شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله من الموضوعات!! الحلقة الثّانية

23 مايو 2019
125
ميثاق العسر

#العاشر: بعد أن أيّد السيّد السّيستاني قول النّجاشي في نفي رواية عليّ بن فضّال عن أبيه، وإنّ ما أفاده «تعريض بعدم صحّة هذا السند [القمّي] من جهة أنّ عليّاً من الكوفيّين، فكيف لا يعرف إسناده تلامذته ويعرفه القميون»، أقول: بعد أن أيّد السّيستاني ذلك عاد ليذكّر بمحاولة أستاذه الخوئي الرّامية للجمع بين نقل النّجاشي الّذي […]


#العاشر: بعد أن أيّد السيّد السّيستاني قول النّجاشي في نفي رواية عليّ بن فضّال عن أبيه، وإنّ ما أفاده «تعريض بعدم صحّة هذا السند [القمّي] من جهة أنّ عليّاً من الكوفيّين، فكيف لا يعرف إسناده تلامذته ويعرفه القميون»، أقول: بعد أن أيّد السّيستاني ذلك عاد ليذكّر بمحاولة أستاذه الخوئي الرّامية للجمع بين نقل النّجاشي الّذي نفى رواية عليّ بن فضّال عن أبيه وبين ما ورد في كامل الزّيارات من الرّواية، وذلك من خلال طرح احتمال أن يكون عليّ بن فضّال كان يتمنّع عن رواية أخبار الأحكام عنه أبيه نظراً لأهمّيتها ومخافة الاشتباه فيها، بينما يعمد إلى نقل أخبار الزّيارة لعدم وجود مثل هذه المحاذير فيها، وعن هذا الطّريق حاول أن يرفع القدح الّذي يرد على مبناه في توثيق رجال كامل الزّيارات، لكنّ السّيستاني لم يقبل مثل هذا التّوجيه ووصفه بالضّعيف؛ وذلك لمنافاته مع ما ذكره النّجاشي في هذا الخصوص. [موسوعة مؤلّفات السّيستاني: ج9، ص110ـ111].
#الحادي عشر: ضعّف الشّيخ آصف محسني مختار أستاذه في هذا المجال مدّعياً ضعف دليله؛ وذلك انسياقاً مع مبنى الوثاقة قائلاً: «فإذا كان الواسطة بين الصدوق وابن عقدة ثقة أو حسناً لابد من الأخذ بالرّواية… وما نقله النجاشي غير مسند، وقبول توثيقاته المُرسلة لايستلزم قبول كلّ ما ارسله من منقولاته، وأمّا أن الكوفيّين لايعرفون هذه النّسخة فهو كلام مجمل من هؤلاء الكوفيّون؟ وكيف لايعرفونها؟ وما هو وجه اشتراط معرفتهم لاعتبار الروايات؟». [معجم الأحاديث المعتبرة: ج2، ص65].
#الثّاني عشر: الظّاهر إنّ كلام الشّيخ آصف محسني غير قابل للتّصديق والفهم؛ فإنّ عدم معرفة الكوفيّين بهذه النّسخة ليس ناتجاً من إيمانهم بسلامة روايتها وإنكارهم لها، وإنّما لعدم تعقّلهم روايتها من الأساس؛ لأنّ أهل مكّة أدرى بشعابها، ومن ثمّ جزموا بعدم رواية عليّ بن فضّال ابن جلدتهم ومنطقتهم عن أبيه هذه المضامين أصلاً، ومن المؤسف أن ينساق المحسني مع مبنى الوثاقة إلى الأخير دون تدقيق وتمحيص ولو في مضامينها، ومع هذا نراه يخفق في قبول متون الرّوايات المبتلاة بآفات كثيرة ومنها روايات هذا الباب، فيبدأ إمّا بالتّوجيه والتأويل الّذي لم يُنزل الله به من سلطان والّذي لا يقنع حتّى صاحبه أيضاً، وإمّا بذكر عبارة نُرجع علمها إلى أهلها ويُغلق الباب على نفسه، ومن يُراجع كلمات المحسني في ذيل معظم روايات هذه النّسخة يجدها من هذا القبيل أيضاً؛ لأنّه يجد فيها مضامين لا يمكن تأويلها أو تفسيرها.
