ضحايا الصّدوق وضحايا الصّدق!!

11 يونيو 2018
1441
ميثاق العسر

#روى الكليني بإسناد معتبر عندهم عن عبد الله بن جندب إنّه قال: «سألت أبا الحسن الماضي [الكاظم] “ع” عمّا أقول في سجدة الشّكر؛ فقد اختلف أصحابنا فيه؟ فقال: قل وأنت ساجد: “الّلهم إنّي أُشهدك وأُشهد ملائكتك وأنبياءك ورُسلك وجميع خلقك أنّك الله ربيّ، والإسلام ديني، ومحمّداً نبيّي، وعليّاً وفلاناً وفلاناً إلى آخرهم أئمّتي، بهم أتولّى […]


#روى الكليني بإسناد معتبر عندهم عن عبد الله بن جندب إنّه قال: «سألت أبا الحسن الماضي [الكاظم] “ع” عمّا أقول في سجدة الشّكر؛ فقد اختلف أصحابنا فيه؟ فقال: قل وأنت ساجد: “الّلهم إنّي أُشهدك وأُشهد ملائكتك وأنبياءك ورُسلك وجميع خلقك أنّك الله ربيّ، والإسلام ديني، ومحمّداً نبيّي، وعليّاً وفلاناً وفلاناً إلى آخرهم أئمّتي، بهم أتولّى ومن عدوّهم أتبرأ…إلخ”» [الكافي: ج1، ص325]؛ كما نقل شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي هذه الرّواية من الكافي بنفس الصّيغة أيضاً في تهذيبه. [تهذيب الأحكام، الغفاري: ج2، ص118].
#لكن الّلافت إنّ الصّدوق ـ وهنا تبدأ خلفيّاته العقائديّة في الانعكاس على النّقل ـ حينما نقل الرّواية المتقدّمة بإسناد ينتهي إلى نفس أسناد الكليني الآنف الذّكر استبدل عبارة: “وفلاناً وفلاناً إلى آخرهم” الورادة في الرّواية الأصليّة بذكر جميع اسماء الأئمّة الأثني عشر بشكل صريح كما هي عقيدته المتأخّرة عن ولادة هذا النّص الّذي يرجع إلى القرن الثّاني وقبل ولادة ثلاثة أو أربعة أئمّة حسب الفرض، فأوردها في فقيهه بالنّحو التّالي: «قل وأنت ساجد… أنّك الله ربيّ، والإسلام ديني، ومحمّداً نبيّي، وعليّاً والحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد وموسى بن جعفر وعليّ بن موسى ومحمّد بن عليّ وعليّ بن محمّد والحسن بن عليّ والحجّة بن الحسن بن عليّ أئمّتي، بهم أتولّى ومن أعدائهم أتبرّ…» [من لا يحضره الفقيه: الخرسان: ج1، ص217؛ الغفاري: ج1، ص329]، كما إنّ شيخ الطّائفة الطّوسي ذكر النّص أعلاه دون سند في مصباح المتهجّد وطبّقه بنفس طريقة الصّدوق أيضاً. [مصباح المتهجّد: ج1، ص238].
#وهذا يعني إنّ المرحوم الصّدوق قام بالتّصرّف في هذه الرواية بإضافة تطبيقه الاجتهاديّ لها على الأئمّة الإثني عشر عنده وفقاً لمنطلقاته الآيدلوجيّة وقناعاته العقائدية، وآية ذلك: إنّ الكليني مع شدّة تتبّعه وحرصه ومساعيه لإثبات توافر اسماء الأئمّة الإثني عشر في عصر حضورهم “ع” إلّا إنّه لم يُقدم على هذه الإضافة المذهبيّة لها ولم يُدرجها إلّا في باب السّجود والتّسبيح من كتاب الصّلاة، الأمر الّذي يكشف بوضوح عن خلوّ الرّواية من هذا التّطبيق، ولا يمكن لأيّ قارئ محايد غير متأثّر بتربية مذهبيّة إثني عشريّة أن يفهم منها هذا الفهم الّذي طرحه المرحوم الصّدوق لها فضلاً عن كتابة اسماء جديدة لها لم تكن حاضرة في خلد صاحبها الأصلي فضلاً عن راويها المباشر أيضاً إلّا على أساس مجموعة من المصادرات المذهبيّة الكلاميّة، وهذا يعزّز ما قلناه فيما سبق من مقالات من التّشكيك في وثاقة الصّدوق في خصوص تفرّداته؛ وذلك لأنّه يتصرّف في النّصوص حذفاً وإثباتاً وتطبيقاً وفقاً لقناعاته العقائديّة والمذهبيّة الخاصّة، وهذا الأمر كافٍ في إسقاط وثاقته وفقاً للمبنى المختار.
