رواية “خذوا ما رووا وذروا ما رأوا” في ميزان النّقد!! الحلقة الثّالثة والأخيرة

26 يونيو 2020
31
ميثاق العسر

#لكنّ السيّد علي السّيستاني تنبّه بحقٍّ إلى الأسباب الواقعيّة الّتي دعت لصدور مثل هذه الرّواية في تلك البرهة الزّمنيّة، وقبل أن نستعرض كلماته في هذا الخصوص يحسن بنا الإشارة إلى كيفيّة معالجته للإشكالات السنديّة والدّلاليّة الّتي طرحت في المسار الأوّل والثّاني بغية وضع المتابع في سياق الفهم السّليم؛ فقد تراوحت كلماته في بحوثه الفقهيّة بين […]


#لكنّ السيّد علي السّيستاني تنبّه بحقٍّ إلى الأسباب الواقعيّة الّتي دعت لصدور مثل هذه الرّواية في تلك البرهة الزّمنيّة، وقبل أن نستعرض كلماته في هذا الخصوص يحسن بنا الإشارة إلى كيفيّة معالجته للإشكالات السنديّة والدّلاليّة الّتي طرحت في المسار الأوّل والثّاني بغية وضع المتابع في سياق الفهم السّليم؛ فقد تراوحت كلماته في بحوثه الفقهيّة بين وصف الرّواية بالضّعيفة انسياقاً مع مبنى الوثاقة [لباس المصلّي: ص77]، وبين تجاوز ذلك انسياقاً مع مبنى الوثوق وجمع القرآئن؛ حيث لم يجد في جهالة خادم الحسين بن روح ما يضرّ في التمسّك بالرّواية؛ وأفاد في تتميم هذا النّقص ما نصّه: «إنّ مثل هذه الرّواية لا يمكن جعلها وتشهيرها بين الناس وخفاء الوضع فيها في مدة قليلة أي إلى زمان الشّيخ [الطّوسي]؛ وذلك لأنّها كانت من الأمور الاجتماعيّة المهمّة؛ فإن الشّلمغاني كان من كبار الشّيعة وكان على الظّاهر أفقه فقهائهم، ثمّ ارتدّ وبيوت الناس مليئة بكتبه، ففزع النّاس إلى حسين بن روح “رض” وقال فيه ذلك، فالجعل فيه بحيث يخفى إلى زمان الشّيخ أمر بعيد جدّاً». [مكان المصلّي: ص159].
#كما رأى السّيستاني أيضاً: أنّ الوجه في صدور هذه الجملة عن الشّلمغاني «ليس تصحيح كلّ ما روي عنه، بل توثيقه بمعنى: الأخذ برواياته المعتبرة من غير جهته، وبيان أنّ ارتداده أو فسقه لا يضرّ بوثاقته، ولا يمنع الأخذ برواياته» [مكان المصلّي، مصدر سابق].
#أمّا في خصوص دواعي صدورها في بني فضّال فقد أكّد السّيستاني على أنّ المراد بهم أولاد الحسن بن علي بن فضال القائلون بإمامة جعفر مع المهدي، وإنّ قبول رواياتهم كناية عن وثاقتهم لا قبول كلّ ما رووه، وأفاد في وجه ذلك احتمالين:
#الأوّل: «تمايلهم إلى جعفر الكذّاب في زمان العسكري “ع”؛ فإنهم كانوا يجوّزون اشتراك الأخوين في الإمامة، وإلّا فأصل فطحيّتهم كان سابقاً على ذلك الزمان».
#الثّاني: «من جهة: أنّ علي بن الحسن بن فضّال كان فقيهاً، بل كان يُعدّ أفقه الشّيعة في ذلك العصر، فخِيفَ على النّاس الابتلاء به؛ لتمايله إلى غير الإمام الحقّ، فصدر النّهي عن الأخذ بآرائه، أما بلحاظ أصل فطحيته، أو بلحاظ تمايله إلى جعفر». [مكان المصلّي: ص160].
