رواية رؤية الأربعين رجلاً للمهدي “ع” في ميزان النّقد!! الحلقة الثّانية

21 أبريل 2019
726
ميثاق العسر

#بيّنا فيما تقدّم: إنّ رواية إراءة العسكريّ “ع” ابنه المفترض إلى أربعين رجلاً هي من تفرّدات راوٍ اسمه: “محمّد بن جعفر بن مالك الفزاريّ الكوفي”، ونوّهنا إلى ضرورة تحديد الموقف الرّجاليّ منه قبل الحديث عن أيّ إشكال آخر يُسجّل على الرّواية بطريقيها المتقدَّمين أو على مضمونها والاختلافات الحاصلة في رواتها المفترضين. #وفي البداية علينا تحديد […]


#بيّنا فيما تقدّم: إنّ رواية إراءة العسكريّ “ع” ابنه المفترض إلى أربعين رجلاً هي من تفرّدات راوٍ اسمه: “محمّد بن جعفر بن مالك الفزاريّ الكوفي”، ونوّهنا إلى ضرورة تحديد الموقف الرّجاليّ منه قبل الحديث عن أيّ إشكال آخر يُسجّل على الرّواية بطريقيها المتقدَّمين أو على مضمونها والاختلافات الحاصلة في رواتها المفترضين.
#وفي البداية علينا تحديد طبقته ومن روى عنه: فالرّجل يُعدّ وفقاً لموازين المرحوم البروجرديّ في تحديد الطّبقات من الطّبقة الثّامنة حسب الظّاهر، وقد روى عنه ـ كما في الكتب الحديثيّة ـ كثيرون من قبيل: محمّد بن يحيى العطّار؛ الحسين بن محمّد بن عامر؛ ؛ عليّ بن محمّد بن علّان؛ محمّد بن همام بن سُهيل، عليّ بن حبشي بن قوني؛ حمزة بن القاسم بن محمّد الّلحياني؛ الحسين بن عليّ بن سفيان البزوفيّ؛ أحمد بن إدريس القمّي؛ سعد بن عبد الله القمّي؛ محمّد بن الحسين بن درست؛ حمزة بن محمّد العلويّ القزوينيّ؛ الحسين بن عليّ البزوفريّ.
#وقد جاءت روايته في كتاب تفسير القمّي الواصل والمنسوب إلى عليّ بن إبراهيم القمّي الّذي يُقال إنّه كان حيّاً في سنة: “307هـ”، كما اعتمد الكلينيّ المتوفّى سنة: “329هـ” على رواياته كثيراً في كتابه الكافي معبّراً عنه تارة: بجعفر بن محمّد بن مالك، وأخرى: بجعفر بن محمّد الكوفي، وثالثة وهي الأكثر: بجعفر بن محمّد؛ كما ورد في كتاب كامل الزّيارة لإبن قولويه المتوفّى سنة: “367هـ” أيضاً، وأكثر من ذكر رواياته الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” في عموم تراثه الواصل.
#أمّا تقييم الرّجاليّين الإثني عشريّة له فقد كان في الأعمّ الأغلب سلبيّاً جدّاً؛ فالرّجل ممّن استثناهم محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد المتوفّى سنة: “343هـ” من رواة كتاب نوادر الحكمة لمحمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمي‏ وحكم بضعفهم، وتبعه على ذلك الصّدوق وابن نوح.
#أمّا النّجاشي المتوفّى كما هو المشهور سنة: “450هـ” فقد أفاد في ترجمته بأنّه: «كان ضعيفاً في الحديث»، ونقل عن زميله أو أستاذه ابن الغضائري “الإبن” قوله فيه: إنّه «كان يضع الحديث وضعاً ويروي عن المجاهيل»، وقال بأنّه قد سمع من قال عنه: إنّه «كان فاسد المذهب والرّواية»، وبعد كلّ هذه الأوصاف الصّارخة في ذمّه ووهنه يستغرب النّجاشي قائلاً: «ولا أدري كيف روى عنه شيخنا النّبيل الثّقة أبو عليّ بن همام، وشيخنا الجليل الثّقة أبو غالب الزرّاري “رحمهما الله”؟!» [النّجاشي: ص122، تحقيق شبيريّ الزّنجاني؛ ج1، ص621، تحقيق: محمّد باقر ملكيان].
