زيد الشّهيد وجهله بالإمامة الإثني عشريّة!!

25 أكتوبر 2017
880
ميثاق العسر

#إذا ما أردت أن تُصدّق بمدّعانا القائل إنّ الإمامة الشّيعيّة بنسختها الإثني عشريّة وعرضها العريض فكرة متأخّرة انتجتها تجاذبات متكلّمي الرّواة وطموحاتهم وتطلّعاتهم فعليك أن تُصغي معي إلى هذه المحاورة الّتي رواها الكليني بأسناد صحيح وقويّ عندهم والّتي حصلت بين الأحول ـ وهو المتكلّم الشّيعي الشّهير والمعروف بمؤمن الطّاق ـ وبين زيد بن عليّ بن […]


#إذا ما أردت أن تُصدّق بمدّعانا القائل إنّ الإمامة الشّيعيّة بنسختها الإثني عشريّة وعرضها العريض فكرة متأخّرة انتجتها تجاذبات متكلّمي الرّواة وطموحاتهم وتطلّعاتهم فعليك أن تُصغي معي إلى هذه المحاورة الّتي رواها الكليني بأسناد صحيح وقويّ عندهم والّتي حصلت بين الأحول ـ وهو المتكلّم الشّيعي الشّهير والمعروف بمؤمن الطّاق ـ وبين زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب “ع” الثّائر والشّهيد المعروف؛ إذ يقول الأحول:
#أنّ زيد بن علي بن الحسين “ع” بعث إليّ وهو مستخف [أي مختبئ] فأتيته، فقال لي: يا أبا جعفر [وهي كنية الأحول] ما تقول إن طرقك طارق منا أ تخرج معه [أي إذا طلب منك أحدٌ منّا أهل البيت “ع” الخروج معه في ثورته ضدّ الظّلم فهل تعاونه على ذلك]؟! فقلت له: إن كان أباك أو أخاك خرجت معه، فقال لي: فأنا أريد أن أخرج أجاهد هؤلاء القوم فأخرج معي، قلت: لا، ما أفعل جعلت فداك [!!].
#وحينما رأى زيد الشّهيد تمنّع الأحول عن ذلك سأله عن السبب فقال: «أ ترغب بنفسك عني؟!»، فبدأ التّنظير الكلامي الّذي كان مؤمن الطّاق أستاذاً فيه ومنظّراً فأجاب قائلاً: «إنّما هي نفس واحدة، فإن كان لله في الأرض حجّة، فالمتخلّف عنك ناج والخارج معك هالك، وإن لا يكن لله حجة في الأرض فالمتخلّف عنك والخارج معك سواء»، وهذا يعني إنّ الأحول يُريد أن يفترض إنّ حجّة الله الّذي ينبغي إطاعته هو الإمام الّذي حصل عليه تنصيص من الإمام الّذي قبله، وحيث إنّك يا زيد لست الحجّة إذ حصل التّنصيص على غيرك فالخروج معك هلاك!!
#وحينما سمع زيد الشّهيد هذه الإجابة الكلاميّة من قبل الأحول لم يتمالك أعصابه فخاطب الأحول قائلاً: «يا أبا جعفر كنت أجلس مع أبي [السّجاد “ع”] على الخوان [بساط الطّعام] فيلقّمني البضعة [قطعة الّلحم] السمينة ويبرّد لي الّلقمة الحارّة حتى تبرد؛ شفقة عليّ، ولم يُشفق علي من حرّ النار إذ أخبرك بالدين ولم يخبرني به؟!». وهذا هو الجّواب المنطقي والمعقول؛ فهل يُعقل إنّ السّجاد “ع” الّذي كان يُشفق على ولده زيد فيعطمه الطّعام بيده ويبرّده له أن يُخبر الأحول بأمر الإمامة والدّين ولا يخبر ولده وعزيزه؟!
#لكنّ الإجابات الجّدليّة الكلاميّة غير المعقولة كانت حاضرة عند الأحول كما هي عادته فأجاب زيداً قائلاً: «جعلت فداك، من شفقته عليك من حرّ النّار لم يخبرك؛ خاف عليك أن لا تقبله فتدخل النار، وأخبرني أنا، فإن قبلت نجوت، وإن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار [!!]».
#وتعميقاً لهذا الجّواب الكلامي المخجل أراد الأحول أن يطرح بياناً آخر لإقناع زيد به فقال: «جعلت فداك، أنتم أفضل أم الأنبياء؟ فقال له زيد: بل الأنبياء»، فقال الأحول: يقول يعقوب ليوسف: “يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً”، لم لم يخبرهم حتى كانوا لا يكيدونه؟ ولكن كتمهم ذلك، فكذا أبوك كتمك؛ لأنّه خاف عليك».