#وما ذكره السّيستاني من أصل صدور هذه الرّواية من العسكري “ع” كما هو المعروف والشّائع أمرٌ لا نقبله كما سنبيّن، كما لا نصدّق بإيمانهم بعد ذلك بمهدويّة المهدي نجل العسكريّ المفترض، لكنّ ما قرّره من فرضيّة ميولهم لجعفر بن عليّ الهادي المعروف في الأوساط الإثني عشريّة بالكذّاب مطلب سليم لا غبار عليه، وهو المفهوم من مغزى نشر هذه المقولة وتعميمها من قبل ما يُسمّى بالسّفير الثّالث أيضاً؛ لأنّ الفطحيّة وزعاماتها ومؤلّفاتها كانت منتشرة ومعروفة حتّى قبل ولادة العسكريّ “ع” أيضاً، فلماذا يلجأ الشّيعة في ذلك الوقت وبعد ما يزيد على قرن من ولادتها إلى الاستفسار من العسكريّ “ع” حول كيفيّة التّعامل مع كتبهم ورواياتهم في تلك الفترة بالذّات ما دام لم يستجد جديد؟!
#وهذا يؤكّد على أنّ هناك جديداً حصل في البين، وولدت فطحيّة مستحدثة ترتكز على نصوص ومبرّرات الفطحيّة الأمّ ومن قبل رجالاتها أنفسهم أيضاً، ولهذا كان ما يُسمّى بالسّفراء فطنين لهذه المشكلة، فأرادوا غلق الطّريق أمام نفوذ بني فضّال ومنع الشّيعة في ذلك الوقت من التّأثّر بهم وبآرائهم العقائديّة في هذا الخصوص، فوُظّف كبار الفقهاء والمحدّثون المحيطون بهم والدّاعمون لهم في سبيل إكمال وتشييد وتعميق هذه المهمّة.
#ولعلّ من أوضح شواهد هذا المدّعى هو تعبير الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” عن جعفر بن الهادي الملقّب في الأوساط الإثني عشريّة بالكذّاب بـ: «إمام الفطحية الثانية» [معاني الأخبار: ص65]، وهذا يؤكّد على أنّ هناك فطحيّة ثانية ولدت في النّصف الثّاني من القرن الثّالث الهجري؛ فالأولى: إمامها عبد الله الّذي وصفوه بالأفطح، والثّانية: جعفر ولنصطلح عليه بالأفطح الثّاني، وهؤلاء كانوا يعتقدون بإمكانيّة انتقال الإمامة بشكل عرضي حتّى في غير الحسنين “ع” خلافاً لما يعتقده الإثنا عشريّة.
#وهذا المقدار كافٍ بالنّسبة لنا للتّشكيك بأصل صدور هذا الكلام من العسكري “ع”، لكنّه يكشف عن حقيقة تاريخيّة تؤكّد: أنّ أولاد الحسن بن عليّ بن فضّال كانوا يميلون إلى إمامة جعفر بعد وفاة أخيه العسكري “ع” انسياقاً مع كبرى جواز انتقال الإمامة بشكل عرضي والّتي تصرّ الإثنا عشريّة على رفضها في غير الحسنين “ع”، وهذا النصّ ولد لاحقاً من أجل إبعاد أسرة بني فضّال عن التّأثير على الوسط الشّيعي العام؛ باعتبارها تمتلك ثقلاً كبيراً وواسعاً جدّاً آنذاك.
#في ضوء هذه المسلّمة التّاريخيّة الّتي تقرّر الفطحيّة الثّانية لأسرة آل فضّال، وفي سياق المحاولات الحثيثة لتعمية موقفهم وإبطاله، بادرت بعض الجهات القميّة ـ وهم مشايخ الصّدوق الضّعاف والمجهولون ـ برواية نسخة مكذوبة عن عليّ بن حسن بن فضّال، تشتمل على مضامين تخالف معتقداته ومعتقدات أسرته أيضاً، وقد أوضحنا في دراسات سابقة منحوليّتها لأسباب كثيرة أهمّها: إنّ عليّ بن الحسن بن فضّال كان قد صرّح بعدم روايته شيئاً عن أبيه مباشرة لصغر سنّه، لكنّ هذه النّسخة تروي أحاديث كثيرة عن أبيه بتوسّطه، فراجع ولا نعيد.
#ولعلّ أبرز مثال على ذلك روايتهم عن طريقه استمراريّة الإمامة في عقب الحسين بن عليّ “ع” بشكل طولي وعدم إمكانيّة انتقالها بشكل عرضيّ بين الأخوين في غيرهم [كمال الدّين: ص416]، وهذه الرّواية تضع دين هؤلاء الفطحيّة ومعتقداتهم في مهبّ الرّيح؛ إذ كيف يمكن تعقّل أن يذهب آل فضّال ـ مع الإيمان بوثاقتهم وتديّنهم وعدالتهم ـ إلى إمامة عبد الله الأفطح نجل الصّادق وجعفر نجل الهادي، وفي الوقت نفسه يروون رواية تنصّ على بطلان إمامة هؤلاء من رأس؟!