#وممّا تقدّم يتّضح: إنّ التّشكيك بانتساب كتاب ابن الغضائريّ إليه غير نافع في المقام؛ وذلك لأنّ ثبوت الموقف السّلبي الشّديد منه تجاه الرّاوي لم يُنقل في الكتاب المنسوب إليه فقط لكي يُنفى بمثل هذا الاحتمال، وإنّما نقله عنه النّجاشي بصريح العبارة كما مرّ آنفاً، ولا بأس أن ننقل تعابيره من كتابه المتداول والمتطابقة مع موقفه الّذي نقله النّجاشي عنه حيث قال في ترجمته: «جعفر بن محمّد بن مالك بن عيسى بن سابور، مولى مالك بن اسماء بن خارجة الفزارى، أبو عبد الله، كذّاب متروك الحديث جملة، وكان فى مذهبه ارتفاع، ويروى عن الضّعفاء والمجاهيل، وكلّ عيوب الضعفاء مجتمعة فيه…». [مجمع الرّجال: ج2، ص42].
#أمّا الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” فقد رأى إنّ الانسياق وراء معطيات تضعيفه يعني عدم بقاء حجرٍ على حجرٍ من روايات المهدويّة بصيغتها الإثني عشريّة فلم يجد بُدّاً من توثيقه وأضاف إلى توثيقه عبارة محيّرة أيضاً تكشف عن مضضه فقال في حاله: «كوفيّ، ثقة، ويضعّفه قوم، روى في مولد القائم أعاجيب» [ص418]، أمّا في الفهرست فاكتفى في ترجمته بالقول: «جعفر بن محمد بن مالك، له كتاب النّوادر، أخبرنا به جماعة من أصحابنا، عن أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري، عن أبي علي بن همام، عن جعفر بن محمد بن مالك». [ص111]، وسنعود إلى فحص موقف الطّوسي بشكل دقيق ورؤية مصادره الّتي اعتمد عليها في تمرير روايات الفزاريّ في موضوع ولادة نجل الحسن العسكريّ “ع” المفترض.
#أمّا العلّامة الحُلّي المتوفّى سنة: “726هـ” وابن داوود المتوفّى سنة: “740هـ” فقد عدّا الفزاريّ في الضّعفاء، كما نصّ الأوّل بعد أن نقل الأقوال في ضعفه قائلاً: «فعندي في حديثه توقّف ولا أعمل بروايته‏». [رجال الحلّي: ص210].
#وبعد أن أوجزنا الكلام في التّقييم الرّجاليّ الإثني عشريّ لهذا الرّاوي، وعرفنا تضعيفه من قبل معظمهم، يحسن بنا الانتقال إلى كلمات محدّثي الدّولة الصّفويّة ومن قلَّدهم وتبعهم؛ لنلاحظ كيفيّة تبدّل المواقف وانغماسها في الغلو والباطنيّة.
#لقد عرّض المجلسيّ الأبّ المتوفّى سنة: “1070هـ” بمضعّفي الفزاريّ وغيره كثيراً، وأرجع سبب ذلك إلى تأثّرهم بابن الغضائريّ المجهول حسب وصفه لا غير، قائلاً: «وروى شيخ الطائفة عنه [أي الفزاريّ] كثيراً في كتاب الغيبة، وكذا الصدوق في كتبه سيما في إكمال الدين وذكر الأعاجيب، ولا شكّ في أنّ أموره “ع” كلّها أعاجيب، بل معجزات الأنبياء “ص” كلّها أعاجيب، ولا عجب من ابن الغضائري في أمثال هذه والعجب من الشّيخ [الطّوسي]، لكن الظاهر أنّ الشيخ ذكر ذلك لبيان وجه تضعيف القوم لا للذمّ… والعجب من النّجاشي أنّه مع معرفة هؤلاء الأجلاء وروايتهم عنه كيف سمع قول جاهل مجهول فيه، والظّاهر أنّ الجميع نشأ من قول ابن الغضائري كما صرح به النجاشي… فانظر أنّه متى يجوز نسبة الوضع إلى أحد لرواية الأعاجيب، والحال أنّه لم يروها فقط، بل رواها جماعة من الثقات‏…». [روضة المتّقين: ج14، ص338، ط ق، ج20، ص472، ط ج].