#الثّالث عشر: روى الكلينيّ المتوفّى سنة: “329هـ” عن «أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحسين، عن محمّد بن الحسين، عن أبيه، قال: كتبت إلى أبي الحسن “ع” ما تقول في التّلطّف يستدخله الإنسان وهو صائم؟ فكتب: لا بأس بالجامد»؛ كما نقل الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” هذه الرّواية عينها من الكليني دون إشارة لاسمه بالسّند التّالي: «أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحسن، عن أبيه، قال…»، وهو أمر حدا بالمرحوم الخوئي لافتراض طريقين للرّواية أحدهما للكلينيّ وثانيهما للطّوسي، لكنّ الغريب إنّه رغم تحفّظه البالغ على رواية ابن فضّال عن أبيه ولو في خصوص القضايا الفقهيّة كما أسلفنا نراه يغفل هذا المطلب ويعتقد باعتبار السّند بناءً على طريق الطّوسي ويفترض إنّ عليّ بن الحسن الوارد في طريق الطّوسي هو ابن فضّال. [مستند العروة الوثقى: ج21، ص241].
#الرّابع عشر: لا يمكن الاستناد إلى رواية الحقن بالجامد بصيغتها الواردة في التّهذيب للإيمان بإمكانيّة رواية عليّ بن فضّال عن أبيه؛ لأنّنا نلتزم بسقوط الواسطة بينه وبين أبيه، وقرينة ذلك هو الرّواية الّتي نقلها الطّوسي عن الكليني في الباب نفسه وبعد رواية واحدة فقط من الرّواية محلّ البحث والّتي جاء سندها بالنّحو التّالي: «محمّد بن يعقوب الكليني، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحسن، عن أحمد بن الحسن، عن أبيه…»، وعليه فلا صحّة لرواية عليّ بن فضّال عن أبيه مباشرة بناءً على افتراض وحدة طريق الرّوايتين كما هو الرّاجح جدّاً.
#الخامس عشر: حاول بعضهم أن ينقض كلام ابن الغضائريّ “الإبن” الّذي نفى سماع الكوفيّين لهذه النّسخة القميّة؛ وذلك من خلال نقل كلام النّجاشي في ترجمة أحد الرّواة الّذين رووا بعض ما جاء في هذه النّسخة وإنّه من أهل الكوفة وهو: محمّد بن بكران، وبالتّالي: فكيف يدّعي ابن الغضائريّ الإبن عدم سماع الكوفيّين لها!! لكنّ هذا النّقض مدفوع بما ذكره الطّوسي في ترجمة محمّد بن بكران نفسه، حيث أفاد بأنّه من أهل قم، [رجال الطّوسي: ص444]، وبالتّالي: فإنّ الرّجل من أهل قم لا الكوفة، وسكنه لفترة ما في الكوفة لا يعني إنّه من أهلها، ولا يعني: إنّ تحديثه بأحاديث عن محدّثي أهل الكوفة لم يسمع بها أهل هذه المدينة الأصليّين يوجب بطلان كلامهم في نفيها وعدم سماعها.
#السّادس عشر: ما جاء في بصائر الدّرجات المطبوع من رواية عليّ بن فضّال عن أبيه داخل في ضمن الكبرى الكوفيّة النّاصّة على عدم معروفيّة رواية عليّ بن فضّال عن أبيه، ومن خلال فحص هذه الرّوايات نجدها مذهبيّة بامتياز، والظّاهر إنّها: روايات قميّة رُكّبت لها أسانيد كوفيّة لأغراض اقتضتها المرحلة، كما إنّ ما جاء في أمالي الطّوسي وفلاح السّائل مبتلى بالإشكال نفسه.
#السّابع عشر: أمّا رواية ابن الزّبير عن عليّ بن فضّال عن أبيه كتاب أبي داود المسترق فلا يدلّ على رواية ابن فضّال عن أبيه؛ فقد تكون من قبيل ما ذكره النّجاشي نفسه حينما نصّ قائلاً: «ورأيت جماعة من شيوخنا يذكرون الكتاب المنسوب إلى علي بن الحسن بن فضال المعروف بـ “أصفياء أمير المؤمنين “ع” “، ويقولون: إنّه موضوع عليه، لا أصل له، والله أعلم. قالوا: وهذا الكتاب أُلصق روايته إلى أبي العبّاس بن عقدة وابن الزّبير، ولم نر أحداً ممّن روى عن هذين الرجلين يقول قرأته على الشّيخ، غير أنّه يُضاف إلى كلّ رجلٍ منهما بالإجازة حسب» [النّجاشي: ص258]، فقد تكون رواية ابن عبدون عن ابن الزّبير من هذا القبيل، هذا فضلاً عن عدم ثبوت وثاقة ابن الزّبير عندهم.
