زينب وشقّ ثوبها على شقيقها الحسين “ع”!!

15 سبتمبر 2019
47
ميثاق العسر

#حكى شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ”، بإسناده الصّحيح عنده إلى خالد بن سدير، عن الصّادق “ع” إنّه قال في رواية تتحدّث عن الحكم الفقهيّ لجواز شقّ الثّوب على المتوفّى وموارد عدم جواز ذلك: «وقد شققنّ الجيوب ولطمن الخدود الفاطميّات على الحسين بن عليّ “ع”، وعلى مثله تُلطم الخدود وتُشقّ الجيوب». [تهذيب الأحكام: […]


#حكى شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ”، بإسناده الصّحيح عنده إلى خالد بن سدير، عن الصّادق “ع” إنّه قال في رواية تتحدّث عن الحكم الفقهيّ لجواز شقّ الثّوب على المتوفّى وموارد عدم جواز ذلك: «وقد شققنّ الجيوب ولطمن الخدود الفاطميّات على الحسين بن عليّ “ع”، وعلى مثله تُلطم الخدود وتُشقّ الجيوب». [تهذيب الأحكام: ج8، ص325، تحقيق: الخرسان؛ ج8، ص448، تحقيق: الغفّاريّ].
#ونحن وإن كنّا لا نلتزم مبنائيّاً بأمثال هذه النّصوص الرّوائيّة ككواشف منفردة عن الوقائع المتقدّمة زمنيّاً عن قائلها، لكنّها ـ مضافاً إلى موافقتها للطّبيعة البشريّة للمرأة الفاقدة ـ تتحدّث عن مطلب معروف ومشهور ثبتت صحّته عن طريق آخر؛ حيث رواه أبو مخنف بأسناده عمّن حدّثه من حضّار واقعة كربلاء وظهرت تجليّات ذلك على تراث اليعقوبيّ والطّبريّ والمفيد وأضرابهم، ولا شكّ أيضاً في أنّ زينب بنت عليّ أوّل الفاطميّات.
#فقد روى ابن جرير الطّبريّ المتوفّى سنة: “310هـ” عن أبي مخنف المتوفّى سنة: “157هـ”، بإسناده عن علي بن الحسين السجّاد “ع” قوله: إنّي جالس في تلك العشية التي قُتل أبي صبيحتها، وعمتي زينب عندي تمرّضني، إذ اعتزل أبي بأصحابه في خباءٍ له، وعنده حُوىّ مولى أبي ذر الغفاري، وهو يعالج سيفه ويصلحه، وأبي يقول: يا دهر أف لك من خليل…[إلخ الأبيات المعروفة]، قال [السجّاد “ع”]: فأعادها مرّتين أو ثلاثاً حتّى فهمتها، فعرفت ما أراد، فخنقتني عبرتي، فرددت دمعي ولزمت السّكون، فعلمت أنّ البلاء قد نزل، فأمّا عمتي [زينب] فإنّها سمعتْ ما سمعتُ وهي امرأة، وفي النّساء الرّقة والجزع، فلم تملك نفسها أن وثبتْ تجرّ ثوبها، وإنها لحاسرة [ونتمّنى التّركيز على هذه المفردة] حتّى انتهت إليه [والمفروض أنّه في خباء يتحدّث مع أصحابه]، فقالت: واثكلاه! ليت الموتَ أعدمني الحياةَ! اليوم ماتت فاطمة أمي، وعلي أبي، وحسن أخي، يا خليفة الماضي، وثمال الباقي، قال: فنظر إليها الحسين “ع” فقال: يا أخية، لا يذهبن حلمك الشيطان؛ قالت: بأبي أنت وأمي يا أبا عبدالله! استقتلت نفسي فِداك، فرد غصته وترقرقت عيناه، وقال: لو ترِك القطا ليلاً لنام، يا ويلتي، أفتغصب نفسك اغتصاباً، فذلك أقرح لقلبي وأشدّ على نفسي، ولطمت وجهها، وأهوت إلى جيبها وشقته، وخرّت مغشياً عليها، فقام إليها الحسين فصبّ على وجهها الماء، وقال لها: يا أخية، اتّقي الله، وتعزّي بعزاء الله، واعلمي أنّ أهل الأرض يموتون، وأنّ أهل السّماء لا يبقون… قال [السجّاد “ع”]: فعزّاها بهذا ونحوه، وقال لها: يا أخيّة إنّي أقسم عليك فأبرّي قسمي، لا تشقّي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثّبور إذا أنا هلكت، قال [السجّاد “ع”]: ثمّ جاء بها حتّى أجلسها عندي، وخرج إلى أصحابه…إلخ». [تاريخ الطّبريّ: ج5، 420].
#وأورده بعينه رئيس الطّائفة المفيد المتوفّى سنة: “413هـ” في الإرشاد أيضاً وفيه مفردات: “حاسرة؛ لطمت وجهها؛ شقّت جيبها؛ خرّت مغشيّاً عليها” أيضاً، ولا ننسى: صبّ الحسين “ع” الماء على وجهها الأمر الّذي يؤكّد توافره في ليلة عاشوراء بمقدار ما عندهم. كما أورده قبلهما وبالمفردات الّتي ذكرناها حول زينب اليعقوبيّ المتوفّى سنة: “290هـ” أيضاً، وأخيراً ابن طاووس المتوفّى سنة: “664هـ” في مقتله الّلهوف. [الإرشاد: ج2، ص93ـ94؛ تاريخ اليعقوبيّ: ج2، ص217، ط النّجف؛ الّلهوف: ص141ـ142].