#ولم يكتفوا بذلك؛ بل رووا عنه رواية يُدّعى سماعها من أبيه أيضاً تقرّر بطلان عقيدتهم بإمامة جعفر بعد العسكريّ “ع”؛ حيث أخبروا: إنّ عليّ بن الحسن بن فضّال قد روى عن أبيه عن الرّضا “ع” قوله: «كأنّي بالشّيعة عند فقدهم الثّالث من ولدي كالنّعم يطلبون المرعى فلا يجدونه. قلت له: ولم ذاك يا ابن رسول الله؟ قال: لأنّ إمامهم يغيب عنهم. فقلت: ولم؟ قال: لئلا يكون لأحدٍ في عنقه بيعة إذا قام بالسّيف». [علل الشّرائع: ص245؛ عيون أخبار الرّضا: ج1، ص273؛ كمال الدّين وتمام النّعمة: ص480؛ ].
#ولعلّ من أهمّ ما يعزّز الرّأي الرّاكز بين كلمات أصحاب الملل والفرق النّاصّ على إيمان عليّ بن الحسن بن فضّال بإمامة جعفر بن الهادي هو ما جاء في كتاب الهداية الكبرى المنسوب للحسين بن حمدان، حيث قال: «حدّثني عليّ بن الحسين [الحسن] بن فضال وكان ممّن يقول بإمامة جعفر بعد أبي محمد “ع” وكان قبل ذلك مخطئاً: أنّه كتب إلى جعفر يسأله عن حقيقة أمره، وكتب أنّ أخي أبا محمد [العسكري] “ع” كان إماماً مفروض الطّاعة، وأنّي وصيه من بعده وإمام لا غير». [الهداية الكبرى: ص382].
#وقد تسأل وتقول: إنّ الحسين بن حمدان الخصيبي مصنّف هذا الكتاب من المغالين والمؤسّسين للفرقة النّصيريّة والّذين نصّ أمثال ابن الغضائريّ والنّجاشي على فساد مذهبه، فكيف جاز لك الاستشهاد بكلامه؟!
#والجّواب: أنا لا أريد أن أوثّق الرّجل ولا أريد الإيمان بتفرّداته غير المعقولة أصلاً كما لا أريد الانسياق مع تضعيفات الإثني عشريّة له أيضاً؛ وإنّما ذكرته كشاهدٍ يعزّز حقّانيّة أصل دعوى الفطحيّة الثّانية الّتي برّرت صدور مثل هذه الرّواية وانتشارها، وهذه الدّعوى في أمّهات الكتب الإثني عشريّة المعتبرة كما بيّنا، على أنّ كتاب الهداية الكبرى المنسوب للخصيبي كما جاء ذلك على لسان خاتمة المحدّثين النّوري المتوفّى: “1320هـ” «في غاية المتانة والإتقان، لم نر فيه ما ينافي المذهب، وقد نقل عنه وعن كتابه هذا الأجلاء من المحدّثين…» [نفس الرّحمن: ص566]، وإذا كان كذلك فلِمَ لا يصحّ الاحتجاج به أو تعزيز الشّواهد من خلاله مثلاً.
#كما وثّق إيمان عليّ بن الحسن بن فضّال بإمامة جعفر كلّ من صاحب كتاب الزّينة المتوفّى سنة: “322هـ” والّذي يُعدّ المصدر الأساس لما جاء في كتاب فرق النّوبختي والأشعري دون أن تضرّ حكاية إسماعيليّته بهذا الأمر الرّاكز في الأوساط الإثني عشريّة كما بيّنا، كما جاء ذلك في كتاب الملل والنّحل للشّهرستاني المتوفّى: “548هـ” والظّاهر أنّه استقاه منه، لكنّ ما جاء في هذين الكتابين هو: اسم الحسن بن عليّ بن فضّال أعني والدهم، ونحتمل جدّاً أنّ يكون ذلك من خطأ النسّاخ أو سهو القلم لأنّ المصدر الأصليّ واحد؛ حيث إنّ ابن فضّال “الأب” كان قد توفّي قبل ولادة العسكريّ “ع” بسنوات كما نبّهنا في مطلع الدّراسة، مع أنّ الحديث والسّياق عن عليّ بن فضّال نجله فلاحظ وتأمّل. [كتاب الزّينة: ص: 533ـ534، منشورات الجمل، تحقيق: سعيد الغانمي؛ الملل والنّحل: ج1، ص200، ط دار المعرفة].