#أمّا المعاصرون ولنبدأ بالمرحوم المامقاني المتوفّى سنة: “1351هـ” فقد تبع الاتّجاه الغلويّ الصّفوي في الحكم بمدرَكيّة جملة كبيرة من التّضعيفات الرّجاليّة الصّادرة من النّجاشي وابن الغضائريّ؛ باعتبارها مبنيّة على فهم قاصر لمقامات أهل البيت “ع” حسب فهمه، وعلى هذا الأساس كرّر بصريح العبارة: «أنّ جملة ممّا هو من ضروريات مذهبنا اليوم قد كان يعدّ في سالف الزمان غلوّاً، وعليه فرّعوا تضعيف جمع من الثقات، وظني أنّ ما صدر في المقام في حقه [أي الفزاريّ الكوفي] من الغمز والتّضعيف ناشئ من روايته جملة من معجزات الأئمة “ع”، سيما معجزات ولادة القائم “ع”. ولعل قول الشيخ [الطّوسي] “رحمه الله”: “روى في مولد القائم “ع” أعاجيب” بعد قوله: “ويضعّفه قوم..” إشارة إلى أنّ منشأ تضعيف القوم هو روايته الأعاجيب في مولد القائم “ع”، وإنّه في الحقيقة ليس منشأ للتضعيف، كما أشار إليه بتوثيقه إيّاه أولاً، فكأنّه بعد التوثيق، أشار إلى تضعيف جمع ومنشئه، وضعف المنشأ بتلك العبارة المختصرة، وتوضيح وجه عدم دلالة روايته على الضعف: أنّ أموره “ع” ـ كسائر الأئمة “ع” ـ كلّها أعاجيب، بل معجزات الأنبياء كلّها أعاجيب، ولو لم تكن عجيبة لم تكن معجزة… وتحقيق المقال: أنّ الأقوى كون الرجل ثقة؛ اعتماداً على توثيق الشّيخ “رحمه الله” المؤيّد بأمور… [وسنفصّل الحديث في وهنها]». [تنقيح المقال في علم الرجال: ج1، ص225، ط الحجريّة؛ ج‏16، ص45، ط الحديثة].
#ومع إغماض الطّرف عن حقّانيّة الطّلاق البائن بين كثيرٍ من ضروريّات المذهب اليوم وضروريّاته في عصر التأسيس، وعن مناقشة أصل الكبرى المذهبيّة الصّفويّة الفاسدة والرّامية لسيادة الغلوّ والأساطير في أوساطنا، أقول مع إغماض الطّرف عن جميع ذلك ـ حيث فصّلنا الحديث حولها في بحوث إعادة الحياة لإبن الغضائريّ ـ لكن في خصوص محلّ كلامنا نجد إنّ المرحوم محمّد تقي الشّوشتري المتوفّى سنة: “1415هـ” قد أنصف في ردّ الكلام أعلاه ونصّ في تقييم الفزاريّ على ما يلي: «والصواب أن يقال: إنّه مختلف فيه، ضعّفه ابن الوليد وابن بابويه وابن نوح وابن الغضائري والنّجاشي، ووثّقه أبو غالب [الزّراريّ] في رسالته ورجال الشيخ [الطّوسي]، والترجيح للجارح» [قاموس الرّجال: ج2، ص421، ط1، ص682، ط2]. وقد تبعه المرحوم الخوئيّ المتوفّى سنة: “1413هـ” أيضاً؛ قائلاً بعد أن استعرض الأقوال فيه: «أقول: إنّ توثيق الشّيخ وعلي بن إبراهيم [القمّي] إيّاه يعارضه ما تقدّم من تضعيفه، فلا يمكن الحكم بوثاقته». [معجم رجال الحديث: ج5، ص89].
#وممّا تقدّم يتبيّن: إنّ مقتضى الصّناعة الرّجاليّة الإثني عشريّة هو الحكم بتضعيفه وجرحه، ولا يمكن إسقاط هذا القول بالمذهبيّات والولائيّات الّتي راج سوقها من أيّام المجلسيّين وأحفادهم. [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#المهدويّة_الإثنا_عشريّة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...