#الثّامن عشر: نقل الكشّي المتوفّى سنة: “327هـ” روايتين عن عليّ بن فضّال عن أبيه في رجاله، الأولى: تتحدّث عن ترحّم الصّادق “ع” على بكير بن أعين، والثّانية: عن مدح الجّواد “ع” لكتاب يونس بن عبد الرّحمن، وبغضّ الطّرف عن حقّانيّة وعدم حقّانيّة هذه الرّوايات خصوصاً الثّانية منها فهي في نهاية المطاف ليست أحكاماً شرعيّة أو نصوصاً عقائديّة، وإنّما أخباراً عاديّة أشبه بالحكايات الّتي يمكن لصبيّ أن ينقلها فضلاً عن شخص في عمر الثّامنة عشر كعليّ بن فضّال؛ لذا لا دلالة لمثل هذه النّصوص الرّوائيّة على تصحيح نسخة القمّيين وادّعائهم الرّواية المباشرة لعليّ بن فضّال عن أبيه.
#التّاسع عشر: حين مراجعة عموم الأسانيد الواصلة في عموم الكتب النّاصّة على رواية عليّ بن فضّال عن أبيه نجدها مقتصرة على العنعنة، أمّا روايته عن أبيه بلفظ: حدّثنا، أو أخبرنا، أو السّماع، أو غير ذلك ممّا هو صريح أو ظاهر في المباشرة فلا وجود له في موضعٍ منها، من هنا فربّما يذهب ذاهب ـ كما ذهب أيضاً ـ إلى إنّ تمنّع عليّ بن فضّال من الرّواية عن أبيه إنّما يقتصر على عدم روايته بالصّيغة الصّريحة أو الظّاهرة في التّحمل عنه بالسماع أو القراءة، أما تحمّله عنه بالإجازة أو المناولة أو الوجادة أو سائر طرق التّحمّل فلا دلالة في تصريحه الّذي نقله النّجاشي عنه في نفيه، لكنّ هذا التأويل لا شاهد عليه غير وجود هذا الكمّ الكبير من الرّوايات في تراث القمّيين؛ مع أنّ قبول مثل هذه النّصوص الكثيرة مع نفي الكوفيّين لها محلّ نظر وتأمّل، خصوصاً وإنّ من تفرّد برواية معظمها هو ابن عقدة، والّذي يُعرف بين رجاليّي أهل السُنّة بروايته لنسخ غريبة غير متطابقة مع أصولها، وإنّ بلاءه الوجادات [لسان الميزان: ج1، ص604].
#العشرون: من يُراجع كتب الرّجال والتُراجم السُنيّة يجدها متّفقة تقريباً على تساهل ابن عقدة في رواية النّسخ الّتي يُشكّ في مقابلتها على أصول معتمدة، وهو الّذي اصطلحوا عليه برواية الغرائب، وقد نقلوا عنه حكايات تعمّد هذا المضمون؛ إذ سأل الدّارقطني المتوفّى سنة: “385هـ” «أبا الحسن محمّد بن أحمد بن سفيان بن حماد الحافظ بالكوفة عن ابن عقدة، فقال: دخلت إلى دهليز بن عقدة وفيه رجل كان مقيماً عندنا يقال له: أبو بكر البستي، وهو يكتب من أصل عتيق: حدثنا محمّد بن القاسم السّوداني، حدّثنا أبو كريب، فقلت له: أرني، فقال: قد أخذ عليَّ ابن سعيد أن لا يراه معي أحد، فرفقت به حتّى أخذته منه، فإذا أصل كتاب الأشناني الأوّل من مسند جابر وفيه سماعي، وخرج ابن سعيد وهو في يدي، فجرد على البستي وخاصمه، ثمّ التفت إليّ فقال: هذا عارضنا به الأصل، فأمسكت عنه…إلخ». [سؤالات حمزة السّهمي للّدارقطني: ص160]، من هنا فرواية مثل هذه النّسخة القميّة عن عليّ بن فضّال لم يكن يعرفها الكوفيّون أنفسهم منسجم تماماً مع هذه الدّعوى.
#الحادي والعشرون: لم ترد هذه الخطبة في أيّ مصدر سُنّي أو شيعيّ آخر في حدود المتابعة الوافرة، نعم؛ روى بعضهم عن سلمان الفارسي ما يشبه بعض أجزاء هذه الخطبة، لكنّهم ضعّفوا أسنادها وحكموا بنكارة بعض مضامينها أيضاً.
#فتحصّل ممّا تقدّم: عدم إمكان تصحيح هذه الخطبة وما روي عن طريقها أيضاً، وإنّ أصل ما ذهب إليه ابن الغضائريّ والنّجاشي واختاره المرحوم الخوئي هو المعتمد، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#وثاقة_الصّدوق


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...