شيخنا الوحيد الخراساني وسقوط الصّناعة!!

17 فبراير 2019
657
ميثاق العسر

#من حضر دروس شيخنا الوحيد الخراساني “حفظه الله” يعرف تماماً: إنّ الرّجل حريص كلّ الحرص على التّقيّد بأدوات الصّناعة الاجتهاديّة المتعارفة، ولا يفتأ في شرح وتطبيق أوصاف الجهالة على من لا يفهمها ولا يتقيّد بها ويفاضل على أساسها بين متقدّمي الفقهاء ومعاصريهم حتّى في طرحه لآرائهم وعرضه لاسمائهم، لكنّ الغريب إنّ هذه الصّناعة سرعان ما […]


#من حضر دروس شيخنا الوحيد الخراساني “حفظه الله” يعرف تماماً: إنّ الرّجل حريص كلّ الحرص على التّقيّد بأدوات الصّناعة الاجتهاديّة المتعارفة، ولا يفتأ في شرح وتطبيق أوصاف الجهالة على من لا يفهمها ولا يتقيّد بها ويفاضل على أساسها بين متقدّمي الفقهاء ومعاصريهم حتّى في طرحه لآرائهم وعرضه لاسمائهم، لكنّ الغريب إنّ هذه الصّناعة سرعان ما تختفي وتذوب ليعاد تشكيلها بطريقة مختلفة بمجرّد أن يفتح الحديث عن أهل البيت “ع” وخصوصاً السيّدة فاطمة الزّهراء ع، والّتي سعى في العقود الأخيرة لكي يكون المدافع الأوّل عن مظلوميّتها، حتّى ضغط على رئيس الجمهوريّة الإيرانيّة حينها لإعلان التّعطيل في ذكرى رحلتها، فخرج هو وزميله المرحوم التّبريزي حفاة القدمين سيراً على الأقدام في عزائها؛ لأسباب معروفة لا يسع المجال لذكرها.
#ولكي نبرهن على هذا المدّعى نستعين بمحاضرة مشهورة ومنشورة ومترجمة له ألقاها في يناير: “1990م” الموافق للعاشر من جمادي الأوّل من عام: “1411هـ” في المسجد الأعظم في مدينة قم الإيرانيّة، وسنعتمد في ترجمتها على النصّ الفارسيّ المنشور في الصّحف والمجلّات والمواقع الإيرانيّة؛ وذلك لأنّ النصّ المُعرّب الأوّل لها والمطبوع تحت عنوان “مقتطفات ولائيّة” يعاني من تحريفات كثيرة إذا ما قايسناه بالنّصّ الفارسي المنشور لها، كما إنّ النصّ المُعرّب الثّاني لها والمطبوع تحت عنوان “الحقّ المبين” يحمل بعض الأغلاط والتّصحيحات أيضاً والّتي لا نراها منسجمة مع نصّها الفارسيّ أيضاً، لذا اضطررنا إلى تعريب بعض المقاطع من هذه المحاضرة للبرهنة على أكّدناه فنقول:
#بعد أن نصّ شيخنا الوحيد على عظم مقام الصّديقة الكبرى فاطمة الزّهراء “ع”، مقرّراً وجود حقّ كبير لها في أعناق المسلمين لم يؤدّ كما ينبغي، عاد ليُظهر توجّسه وقلقه وخوفه من تشكيل محكمة في الدّنيا يكون القاضي فيها صاحب الزّمان، أو في الآخرة فيكون القاضي فيها الله تبارك وتعالى، ونُسائل حينها: «هل قدّمنا شيئاً لأداء حقّ السيّدة فاطمة الزّهراء “ع” علينا ولو بمقدار اعتراف من فقيه سُنّي؟! أخشى أن لا نملك جواباً في تلك الّلحظة» على حدّ وصفه، وبعد هذه المقدّمة قال ما ترجمته:
#يجب علينا أن نلحظ ما أورده صحيح البخاري ولو من غير قصد بخصوص حقوق السيّدة فاطمة “ع”، فإنّ أكثر فقهاء السُنة تعصّباً وأكثرهم نقداً للحديث يعدّون البخاريّ صحيحاً ومعتبراً، وقد جاء في هذا الكتاب عن أبي الوليد، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي ملكية، عن المسور بن مخرمة عن رسول الله قوله: “فاطمة بضعة منّي، من أغضبها فقد أغضبني”، وهنا نريد أن نبحث عن هذا الحديث ونتفحّصه: فهو حديث يرويه فقيه سُنّي، وهو من الأحاديث الّتي تمتلك صحّة أعلائيّة عندهم؛ وذلك لأنّ البخاريّ ـ الّذي يحتاط كثيراً في صحّة الأحاديث ـ قد رواه عن الإمام جعفر الصّادق “ع”، ومن جانب آخر نجد إنّ الذّهبي الّذي يُعدّ من أكثرهم نقداً للحديث قد صحّحه أيضاً وعدّه معتبراً، لكنّه رواه بنحو آخر فقال: “إنّ الرّب یرضی لرضا فاطمة ویغضب لغضب فاطمة»، إذن؛ فهذا الحديث قطعيّ الصّدور من النّبي الأكرم “ص” عندهم، علماً: إنّنا نرى إنّ حديث البخاري مفسّر ومؤيّد لحديث الذّهبي، وهنا نسأل: ما هي دلالة هذا الحديث؟!…إلخ» [انتهى ما نحتاجه من كلامه “حفظه الله”].
#نلاحظ:
#أوّلاً: من الغريب أن نجد شيخنا الوحيد الخراساني يوحّد بين الرّواية بصيغتها المشهورة والمعروفة الّتي رواها البخاري والّتي ربطت غضب رسول الله بغضب فاطمة، وبين الرّواية الّتي رواها بعض محدّثي الطّبقة الثّانية والثّالثة من علماء السُنّة والّتي ربطت غضب الله بغضب فاطمة؛ مع إنّهما صيغتان مختلفتان لا تشتركان لا في الطُرق والأسانيد سوى في راوٍ واحد هو السجّاد “ع”، ولا في الصحّة والاعتبار، والأكثر من هذا غرابة وصدمة: إنّه قرّر بصريح العبارة: إنّ الذّهبي قد صحّح الصّيغة الثّانية، مع إنّنا وثّقنا تصريحه بنكارتها وعدم مقبوليّتها بل نقلنا هذا الموقف المشابه عن جملة من نقّاد حديثهم في بحوث سابقة، فكيف التّوفيق؟!
#ثانياً: ويزداد الأمر غرابة حينما يسحب شيخنا الوحيد سند الصّيغة الثّانية المطوّرة كما عبّرنا عنها إلى سند الصّيغة الأولى، ليقرّر: إنّ البخاري قد رواها عن الصّادق “ع”، مع إنّ البخاري كما صرّح الخراساني نفسه قد رواها بطريق آخر، لكنّ يبدو إنّ شيخنا الخراساني حيث إنّه رأى الرّواية بصيغتها الثّانية قد رويت عن الصّادق “ع”، وذهب أيضاً إلى مفسّريّة حديث البخاري للحديث بصيغته الثّانية جاء تعبيره بهذه الطّريقة، ومن هنا وجدنا: إنّ النّصوص المعرّبة لمحاضرته حاولت تصحيح هذا الخطأ عن طريق جعل العبارة تعود إلى طبيعة تشدّد البخاري، فقال الأوّل في ترجمتها: «إذ صحّح الذّهبي حديثاً، وقد أذعن قبله البخاريّ بصحّته، وهو من يحتاط في النّقل عن الإمام جعفر الصّادق “ع”…»، وقال الثّاني في ترجمتها: «حيث رواه البخاري الّذي يحتاط في الرواية عن الإمام جعفر الصادق “ع”…»، مع إنّ هذا التّصحيح لا ينسجم مع تكملة العبارة وربّما يكون في أصل المحاضرة الصّوتيّة حلّ لهذه المشكلة الجزئيّة الّتي لا تؤثّر على ما طرحناه حتّى لو أخذنا بالتّصحيح، لكن لا ندري كيف نسب الرّواية للذّهبي مع إنّها وردت في معاجم القرن الثّالث والرّابع الهجري ولم يكن للذّهبي من دور سوى تضعيفها والحكم بنكارتها؟!
#ثالثاً: لا أدري هل يعلم شيخنا الوحيد الخراساني إنّ الصّيغة المشهورة والمعروفة والصّحيحة لهذا الحديث في أعرافهم ترتبط بحادثة إغضاب عليّ “ع” لفاطمة “ع” وإغاظتها حين تقدّمه لخطبة بنت أبي جهل، ولم ترد من دون هذا السّبب إمّا مباشرة أو تضمّناً أصلاً؟! وعلى هذا فإذا أراد شيخنا الوحيد أن يستنبط منها نظريّة الإنسان الكامل ويطبّقها على السيّدة الزّهراء فاطمة ع لتشارك النّبيّ ووصيّه كما هو صريح رسالته العمليّة فعليه أن يثبت صدور هذا الحديث عن النّبيّ ص بطريق معتبر من دون هذا السّبب، ومثل هذا الأمر لن يكون لا من طرقنا ولا من طُرقهم، فكيف يمكن التّعويم بطرح هذا المطلب بهذه الطّريقة والإيحاء للمستمعين والقرّاء بورود هذه الصّيغة في صحاح السُنّة مستقلّة تماماً؟! على إنّ هذا الحديث بصيغته المطوّرة والّذي نسب للذّهبي خطأً تصحيحه واعتباره هو من صنف الضّعيف في مرويّاتنا.
#وأخيراً: اعتقد إنّنا أمام أزمة كبيرة ترتبط بتعمّد كبارنا اقتطاع نصوص روائيّة من سياقاتها وأسبابها الحصريّة الواردة في كتب السُنّة وتسويقها مذهبيّاً بشكل مبتسر بنحو يوحي للجماهير الإثني عشريّة بمختلف طبقاتها ورود هذا المعنى المبتسر في كتب أهل السُنّة، ويبادرون بعد ذلك لتقعيد واشتقاق عشرات المقولات المذهبيّة خطأً عن طريقه، فيتلاقف أهل المنابر هذه التّقعيدات والاشتقاقات ليكرّروها بشكل يومي على مخاطبيهم ويضيفون إليها توابل من عنديّاتهم لتأجيج الوضع الطّائفي ولعن رموز الطّرف الآخر لتتحوّل إلى سيرة عمليّة متشرعيّة مستحكمة استحكام الفولاذ، ولا تنفع معها حينئذ إلّا العناية الإلهيّة وجهود الواعين والمخلصين، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#غضب_فاطمة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...