زيارة الأربعين واختبار الحوزويّين الرّجاليّ!!

26 أكتوبر 2018
864
ميثاق العسر

#أقرأ بين الحين والآخر سطوراً لبعض السّادة والمشايخ المعمّمين “حفظهم الله” تهدف إلى إثبات استحباب خاصّ لزيارة الأربعين، بمعنى: إنّ لزيارة الحسين بن عليّ “ع” في يوم العشرين من صفر خصوصيّة دينيّة تتميّز عن زيارته في اليوم التّاسع عشر أو الحادي والعشرين من الشّهر نفسه، وبهذا يبرّرون مسيرة الأربعين المعروفة ويثبتون لها الاستحباب الخاصّ الّذي […]


#أقرأ بين الحين والآخر سطوراً لبعض السّادة والمشايخ المعمّمين “حفظهم الله” تهدف إلى إثبات استحباب خاصّ لزيارة الأربعين، بمعنى: إنّ لزيارة الحسين بن عليّ “ع” في يوم العشرين من صفر خصوصيّة دينيّة تتميّز عن زيارته في اليوم التّاسع عشر أو الحادي والعشرين من الشّهر نفسه، وبهذا يبرّرون مسيرة الأربعين المعروفة ويثبتون لها الاستحباب الخاصّ الّذي يختلف عن الأيّام الأخرى. وقد قلنا فيما سبق في مقالات: إنّ الفقهاء الإثني عشريّة المعاصرين المعتدّ بفقاهتهم وعلمهم ـ وهذه قيود مهمّة ـ لا يذهبون إلى هذا الرأي، ويعتبرون زيارة الحسين بن عليّ “ع” في يوم الأربعين لا تختلف عن زيارته في بقيّة الأيّام الأخرى غير المخصوصة، وسبب ذلك هو: إنّ الاستحباب الخاصّ لهذه الزّيارة يحتاج إلى دليل خاصّ بمواصفات خاصّة، وهو مفقود في المقام؛ باعتبار إنّ ما يُساق من دليل خاصّ لهذه الزّيارة لا يعدو روايتين إحداهما: مُرسلة، والثّانية: ضعيفة السّند عن هؤلاء الفقهاء الحاملين للأوصاف الّتي ذكرتها لا تصلح لإثبات الاستحباب الخاصّ.
#وقد طرحت في السّابق من مقالات إشكالات كثيرة على أسانيد هذه الرّوايات ومصدرها فلا أعيد، لكنّي نبّهت إلى مشكلة سنديّة عميقة في الرّواية الثّانية الّتي يُكثر السّادة المعمّمون “حفظهم الله” من توظيفها في هذه الأيّام والاستعانة بها من أجل تبرير ما ذكرت، وهي: رواية صفوان بن مهران الّتي أوردها شيخ الطّائفة الإثني عشريّة في تهذيبه ومصباحه، وأراهم يصرّون على السّعي الحثيث لتوثيق رجال سندها بشتّى الحيل والوسائل، وعن طريق ذلك وعن طريق تلقّي من جاء من بعد الطّوسيّ لها بالقبول خطأً يثبتون الاستحباب الخاصّ لهذه الزّيارة، لكن المؤسف إنّهم غير ملتفتين إلى مشكلة القطع الحاصل في سندها وهي: تعذّر رواية محمد بن علي بن معمر عن الحسن بن عليّ بن فضّال؛ فالأوّل من صغار الطّبقة الثّامنة والثّاني من كبار الطّبقة السّادسة، ومن الواضح إنّ رواية الأوّل عن الثّاني ستكون غير مسندة جزماً، ومحاولة تصحيح رجال سندها غير نافعة في المقام أصلاً لإرسالها البيّن، وهذا من الواضحات كما أسلفنا الحديث عنه مفصّلاً، ولم أر أحداً من الكبار والصّغار قد التفت إلى هذه المشكلة وهو يستعرض الرّواية أو يستدلّ بها، وهذا من الغرائب.
#ويبدو لي إنّ السّبب الّذي أوقع هؤلاء السّادة المعمّمين “حفظهم الله” في مثل هذه الأخطاء هو ضعف الدّرس الرّجالي المنهجيّ الصّحيح في حوزاتنا العلميّة؛ إذ إنّ الطّالب أو الأستاذ يقرأ السّند كما هو موجود في الكتب المخصوصة، فيذهب ويبحث في البرامج الكمبيوتريّة عن وثاقة الرّاوي وضعفه، فيُضعّف هذا ويصحّح ذاك دون أن يلحظ طبقات الرّواة وأحوالهم، وهذا الأمر من أكبر الأخطاء الشّائعة الّتي مُرّرت عن طريقها روايات كثيرة في سبيل تصحيح مقولات عقائديّة إثني عشريّة معيّنة، ورحم الله المرحوم الخوئي الّذي سعى جاهداً إلى إحياء الدّرس الرّجالي في الحوزات العلميّة، وليته حاضر ليرى الوضع المؤسف الّذي وصلت إليه حوزة النّجف من هذا الجانب بسبب كبرى رعاية التّوازنات الباطلة الّتي يوظّفها من بيده القرار المرجعيّ في منح كراسي التّدريس، ولا زالت كلماته مطبوعة في الّذهن وهو يقول: «فإنّ البحث عن الحديث وقواعد العمل به من أهمّ الأبحاث الّتي يحتاج الفقيه إلى تنقيحها والاجتهاد فيها كاجتهاده في أصول الفقه، ومع كثرة ما كُتب في الأصول نرى الكتابة في شؤون الحديث نادرة جدّاً»، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...