع أصل مضمون الطّبريّ والمفيد من دون أيّ إشارة إلى عطشه حيث قال: «ولمّا رأى الحسين “ع” مصارع فتيانه وأحبته، عزم على لقاء القوم بمهجته، ونادى هل من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله “ع”؟! هل من موحّد يخاف الله فينا؟! هل من مغيث يرجو الله بإغاثتنا؟! هل من معين يرجو ما عند الله في إعانتنا؟! فارتفعت أصوات النّساء بالعويل، فتقدّم‏ إلى الخيمة وقال لزينب: ناوليني ولدي الصغير حتّى أودعه، فأخذه وأومأ إليه ليقبله، فرماه حرملة بن الكاهل الأسدي “لعنه الله تعالى” بسهمٍ فوقع في نحره، فذبحه. فقال لزينب: خذيه، ثمّ تلقى الدم بكفيّه، فلمّا امتلأتا رمى بالدم نحو السماء، ثمّ قال: هوّن عليّ ما نزل بي؛ أنّه بعين الله. قال الباقر “ع”: فلم يسقط من ذلك الدّم قطرة إلى الأرض». [اللّهوف: ص168، تحقيق: فارس الحسّون].
#السّادسة: وبعد أن عرفنا المعتبر من الحقيقة كما وردت في كلمات أهل الفنّ المتقدّمين، عمدت المصادر المتأخّرة إلى ترويج سيناريو مكذوب يتضمّن عطش هذا الرّضيع، ومساعي والده الحسين “ع” إلى طلب الماء له، وهذا السّيناريو لا أصل له في المصادر المعتبرة المتقدّمة رغم اختلاف توجّهاتها، وإنّما يُعدّ الأصل فيه هو المقتل المكذوب المنسوب لأبي مخنف والّذي أوضحنا في دراسات مستقلّة حقيقته وفقدانه للاعتبار، والّذي تسرّب إلى كتب المقاتل دون وعيّ وادراك لأكاذيبه؛ فهذا سبط ابن الجوزيّ المتوفّى سنة: “654هـ” والّذي يصنّف حسب الطّلب والرّغبات، وكتبه مملوءة بالمناكير والحكايات، نقل عن هشام بن محمّد الكلبي ـ والظّاهر إنّه أخذ الفكرة من أحد النّسخ لمقتل أبي مخنف المنحول ـ قوله: «فالتفت الحسين فاذا طفل له يبكي عطشاً، فاخذه على يده وقال: يا قوم إن لم ترحموني فارحموا هذا الطفل! فرماه رجل منهم بسهم فذبحه، فجعل الحسين يبكي ويقول: الّلهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا. فنودي من الهواء: دعه يا حسين؛ فإن له مرضعا في الجنة». [تذكرة الخواصّ: ص144، ط حجريّة].
#السّابعة: حملت كتب المقاتل الإثنا عشريّة المتأخّرة أكاذيب هائلة في تصوير المشهد الّذي حصل فيه قتل هذا الرّضيع؛ حيث بدأت بعطشه، ومرّت باختلاف معسكر عمر بن سعد في سقيه أو منعه وطلب الأخير قطع نزاع القوم من حرملة، وهكذا حديث الأخير مع المختار وكشف تفاصيل زائفة حول أسباب مقتله، وأخيراً تبسُّم الرّضيع بعد وقوع السّهم في نحره ومن ثمّ مقتله، لتنتهي بنزول الحليب على الرّباب أمّه بعد ذلك واستذكارها إيّاه وتألّمها…إلخ، أجل؛ جميع هذه أكاذيب منبريّة لا أصل ولا فصل لها، والمؤسف إنّ هناك أبياتاً شعريّة وقصائد عدّة قيلت على أساسها، وأصبحت من المحفوظات على ألسن النّاس بسبب تكرارها المنبري، وهكذا لتستحكم هذه الفرية وتفاصيلها في نفوس النّاس، وأصبح من يُنكرها هو الّذي يفتري غير الحقيقة.
#الثّامنة: نسب صاحب أسرار الشّهادة المُسمّى بالفاضل الدّربنديّ المتوفّى سنة: “6ـ1285هـ” كلاماً للسيّد ابن طاووس لا وجود له في الملهوف أصلاً بل الموجود كما نقلنا خلافه؛ حيث قال: «قال السيّد: وروي من طريق آخر أقرب إلى العقل: أنّ‌ الحال ما كانت وقت توديع الصّبيّ‌ لاشتغالهم بالحرب والقتل، وإنّما كانت أخته أخذت الصّبيّ‌ وقالت: يا أخي يا حسين، هذا ولدك له ثلاثة أيّام ما ذاق الماء، فاطلب له من النّاس شربة ماء. فأخذه الحسين على يده وقال: يا قوم! إنّكم قتلتم شيعتي وأهل بيتي، وقد بقى هذا الطّفل يتلظّى عطشاناً، فاسقوه شربة من الماء. فبينما هو يخاطبهم، إذ رماه رجل منهم، فذبح الصّبيّ‌». [أسرار الشّهادات: ص396، ط حجريّة].
#أسأل الله تعالى أن يقيّض للتّراث الإثني عشريّ ومنبره الحسينيّ رجالاً يتوفّرون على قلوب كزبر الحديد، لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يكون همّهم الإبكاء والاسترزاق؛ ليكشفوا الحقيقة للنّاس، لكنّ هذا لن يكون طالما أنّ التّخادم ما بين الفقهاء والمراجع وبين أصناف ما يُسمّى بخدمة المنبر الحسينيّ قائمٌ، فليُتفطّن كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...