رواية “خذوا ما رووا وذروا ما رأوا” في ميزان النّقد!! الحلقة الثّانية

22 يونيو 2020
38
ميثاق العسر

#إذا ما أردنا فحص المصادر الأصليّة الواصلة لهذه الرّواية نلاحظ: إنّ أوّل من نقلها وسوّقها هو شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى في النّجف عام: “460هـ” في كتابه الغيبة بقوله: «وقال أبو الحسين بن تمّام: حدّثني عبد الله الكوفيّ خادم الشّيخ الحسين بن روح “رض”، قال: سُئل الشّيخ ـ يعني أبا القاسم “رض” ـ عن […]


#إذا ما أردنا فحص المصادر الأصليّة الواصلة لهذه الرّواية نلاحظ: إنّ أوّل من نقلها وسوّقها هو شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى في النّجف عام: “460هـ” في كتابه الغيبة بقوله: «وقال أبو الحسين بن تمّام: حدّثني عبد الله الكوفيّ خادم الشّيخ الحسين بن روح “رض”، قال: سُئل الشّيخ ـ يعني أبا القاسم “رض” ـ عن كُتب ابن أبي العزاقر بعد ما ذُمّ وخرجت فيه الّلعنة، فقيل له: فكيف نعمل بكُتبه وبيوتنا منها ملاءُ؟ فقال: أقول فيها ما قاله أبو محمّد الحسن بن عليّ [العسكريّ] “ع” وقد سُئل عن كُتب بني فضّال فقالوا كيف نعمل بكتبهم وبُيوتنا منها ملاء؟ فقال “ع”: “خذوا بما رووا وذروا ما رأوا”». [الغيبة: ص389].
#وقد عدّ بعض الفقهاء الإثني عشريّة المعاصرين أبا الحسين بن تمّام مجهولاً، [لاحظ على سبيل المثال: معجم رجال الحديث: ج11، ص334، ط4؛ مستند العروة الوثقى: ج2، ص190؛ مباحث الأصول: ق2، ج2، ص515، ط1، ص537، ط2]، وهو غريب جدّاً؛ فإنّ الرّجل ـ وكما صرّح الطّوسي قبل سطور قليلة من نقله للرّواية ـ هو محمّد بن عليّ بن الفضل‏ بن تمام الدهقان الكوفيّ المكنّى بأبي الحسين، والّذي وصفه النّجاشي بـقوله: «ثقة، عيناً، صحيح الاعتقاد، جيّد التصنيف»، وقرأ الاثنان كتبه بواسطة واحدة؛ حيث كانت واسطة الطّوسي في نقل الرّواية عنه وقراءة كتبه: النّقيب أبا محمّد المحمّدي بعد أن وصفه بكثير الرّواية، وقرأها النّجاشي على أحمد بن عليّ بن نوح وابن الغضائريّ “الأب” أيضاً. [النّجاشي: ص385؛ الفهرست: ص446].
#أمّا حال النّقيب أبي محمّد المحمّدي والّذي هو شيخ الطّوسي في نقل الرّواية فقد وصفه النّجاشي بعبارة: “سيد في هذه الطائفة”، لكنّه نقل أيضاً رؤيته لبعض من يغمز عليه في بعض رواياته. [رجال النّجاشي: ص65].
#نعم؛ هناك جهالة في حال النّاقل المباشر لها عن الحسين بن روح، أعني: خادمه المُسمّى عبد الله الكوفي رغم تسامح بعض تقريرات المرحوم الخوئي في تسرية الجهالة حتّى للاسم [مستند العروة الوثقى: ج2، ص190] وهو كما ترى، وقد وجدت عدّة محاولات من أجل توثيقه قد لا تعنينا كثيراً، ما دامت الرّواية متّفق على صدورها من الحسين بن روح بين المؤسّسين الإثني عشريّة وعموم مقلِّدتهم تقريباً، بل ونسبتها إلى العسكريّ “ع” كذلك، نعم؛ من ينساق مع مبنى الوثاقة فلا خيار له سوى تضعيفها لجهالة أحد رواتها كما بيّنا.
#وقد وظّف هذا النصّ الرّوائي من قبل الأعلام الإثني عشريّة في مسارين تقريباً:
#المسار الأوّل: في سبيل توثيق رجال الطّريق الّذي يرويه آل فضّال.
