ساعة الصّفر في كربلاء وأمنية الحسين “ع”!!

10 سبتمبر 2019
30
ميثاق العسر

#لا شكّ في أنّ الحسين بن عليّ “ع” وهو يرى ساعة الصّفر الحقيقيّة قد بدأت وتعالت أصوات نسائه وحرمه بالبكاء والجزع والعويل كان قد تمنّى لو أنّه لم يجلب نساءه وحرمه معه في سفره إلى العراق، وهذا الأمر أكّده أبو مخنف عن الضحّاك المشرقي الّذي كان في معسكر الحسين “ع” واستجازه وتركه في الّلحظات الأخيرة، […]


#لا شكّ في أنّ الحسين بن عليّ “ع” وهو يرى ساعة الصّفر الحقيقيّة قد بدأت وتعالت أصوات نسائه وحرمه بالبكاء والجزع والعويل كان قد تمنّى لو أنّه لم يجلب نساءه وحرمه معه في سفره إلى العراق، وهذا الأمر أكّده أبو مخنف عن الضحّاك المشرقي الّذي كان في معسكر الحسين “ع” واستجازه وتركه في الّلحظات الأخيرة، وهو الّذي روى خطبة الحسين “ع” الشّهيرة في لحظاته الأخيرة الّتي قال فيها للقوم: «أمّا بعد، فانسبوني فانظروا من أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا، هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم “ص”، وابن وصيه وابن عمه…إلخ».
#بلى؛ روى أبو مخنف عن الضّحاك المشرقي قوله: «لما دنا منه القوم عاد براحلته فركبها، ثم نادى بأعلى صوته دعاء يسمع جلّ النّاس: أيّها النّاس، اسمعوا قولي، ولا تعجلوني حتّى أعظم بما لحق لكم عليّ، وحتّى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري، وصدّقتم قولي، وأعطيتموني النَّصف، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر، ولم تعطوا النَّصف من أنفسكم: “فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة ثمّ اقضوا إليّ ولا تُنظرون”، “إنّ وليّ الله الّذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصّالحين”».
#قال [الضحّاك المشرقي]: «فلما سمع أخواته كلامه هذا صحن وبكين، وبكى بناته فارتفعت أصواتهن، فأرسل إليهن أخاه العباس بن علي وعليّاً ابنه، وقال لهما: أسكتاهنّ، فلعمري ليكثرن بكاؤهن، قال [الضّحاك]: فلما ذهبا ليسكتاهن قال: لا يَبْعد ابن عبّاس»، وهنا علّق الضحّاك ليكشف عن فهمه وفهم من كان معه يومها لهذه الكلمة من الحسين “ع” فقال: «فظننا أنّه إنّما قالها حين سُمع بكاؤهن؛ لأنّه [أي ابن عبّاس] قد كان نهاه أن يخرج بهنّ». [تاريخ الطّبريّ: ج5، ص424، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، ط2، دار المعارف بمصر].
#وهذا المعنى أكّده أبو الفرج الأصفهاني المتوفّى سنة: “356هـ” في مقاتل الطّالبيّين بعدما نقل نصيحة ابن عبّاس للحسين بن عليّ “ع” القائلة: «أمّا إذا كنت لا بدّ فاعلاً فلا تخرج أحداً من ولدك، ولا حرمك ولا نسائك، فخليق أن تقتل وهم ينظرون إليك كما قتل ابن عفان» ورفضه “ع” الانصياع لها، إذ روى عمّن حضر معه في يوم مقتله “ع” إنّه كان «يلتفت إلى حرمه وإخوته وهنّ يخرجن من أخبيتهنّ جزعاً لقتل من يُقتل معه وما يرينه به، ويقول: لله در ابن عباس فيما أشار عليّ به». [مقاتل الطّالبيّين: ص109، شرح وتحقيق: أحمد الصّقر، دار إحياء الكتب العربيّة، القاهرة 1949م].
#أقول: النّصوص أعلاه مستلّة من المصدر الأساس والأوّل الّذي تعتمده الطّائفة الإثنا عشريّة في نقل أحداث واقعة كربلاء، ومن يُريد أن يرفضها فعليه أن يرفض عموم روايات أبي مخنف عن الضحّاك المشرقي وبذلك يثلم أحداث واقعة كربلاء بثلمة لا يسدّها شيء، الّلهم إلّا إذا أراد الانتقائيّة والتّبعيض وتعمية العقول بمقولات كلاميّة ولدت لاحقاً.
#أجل؛ النّصوص أعلاه تؤكّد بوضوح تامّ المبنى المختار الّذي يقرّر: إنّ الحسين بن عليّ “ع” لم يكن يعلم بمقتله حين خرج من المدينة ومنها إلى مكّة ومن ثمّ إلى العراق، وإنّ الدّاعي الّذي حدا به لذلك هو رسائل أهل الكوفة ومبايعتهم له على الخلافة، ومن الطّبيعي أن يحمل معه نساءه وأطفاله ومن يلوذ به، ولو تركهم لكان ذلك معيباً أصلاً، لكن حيث إنّ أصحابنا الّلاحقين لواقعة كربلاء ورّطوا أنفسهم بنظريّة الإمامة الإلهيّة وعرضها العريض وطبّقوها على الحسين بن عليّ “ع” إذ لا خيار لهم غير ذلك، فوجدوا: أنّ إخراج الشّخص العالم بمقتله والقاصد لذلك نسائه وأطفاله معه في سفر الشّهادة عمل لا يمكن تفسيره عقلائيّاً وعرفيّاً، أقول بسبب ذلك: ولّدت اجتهاداتهم نصوصاً تفسيريّة لذلك، فقالوا: إنّه مأمور بذلك؛ لأنّ «الله قد شاء أن يراهنّ سبايا» [الّلهوف: ص128]، وهي نصوص ظهرت إلى السّطح في أيّام السيّد عليّ بن طاووس المتوفّى سنة: “664هـ”، أي بعد واقعة كربلاء بما يقرب من ستّة قرون، فتأمّل كثيراً كثيراً لتميّز الحسين بن عليّ “ع” الحقيقيّ عن الحسين المذهبيّ المولود لاحقاً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...