#وقبل نهاية هذه المحاورة يدّعي الأحول إنّ زيداً قال له بعد أن سمع هذه البيانات الكلاميّة منه: «أما والله، لئن قلت ذلك لقد حدثني صاحبك [ويعني به الباقر “ع”] بالمدينة أنّي أقتل وأصلب بالكناسة، وإنّ عنده لصحيفة فيها قتلي وصلبي [!!]، فحججت فحدثت أبا عبد الله [الصّادق] “ع” بمقالة زيد وما قلت له، فقال لي: “أخذته من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه، ولم تترك له مسلكاً يسلكه”» [الكافي: ج1، ص174].
#ولمّا رأى المرحوم الخوئي الّلوازم الخطيرة لهذه الرّواية والّتي لا يمكن الالتزام بمؤدّاها على مبانيه الرّجالية والعقديّة والمذهبيّة نصّ قائلاً بعد أن عدّها قويّة السّند: «أنّ الأحول كان من الفضلاء المبرّزين، وكان عارفاً بمقام الإمامة ومزاياها فكيف يمكن أن ينسب إلى السجاد “ع” أنّه لم يخبر زيداً بالإمام بعده شفقة منه عليه؟! وهل يجوز إخفاء الإمامة من جهة الشفقة النسبيّة؟! على أنّ زيداً ـ والعياذ بالله ـ لو كان بحيث لو أخبره السجاد “ع” بالإمام بعده لم يقبله فهو كان من المعاندين، فكيف يمكن أن يكون مع ذلك موردا لشفقة الإمام “ع”؟!» [معجم رجال الحديث: ج8، ص367].
#ورغم هذا الظّهور الواضح الّذي يدعو الباحث إلى التّفتيش مليّاً في مرتكزات ومناشيء مقولة الإمامة الشّيعيّة بنسختها الإثني عشريّة وعرضها العريضة لكنّ الخوئي اضطرّ إلى ممارسة التأويل، ويمكن اختزال تأويلاته لهذه الرّواية في نقاط:
#الأولى: إنّما طلب زيد من الأحول الخروج معه لكونه من المعاريف في زمانه، ولا شكّ إنّ هذا الأمر يعدّ تقوية لأمر زيد.
#الثّانية: إنّ تمنّع الأحول من إجابة طلب زيد كان بسبب علمه السّابق بأنّ الخروج لا يجوز إلّا مع الإمام أو بإذنه، لكنّ زيد لم يكن يستطيع إخباره بأنّ خروجه كان بإذن الإمام؛ لأنّ هذا الأمر كان من الأسرار التي لا يجوز له كشفها، فاضطرّ إلى إجابته بنحو آخر عسى أن يفهم ذلك الأحول ويتجنّب زيد التّصريح بذلك خوفاً من توجّه الخطر إلى الإمام “ع”.
#الثّالثة: لم يفهم الأحول أسلوب التّلميح الّذي مارسه زيد معه حينما ذكّره بأنّ أباه كان يطعمه الّلقمة… بأنّ خروجه كان بإذن الإمام، وحسب إنّه يتحدّث بمراده الجّدي فاضطرّ الأحول أن يقول له: إنّ عدم إخبار أبيك لك بذلك شفقة منه عليك!!
#الرّابعة: بعد أن سمع زيد إجابة الشّفقة من الأحول أخبره إنّ خروجه لم يكن طلباً للرّئاسة ولا الزّعامة، بل هو يعلم بأنّه مقتول ومصلوب، وخروجه لأمر لا يريد بيانه، لكنّ الأحول لم يصل إلى ما أراده زيد فحجّ وحدّث الصّادق “ع” بالقصّة.
الخامسة: إنّ قول الصّادق “ع”: «أخذته من بين يديه ومن خلفه…» لا يدلّ على قدح زيد، وإنّما يدل على حسن مناظرة الأحول في عدم إجابته زيداً في الخروج معه حيث إنّه لم يكن مأذوناً في ذلك من قبل الإمام “ع”، والمفروض أنّه لم يكن عالما بأنّ زيداً كان مأذونا من قبله، ويؤكد ما ذكرناه ما في عدة من الروايات من اعتراف زيد بإمامة أئمة الهدى “ع”».
#رحم الله زيداً الشّهيد، وجعلنا من أنصاره وأعوانه والسّائرين على طريقه في مقارعة الظّلم والظّالمين، وأبعدنا عن التأويلات التّعسفيّة الّمذهبيّة للحقّ والحقيقة.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...