#المسار الثّاني: في سبيل فصل الوثاقة عن فساد العقيدة.
#ويرى المرحوم الخوئي المتوفّى سنة: “1413هـ” أنّ أوّل من تحدّث في المسار الأوّل من المعاصرين هو المرحوم مرتضى الأنصاري المتوفّى سنة: “1281هـ”؛ حيث نصّ في مواقيت كتاب صلاته بعد نقله أحد الأخبار بقوله: «وإرساله غير قادح بعد وجود ابن فضّال الّذي ورد الأمر ـ في بعض الأخبار المعتبرة ـ بالأخذ بكتبه ورواياته، وكذا كتب أولاده: أحمد ومحمّد وعليّ‌ ورواياتهم». [كتاب الصّلاة: ص 18، ط الحجريّة؛ ج1، ص82، ط المؤتمر المحرَّفة]. وقد تكّرر منه هذا المعنى في مواضع متعدّدة من تراثه أيضاً.
#وقد أوجب بيان الأنصاري ردّات فعل كثيرة من قبل بعض المعاصرين؛ حيث نوقش في كلماته على مستوى طريقة تصحيحه للسّند، وعلى مستوى فهمه للدّلالة أيضاً؛ فقد اعترض المرحوم الخوئي وبعض تلامذته ومجايليه أيضاً على هذا التّوظيف بعد حكم بعضهم بضعفها السّندي؛ وذلك لأنّ الرّواية ـ ونحن ننقل نصّاً للخوئي ـ «في مقام بيان أنّ فساد العقيدة بعد الاستقامة لا يضرّ بحجيّة الرّواية المتقدّمة على الفساد، وليست في مقام بيان أنه يؤخذ بروايته حتّى فيما إذا روى عن ضعيفٍ أو مجهولٍ، فكما أنّه قبل ضلاله لم يكن يؤخذ بروايته فيما إذا روى عن ضعيف أو مجهول، كذلك لا يؤخذ بتلك الرّواية بعد ضلاله»، وعلى هذا الأساس أفاد بأنّ ما «ذكره الشّيخ الأنصاري وغيره من حجيّة كلّ رواية كانت صحيحة إلى بني فضال كلام لا أساس له». [معجم رجال الحديث: ج1، ص71، ط4].
#وفي تقديري: إنّ الاعتراض على الأنصاري بهذه الطّريقة غير موفّق؛ وناشئ من نظرة مبتسرة لتراثه المستقى من إفاداته وبياناته؛ وذلك لأنّ إعابته لتصحيح السّند رغم جهالة أحد رجاله قد تنبّه الأنصاري لها وطرح محاولة للتغلّب عليها أيضاً بغضّ النّظر عن تماميّتها؛ حيث رأى الكفاية «في مدحه كونه خادم الشّيخ أبي القاسم [الحسين بن روح]، فيكون حسناً مع اعتضادها بإطلاق كلام الأصحاب».
#أمّا مناقشته فيما استظهره من دلالاتها فقد تنبّه لما طرحوه من إشكال وناقشه أيضاً؛ ورأى أنّ «في قول العسكري “ع”: “وذروا ما رأوا” دلالة على اشتمال كتبهم على الفتوى والرّأي أيضاً؛ فلا يتوهّم اشتمالها على الروايات خاصّة، كما أنّ فيه دلالة أيضاً على أنّ العبرة في الرواية اتّصاف الرّاوي بالإيمان حين تحمّلها؛ فإنّ بني فضّال اختاروا الضّلالة بعد أن كانوا على الهداية، وفي الفتوى باتصاف المفتي حين العمل»، ولهذا أفاد على ما نُقل عنه: بأنّ «النّهي عن الأخذ بآراء الشّلمغاني مع ترك الاستفصال بين الأخذ الابتدائي والاستمراري يدلّ بعمومه على اعتبار الإسلام مطلقاً». [مسألتان في تقليد الميّت وتقليد الأعلم المطبوعتان مع تقرير بحثه مطارح الأنظار: ج2، ص634، ط مجمع الفكر؛ ص301، ط الحجريّة].