#والغريب: إنّ بعض تلامذة السيّد السّيستاني “حفظه الله” هاجم من يرى إنّ النّصوص الرّوائيّة الّتي تحمل اسماء الأئمّة الإثني عشر منحولة أو هي من أدلّة ما بعد الوقوع كما اصطلحنا، بل وصف بعض من ينكر وجود روايات صحيحة على ولادة المهدي “ع” بكونه من منتحليّ التّشيّع الّذين أغفلوا الرّوايات الصّحيحة الدّالة على ذلك، وحينما بدأ باستعراض ما اصطلح عليه بالرّوايات الصّحيحة طالعنا بنفس الرّواية أعلاه وبنفس الصّيغة الّتي أوردها الصّدوق في فقيهه للبرهنة على مدّعاه للأسف الشّديد، وبعد أن أوضحنا في سالف السّطور تصرّف الصّدوق المُقلق في هذه الرّواية فسوف تسقط هذه الرّواية عن الاعتبار، ويُرجع إليها في مصدرها الأصلي الخالي من هذه الدّليليّة، ولكنّ بودّي أن أعلّق على هذا النّمط من البيانات بتعليقات عاجلة:
#الأول: كنت أتمنّى من بعض طلّاب السيّد السّيستاني أن يتأثّروا بأستاذهم “حفظه الله” والمعروف بتتبّعه الرّجالي ومعرفة النّسخ كما يُنقل عنه؛ كي لا يقعوا في أخطاء فادحة وكبيرة من هذا القبيل، لكن يبدو لي إنّهم قلّدوا أستاذهم الآخر المرحوم الميرزا جواد التّبريزي في نقلها بهذه الصّيغة ووصفها بالصّحيحة أيضاً دون دراية بواقع الحال، والأخير لمن يعرف ذلك ليس له حضور رجاليّ للأسف الشّديد، وممّن طغت الرّوح المذهبيّة المسكونة بالولاء المفرط على بحوثه وفتاواه. [راجع: الأنوار الإلهيّة، الميرزا التّبريزي: ص14].
#الثّاني: لا أدري كيف وصفتْ هذه الرّواية بالصّحيحة وهم يقرؤونها بهذه الصّيغة المفتعلة من كتاب الفقيه لا من مصدرها الأمّ وهو الكافي؛ وذلك لأنّنا إذا أردنا أن ننساق مع المباني الرّجاليّة المتعارفة فإنّ طريق الصّدوق إلى عبد الله بن جندب ضعيف بمحمّد بن عليّ ماجيلويه الّذي لم يوثّق، الّلهم إلّا إذا آمنا بكفاية شيخوخة الإجازة والتّرضّي في التّوثيق، وهذا ما لم يقبله كبيرهم ومصدر إلهامهم المرحوم الخوئي [معجم: ج11،ص161]، أمّا على أساس المبنى المختار والّذي نسوق الشّواهد من أجل تدعيمه فالأمر أجلى وأوضح؛ إذ لم تثبت لنا وثاقة الصّدوق لكي نركن إليه لتوثيق غيره، فضلاً عن كون مثل هذا الأمر قد وقع في مواطن تجلّى فيها التّصرّف في الرّواية بوضوح كما في الرّواية محلّ البحث.
#الثّالث: يسترسل جملة من طلّاب العلم في إجابة جملة من الأسئلة النّابهة حول الإمامة والمهدويّة الإلهيّة الإثني عشريّة بطريقة تبتعد عن الواقع العلمي بمسافات بعيدة، ويتوهّمون إنّنا إذا قمعنا الطّرف المستشكل بطريقة جدليّة أصوليّة تعلّمنا عليها في المدرس الحوزويّ فإنّ هذا سيحلّ الإشكال؛ فيجيبون مثلاً على نقضك بتفرّق خُلّص أصحاب الصّادق “ع” وحواريّه بعد وفاته على من يدّعي وضوح أمر الإمامة الإلهيّة الإثني عشريّة باسمائها في تلك الأزمان بجوابهم بدمٍ بارد: إنّ عدم اطّلاع كبار صحابة الصّادق “ع” والملتصقين به على اسماء الأئمّة “ع” لا يعني عدم وجود أحاديث التّنصيص على اسمائهم؛ فعدم الوجدان ـ وهنا يبدأ التّوظيف الخاطئ جدّاً لهذه القاعدة ـ لا يدلّ على عدم الوجود، مع إنّنا كرّرنا مراراً: إنّنا لم ندّع عدم الوجدان لكي يقال لنا بعدم دلالته على عدم الوجود، بل ندّعي وجدان العدم، وكم فرق بين الدعويين؛ فهؤلاء الصّحابة الكبار والخُلّص أمثال زرارة ومحمّد بن مسلم لم يكونوا يعيشون في الهامش لكي تختفي عليهم هذه الاسماء على فرض وجودها، وإنّما كانوا هم وأضرابهم الطّريق الرّسمي والحصري لنقل علوم الصّادق وأبيه “ع” إلى شيعتهم، فكيف يمكن تعقّل عدم اطلاعهم عليهم، ومعرفة بعض الخدمة والوكلاء الماليّين للأئمّة” ع” لذلك؟! فتفطّن واغتنم، وهو من وراء القصد.
#المهدويّة_الإثنا_عشريّة
#ميثاق_العسر
#إلماع: يُرجى ملاحظة التّعليق الأوّل لرؤية الوثائق.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...