شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله من الموضوعات!! الحلقة الأولى

23 مايو 2019
123
ميثاق العسر

#ثمّة خطبة مشهورة الانتساب إلى رسول الله “ص” في أوساطنا الإثني عشريّة المعاصرة تتحدّث عن فضيلة شهر رمضان وثواب الصّيام فيه مع نهاية مذهبيّة حزينة، والّتي جاء في مطلعها: إنّ عليّ بن أبي طالب “ع” حدّث فقال: «إنّ رسول الله “ص” خطبنا ذات يوم فقال: “أيّها النّاس، إنّه أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرّحمة والمغفرة، […]


#ثمّة خطبة مشهورة الانتساب إلى رسول الله “ص” في أوساطنا الإثني عشريّة المعاصرة تتحدّث عن فضيلة شهر رمضان وثواب الصّيام فيه مع نهاية مذهبيّة حزينة، والّتي جاء في مطلعها: إنّ عليّ بن أبي طالب “ع” حدّث فقال: «إنّ رسول الله “ص” خطبنا ذات يوم فقال: “أيّها النّاس، إنّه أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرّحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيّامه أفضل الأيّام، ولياليه أفضل الّليالي، وساعاته أفضل السّاعات، وشهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا الله ربّكم بنيّات صادقة، وقلوب طاهرة‏…إلخ». [عيون أخبار الرّضا: ج1، ص402، ط مؤسسة آل البيت؛ الأمالي: ص93].
#لكنّ المؤسف إنّ هذه الخطبة ـ وجملة وافرة من الرّوايات المرويّة عن طريقها ـ من المكذوبات المنحولات الموضوعات على رسول الله “ص” دون شكّ وريب؛ وشرح ذلك يمرّ من خلال تقديم مجموعة إيضاحات:
#الأوّل: لقد تفرّد المرحوم الصّدوق برواية هذه الخطبة عن طريق السّند التّالي: «عن محمّد بن بكر بن النّقّاش، وأحمد بن الحسن القطّان، ومحمّد بن أحمد بن إبراهيم المعاذي، ومحمّد بن إبراهيم بن إسحاق، جميعاً قالوا: حدّثنا أبو العبّاس بن أحمد بن محمّد بن سعيد الهمدانيّ مولى بني هاشم، قال حدّثنا عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن أبيه، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرّضا “ص”، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه الصّادق جعفر بن محمّد، عن أبيه الباقر محمّد بن عليّ، عن أبيه زين العابدين عليّ بن الحسين، عن أبيه سيّد الشّهداء الحسين بن عليّ، عن أبيه سيّد الوصيّين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب “ع”»، كما روى جملة من الرّوايات الأخرى عن طريق هذا السّند أيضاً، لكنّه رواه عن شيخه محمّد بن إبراهيم بن إسحاق فقط من دون بقيّة مشايخه الثّلاثة.
#الثّاني: سنغمض الطّرف مؤقّتاً عن مشايخ الصّدوق الأربعة المباشرين، وعن شيخهم الّذي ادّعوا سماعهم المباشر منه أعني: ابن عقدة الكوفيّ الزّيديّ الجاروديّ المولود سنة: “249هـ” والمتوفّى سنة: “332هـ” أيضاً، ونقصر النّظر على رواية عليّ بن فضّال عن والده، وعلى رواية والده عن الرّضا “ع” أيضاً.
#الثّالث: نصّ النّجاشي المتوفّى كما هو المشهور سنة: “450هـ” في ترجمة عليّ بن فضّال قائلاً: «كان فقيه أصحابنا بالكوفة، ووجههم، وثقتهم، وعارفهم بالحديث، والمسموع قوله فيه. سُمع منه شيئاً كثيراً، ولم يُعثر له على زلّة فيه ولا ما يشينه، وقلّ ما روى عن‏ ضعيف، وكان فطحيّاً، ولم يرو عن أبيه شيئاً، وقال: “كنت أقابله وسنّي ثمان عشرة سنة بكتبه ولا أفهم إذ ذاك الرّوايات ولا أستحل أن أرويها عنه”، وروى عن أخويه عن أبيهما» [ص257]، وعلى هذا الأساس فكيف يُريدنا الصّدوق أن نصدّق برواية عليّ بن فضّال مثل هذه الخطبة وعشرات من المرويّات الأخرى عن أبيه ما دام الرّجل قد التزم بعدم رواية شيء عن والده بشكل مباشر أصلاً؟!
#الرّابع: لا يقتصر الأمر على هذا الشّاهد في استبعاد صحّة مثل هذه الخطبة، بل يذهب الموضوع إلى ما هو أعمق منه؛ حيث روى النّجاشي عن شيخه أو زميله ابن الغضائريّ “الإبن” قوله: «وذكر أحمد بن الحسين [الغضائريّ] “رحمه الله” أنّه رأى نسخة أخرجها أبو جعفر بن بابويه [الصّدوق] وقال: “حدّثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد [ابن عقدة]، قال: حدّثنا عليّ بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن الرضا [“ع”]، ولا يعرف الكوفيّون هذه النّسخة، ولا رويت من غير هذا الطريق» [المصدر السّابق نفسه]، على هذا الأساس: فكيف يمكن أن نصدّق بمثل هذه الخطبة وما روي معها عن هذا الطّريق، مع إنّ الكوفيّين الّذين يقطنون في المدينة الّتي نشأ ابن فضّال وأولاده وتلامذته وترعرعوا فيها لم يسمعوا بمثل هذه النّسخة ولم تُرو عن طريق آخر غير طريق الصّدوق المولود في قم؟!