#على أنّ هذه المقولة تحمل تناقضاً داخليّاً كبيراً؛ إذ كيف يمكن ادّعاء: إنّ اسماء الأئمّة الإثني عشر متواترة ومعروفة ومشخّصة وواردة في كتب الأصول، ومع هذا فإنّ أكبر مرجع شيعيّ عامّ في وقتها يجهلها ويجنح لما يخالفها جهاراً نهاراً دون أن تتزعزع وثاقته في النّقل أصلاً!! بل وأكثر من ذلك: فإنّ الاعتماد على مرويّات كتب آل فضّال قد لا يكون في صالح عقيدة ما يُصطلح عليهم بالسّفراء؛ فماذا لو وجد في كتبهم روايات تؤيّد عقيدتهم فما هو الصّنيع حينذاك؟!
#وفي آخر هذه الدّراسة الّتي استعرضنا فيها الكلمات يحقّ لك أن تسأل: من هو الشخّص الّذي يحتمل توجيه أصابع الاتّهام له في وضع مثل هذه الرّواية؟!
#والجواب: نحن نشكّك كثيراً في القابليّة العلميّة للحسين بن روح النّوبختي على توليد مثل هذا النصّ ذي الدّلالات المحدّدة، وكيف له قابليّة ذلك وقد كان يُرسل الكتب الفقهيّة إلى فقهاء قم من أجل تقييمها ومراجعتها وإن روي عنه غير ذلك، ولهذا نحتمل ـ والله العالم ـ أن يكون صاحب كتاب التّكليف أو الفقه الرّضوي هو من يقف خلفها، وهو الفقيه أبو جعفر الشّلمغاني المغدور سنة: “322هـ” الّذي وصفه السّيستاني بأفقه فقهاء عصره، لكنّه وظّفها حينما كان فقيه الجهاز المسُمّى بالسّفارة بالضدّ من أسرة آل فضّال الكوفيّة وتوجّهاتها الذّاهبة لإمامة جعفر والمتضادّة تمام التّضاد مع طموحات من يُصطلح عليهم بالسّفراء، لكنّها استخدمت ضدّه من قبل الحسين بن روح ومتابعيه بعد أن أهدروا دمه، ومرّروا رسالته العمليّة بهذه الحجّة في الأوساط آنذاك.
#فتحصّل ممّا تقدّم نتائج متعدّدة منها:
#أوّلاً: عدم ثبوت انتساب هذا النصّ إلى العسكريّ “ع”.
#ثانياً: ثبوت كونه وليد الجهاز المُسمّى بالسّفارة والفقهاء الّذين يقفون خلفه لأغراض معروفة.
#ثالثاً: كان في الأساس لتحييد توجهّات آل فضّال ونفوذهم القاضي بإمامة جعفر بن الهادي.
#رابعاً: استخدم للقتل المعنوي لشخصيّة أكبر فقهاء الشّيعة في وقتها وهو الشّلمغاني بعد المؤامرة عليه وتصفيته جسديّاً.
#خامساً: استخدم أيضاً كمقياس رجاليّ عامّ للفصل ما بين عقيدة الرّواة وما بين أخبارهم بطريقة غير علميّة.
#سادساً: لا صلاحيّة له لإثبات أيّ توثيقات رجاليّة متأخّرة لمن روى عنه آل فضّال.
#سابعاً: إيمان كبير فقهاء الشّيعة في عصره بإمامة جعفر بن الهادي وما يحمله هذا الإيمان من تساؤلات عميقة جدّاً على فكرة الإمامة والمهدويّة الإلهيّة الإثني عشريّة.
#أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولجميع من يقرأ هذه السّطور بعيون فاحصة، وأسأله تعالى أن يوفّقني وجميع من يقرأ طلباً للحقيقة لما فيه الخير والصّلاح، وهو دائماً من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#المهدويّة_الإثنا_عشريّة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...