#وبعد المقتل والشّهادة كان المنظر على الفاطميّات عموماً أفجع وأمرّ؛ فقد روى الطّبريّ، عن أبي مخنف، بإسناده عن قرّة بن قيس التميمي، إنّه قال: «نظرت إلى تلك النسوة [أي نساء الحسين بن عليّ “ع”] لمّا مررن بحسين وأهله وولده: صحن، ولطمن وجوههنّ، قال [قرّة]: فاعترضتهنّ على فرس، فما رأيت منظراً من نسوةٍ قطّ كان أحسنَ من منظر رأيته منهنّ ذلك [اليوم]؛ والله لهنّ أحسن من مها يبرين [منطقة في السّعوديّة يُضرب بغزلانها المثل لحسنها]، قال [قرّة]: فما نسيتُ من الأشياء لا أنسْ قول زينب ابنة فاطمة حين مرّت بأخيها الحسين صريعاً، وهي تقول: يا محمّداه، يا محمّداه! صلّى عليك ملائكة السّماء، هذا الحسين بالعراء، مرمّل بالدّماء، مقطّع الأعضاء، يا محمداه! وبناتك سبايا، وذريتك مُقتّلة، تَسفِي عليها الصّبا. قال [قرّة]: فأبكت والله كلّ عدوٍ وصديقٍ». [تاريخ الطّبريّ: ج5، ص455ـ456].
#كما حكى ابن طاووس في الّلهوف خبر أبي مخنف أعلاه بصيغة قال الرّاوي وأورده بعد التّعديل فقال: «قال الرّاوي: ثمّ أخرج النّساء من الخيمة، وأشعلوا فيها النّار فخرجن حواسر، مسلبات، حافيات، باكيات، يمشين سبايا في أسر الذلّة، وقلن: بحقّ الله إلّا ما مررتم بنا على مصرع الحسين “ع”، فلما نظر النّسوة إلى القتلى صحن‏ وضربن وجوههن، قال: فو الله لا أنسى زينب بنت علي “ع” تندب الحسين “ع”، وتنادي بصوت حزين وقلبٍ كئيبٍ يا محمداه، صلّى عليك ملائكة السّماء…إلخ». [الّلهوف: ص180].
#وفي تقديري: إنّ جزع زينب بنت عليّ ولطمها خدّها وشقّ ثوبها…إلخ أمر واضح وجليّ ومتطابق تمام التّطابق مع طبيعة المرأة الفاقدة لهذا المقدار من المقرّبين وبهذه الصّورة المُفجعة والمؤلمة النّاشئة من غدر أهل الكوفة ونكثهم لبيعة شقيقها، وبالتّالي: فإنّ أيّ محاولة لردّه وإنكاره من خلال مرجعيّة الصّورة النّمطيّة الغارقة في المثاليّة المرسومة في أذهاننا عن صبر زينب هي في الحقيقة محاولة مذهبيّة عاطفيّة جوفاء؛ وذلك: لأنّ عموم أجزاء هذه الصّورة مستلّة من نصوص مكذوبة ولدت لاحقاً بعد تطعيمها بتلقين اجتماعيّ عشائريّ رهيب.
#أمّا حكاية قسم شقيقها الحسين بن عليّ “ع” عليها ووصيّته لها بعدم شقّ ثوبها وخمش وجهها…إلخ فهي أمنية طبيعيّة تحصل بين الشّقيق والشّقيقة في مثل هذه الّلحظات العصيبة، وهو قول متداول وممارس بكثرة ولا غرو فيه؛ فربّ الأسرة حينما يعلم بأنّه سيموت لا محالة في مرضه أو مهمّته القتاليّة فلا مندوحة عنده غير إيصاء أهله ومحبّيه بالصّبر وعدم البكاء والجزع عليه، وإنّ عدم التزام أهله ومحبّيه في لحظات المصيبة بمثل هذه الوصيّة لا يُعدّ عصياناً له على الإطلاق، بل هي مسألة عاطفيّة لا يمكن لمن يمتلك وجداناً سويّاً أن يتجاوز ردود أفعالها البشريّة المسانخة، نعم؛ حينما تُقرأ هذه الوصيّة بنظّارة الإمامة الإلهيّة المولودة في سياق الحسين المذهبي، وإنّ العلاقة بين زينب وشقيقها الحسين “ع” هي علاقة المكلّف العادي بإمامه المعصوم ومرجع تقليده، ونضمّ إليها تراكم التّلقين الفقهي والاجتماعي والمذهبيّ الرّهيب الّذي أوجدته سياقات ونصوص كثيرة، فمن الطّبيعي أن نرفض الحقيقة ونسقطها أو نأوّلها، لكنّ هذه الممارسات مذهبيّة ساقطة عن الاعتبار في المنهج الاجتهاديّ المختار، فتفطّن.
#ولا ننسى أخيراً أن نقرّر: أنّنا حينما نصرّ على جزع زينب في تلك الّلحظات بالصّيغة الواردة في النّصوص المتقدّمة فلا نريد إنكار حصول ملاسنات كلاميّة سريعة بينها وعبيد الله بن زياد في الكوفة ويزيد بن معاوية في الشّام، لكنّ هذه الملاسنات لا تنفي بكاءها وجزعها وانهيارها وشقّ ثوبها ولطمها خدّها…إلخ وهي تلاحظ أبدان أشقّائها ومن يلوذ بها بهذه الصّورة المأساويّة المفجعة، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...