#الخامس: حاول المرحوم الشّوشتري المتوفّى سنة: “1415هـ” أن يحلّ هذا الإشكال المعضل من خلال طرح تأويليّة غير موفقّة؛ حيث نصّ على إمكانيّة الجمع بين رواية الصّدوق لهذه النّسخة وبين عدم معرفة الكوفيّين لها ببيان: «أنّ عليّ بن فضّال [الإبن] كان لا يستحلّ ذلك [أي الرّواية المباشرة عن أبيه] أوّلاً واستحلّه أخيراً؛ لأنّ أباه كان يقابل معه كتبه، وذلك يكفي في الرّواية؛ لأنّها كالشهادة في كون العبرة فيها وقت الأداء لا التحمّل، فعدم فهمه يومئذٍ غير مضرٍّ، وحينئذ فالكوفيّون رأوا قوله الأوّل، والقمّيّون عمله الأخير». [قاموس الرجال: ج‏7، ص415].
#السّادس: ما طرحه المرحوم الشّوشتري من وجه للجمع غير سديد؛ وذلك: لأنّ الكوفيّين لم ينفوا هذه النّسخة القميّة استناداً إلى كبرى عدم رواية عليّ بن فضّال عن والده لكي يُقال بإمكانيّة حلّها عن طريق التّغاير ما بين وقت الأداء ووقت التّحمّل، وإنّما نفوا معرفتهم بها بمعنى جزمهم بعدم صحّتها؛ وذلك لأنّها لم ترو عن أحد من غير هذا الطّريق، وهذا الأمر كافٍ في نفيها؛ إذ كيف يُعقل أن يحدّث عليّ بن فضّال بعموم هذه النّسخة إلى ابن عقدة فقط ويقتصر الأخير على تحديث بعض الرّواة المجهوليين في بلاد فارس بها ولا يحدّث بها ـ مع أهميّتها ـ ولو إلى راو واحد من أهل الكوفة؟! مضافاً إلى إنّ ظاهر تمنّع عليّ بن فضّال من الرّواية المباشرة عن والده لا تختصّ بوقت صغره وعدم فهمه لما يُقابله معه فقط، وإنّما يشمل ما بعد ذلك أيضاً، ولهذا اقتصر في عموم رواياته عن أبيه على توسّط أخويه في البين، ومن هنا لم يخف النّجاشي تحفّظه وهو يعدّ كتب ابن فضّال الأب حينما قال: «كتاب يرويه القمّيّون خاصّة عن ابنه علي، عن الرضا “ع” فيه نظر». [ص36]. [النّجاشي: ج1، ص242].
#السّابع: لا تقتصر شواهد بل أدلّة الاستبعاد على هذا الحدّ، فها هو النّجاشي ينصّ قائلاً: «ورأيت جماعة من شيوخنا يذكرون الكتاب المنسوب إلى علي بن الحسن بن فضال المعروف بـ “أصفياء أمير المؤمنين “ع” “، ويقولون: إنّه موضوع عليه، لا أصل له، والله أعلم. قالوا: وهذا الكتاب أُلصق روايته إلى أبي العبّاس بن عقدة وابن الزّبير، ولم نر أحداً ممّن روى عن هذين الرجلين يقول قرأته على الشّيخ، غير أنّه يُضاف إلى كلّ رجلٍ منهما بالإجازة حسب». [النّجاشي: ص258].
#الثّامن: بعد أن عرض المرحوم الخوئي لأصل المشكلة العويصة الّتي تكمن في روايات هذه النّسخة القميّة بلحاظ ما نقله النّجاشي عن عليّ بن فضّال أفاد بأنّ المسألة غير قابلة للجمع، وعليه: «فلا مناص من الالتزام إمّا: بعدم صحّة ما ذكره النّجاشي، أو بعدم صحّة هذه الروايات»، لكنّه لم يخف الحقيقة في ترجيحه للرّأي الصّحيح قائلاً: «الظاهر أنّ الالتزام بعدم صحة هذه الروايات أهون؛ فإنّ مشايخ الصّدوق الّذين ذكرناهم في هذه الروايات كلّهم ضعاف، فلا يمكن رفع اليد بأخبارهم عمّا حكاه النجاشي، عن علي بن الحسن بن فضال». [معجم رجال الحديث: ج‏12، ص364].
#التّاسع: عزّز المرحوم الخوئي مختاره الصّحيح في عدم صحّة روايات النّسخة القميّة المرويّة عن ابن فضّال “الأب” بطرح مؤيّد قويّ، قائلاً: «ممّا يؤيّد صحّة قول النّجاشي: أنّ الرّوايات المزبورة كلّها عن أحمد بن محمد بن سعيد [المعروف بإبن عقدة]، وهو من مشاهير المحدّثين، فلو كانت له رواية عن عليّ بن الحسن بن فضال، عن أبيه، لكثر نقلها في الكتب الأربعة، ولم نظفر بذلك إلّا في موردين من التّهذيب… وهاتان الرّوايتان ـ وإن صح سندهما ـ إلّا أنّه يمكن الالتزام فيهما بسقوط الواسطة بين علي بن الحسن [بن فضّال] وبين أبيه، أو يُقال: إنّ علي بن الحسن بن فضال لعدم فهمه الروايات لم يرو عن أبيه فيما يرجع إلى الحلال والحرام…». [معجم رجال الحديث، مصدر سابق]. [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#وثاقة_الصّدوق


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...