#ومن المناسب ونحن نريد أن نعطف الحديث على المسار الثّاني لتوظيف هذا النصّ أن نتوقّف عند ما أثاره الأنصاري من اعتبار شرطيّة مطلق الإسلام في الرّاوي لاعتبار رواياته؛ حيث حاول أن يجعل من هذه الرّواية شاهداً على حمل الرّوايات النّاهية عن الأخذ من غير الشّيعة على الفتاوى فقط، وعلى هذا تكون نتيجة الجمع: شرطيّة صرف الوثاقة في الأخذ بالرّواية، وشرطيّة الوثاقة والتشيّع في الأخذ بالفتوى.
#لكنّ المرجع الإثني عشريّ المعاصر السيّد شبيري الزّنجاني ناقش هذا الجمع والاستظهار الّذي ولّده في مجلس درسه، ورأى: أنّ عبارة: “ذروا ما رأوا” غير ناظرة للفتوى؛ وذلك: لأنّ بني فضّال عموماً ـ سوى الحسن بن عليّ بن فضّال ـ كانوا محدّثين لا أهل فتوى، ولم يكونوا معروفين بهذا الأمر، وإذا صدف لأحدهم فتوى فهي نادرة جدّاً، ومن يُلاحظ الرّوايات يجد نقلها فتاوى عن أمثال زرارة ومحمّد بن مسلم ويونس بن عبد الرّحمن وغيرهم، لكنّها لم تُنقل عن بني فضّال.
#وأفاد الشّبيري الزّنجاني أيضاً: أنّ العبارة ناظرة إلى عقيدة الفطحيّة، مقرّراً: أنّ الاحتمالات فيها إمّا: إقبلوا حديثهم ودعوا عقيدتهم، أو: أنّ عقيدتهم لا تمنع من الأخذ بحديثهم. ورأى أنّ الاحتمال الثّاني هو الأصحّ؛ وذلك لأنّ المستفهمين من الإمام عن كتب بني فضّال لم يكن لديهم شكّ في بطلان عقيدة المسؤول عنهم، وإنّما استفسروا عن مصير كتبهم الّتي ملأت بيوتهم، فأجابهم بما مفاده: أنّ فساد عقيدتهم لا يمنع من الأخذ برواياتهم؛ وذلك لأنّهم ثقات صادقون، وعلى أساس هذا الاحتمال فلا شاهد في رواية كتب بني فضّال على جمع المرحوم الأنصاري المبنيّ على حمل الرّواية على النّهي عن الأخذ بفتاواهم.
#لكنّ بعض المعاصرين لم يستبعد انصراف الرّواية «إلى خصوص ما اُبتنى من الاجتهادات والآراء على أصولهم الباطلة»، بل رأى أنّ «من القريب جدّاً اختصاصه بما رأوه في أمر الإمامة؛ لأنّه الذي يمتازون به من دون نظر فيه إلى الأحكام الفرعية، لعدم تعارف تحرير الفتاوى فيها في الكتب في تلك العصور، فالمراد به أنّ بطلان عقيدتهم وتركها لا يمنع من أخذ رواياتهم مع كونها حقاً، ولا أقل من كونه وارداً في قضية مجملة المورد، لا إطلاق لها». [مصباح المنهاج: ج1، ص32، مؤسسة الحكمة الثّقافيّة].
#وفي سياق إيمانهم بصدور هذه المقولة من العسكري “ع” دون تحليل شكّك بعضهم في شمولها لعليّ بن الحسن بن فضّال؛ إذ من غير المعلوم ـ وهذا رأي السيّد شبيري الزّنجاني ـ أن يكون لعليّ بن الحسن بن فضّال كتاب في تلك الفترة الزّمنيّة لتكون المقولة ناظرة له، نعم؛ كان له أخوان متقدّمان عليه هما محمّد وأحمد، ومن الممكن أن تكون ناظرة لهما.
#لكنّ المرحوم الخوئي يرى: أنّ عليّ بن الحسن بن فضّال «قد أدرك الهادي “ع” والعسكري‏ “ع”…، والظّاهر إدراكه لبرهة معتدٍّ بها من زمان الغيبة أيضاً؛ وذلك لأنّ علي بن محمّد القرشي توفّي سنة: “348هـ”… وهو قد روى عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضال، وقد عمّر ما يناهز المائة سنة، فلا بدّ من أن تكون ولادة علي بن محمد القرشي في سنة: “250هـ” فما بعد، فروايته عن عليّ بن الحسن أنّما تكون من سنة: “270هـ” وما بعدها، والله العالم‏». [معجم رجال الحديث: ج11، ص334]. [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#المهدويّة_الإثنا_عشريّة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...