رواية إهداء الرّسول فدك لفاطمة في ميزان العلم!!

3 يناير 2021
258
ميثاق العسر

#حاولت بعض المسارات المذهبيّة الشّيعيّة الكوفيّة أن تقفز بمضامين الحوار ما بين فاطمة وأبي بكر إلى درجة أعلى وأوسع من حقيقته المرويّة في صحاح المسلمين، فادّعت أنّ الرّسول كان قد ملّك بستان فدك لفاطمة بأمر سماويّ؛ وذلك حينما نزلت الآية السّادسة والعشرون من سورة الإسراء القائلة: “وآت ذا القربى حقّه والمسكين وابن السّبيل ولا تبذّر […]


#حاولت بعض المسارات المذهبيّة الشّيعيّة الكوفيّة أن تقفز بمضامين الحوار ما بين فاطمة وأبي بكر إلى درجة أعلى وأوسع من حقيقته المرويّة في صحاح المسلمين، فادّعت أنّ الرّسول كان قد ملّك بستان فدك لفاطمة بأمر سماويّ؛ وذلك حينما نزلت الآية السّادسة والعشرون من سورة الإسراء القائلة: “وآت ذا القربى حقّه والمسكين وابن السّبيل ولا تبذّر تبذيراً”، فـ «دعا النبيّ “ص” فاطمة وأعطاها فدك».
#وأصل هذا النصّ أخرجه البزّار المتوفّى سنة: “292هـ” كما حُكي عنه، وأبو يعلى الموصلى المتوفّى سنة: “307هـ”، وابن عديّ المتوفّى سنة: “365هـ”، والحاكم النّيسابوريّ المتوفّى سنة: “406هـ”… بأسانيدهم عن فضيل بن مرزوق، عن عطيّة العوفي، عن أبي سعيد. كما ادّعى جلال الدّين السّيوطي المتوفّى سنة: “930هـ” رواية ابن مردويه له عن ابن عبّاس أيضاً. [راجع: كشف الأستار عن زوائد البزّار: ج3، ص55، ط الرّسالة؛ مسند أبي يعلى الموصلي: ج2، ص334، ط دار المأمون؛ الكامل في ضعفاء الرّجال: ج5، ص190، تحقيق: زكّار؛ الدرّ المنثور: ج9، ص321، تحقيق: التّركي].
#كما جاءت في أحد نصّي الحاكم في فضائل فاطمة زيادات لافتة أوردها بطريق آخر عن عطيّة العوفي، عن أبي سعيد الخدري إنّه قال: «أعطاها فدكاً والعوالي، وقال “ص”: هذا قسم قسمه الله لك، ولعقبك من السّماء، والويل لمن حال دونه». [فضائل فاطمة: ص53، ط دار الفرقان].
#أقول: ما الّذي يدعو الرّسول لإهداء بنته بستاناً بهذا الحجم والوارد المالي في تلك الفترة انسياقاً مع هذه الآية، وفي الوقت نفسه: لا يُحكم أمره وحجّته ويُشهد على هذا الإهداء كبار صحابته على أقلّ تقدير، ويقتصر على إبلاغ شابّ لا يتجاوز العشرين سنة حسب الفرض؟! والأغرب من هذا كلّه أن يصمت هذا الصّحابي ولا يحدّث أحداً بهذا الحديث غير عطيّة العوفي الكوفيّ الشّيعيّ المدلّس الّذي ضُعّف من قبل معظم علماء الجرح والتّعديل، بل هو مهمل حتّى عند علماء الاثني عشريّة، ولم يوظّف إلّا في فرية حضوره مع جابر الأنصاري في زيارة الأربعين.
#في ضوء ما تقدّم يحسن بنا تسجيل بعض الإيضاحات والملاحظات:
#الأولى: نحتمل جدّاً أن يكون المقصود من أبي سعيد الوارد في بعض نصوص هذا الحديث هو: النسّابة محمّد بن سائب الكلبي الّذي أجمع علماء الجرح والتّعديل السنّة على تضعيفه وتركه، لكنّ عطيّة دلّس بذكر لقبه في بعض نقولاته للإيهام بأنّه الخدري الصّحابي، الأمر الّذي أوجب مثل هذا التلقّي لدى بعض الحفّاظ، سيّما وإنّ معظم نصوص هذا الخبر في كتبهم خالية من لقب الخدري.
#الثّانية: شاهد ما تقدّم هو: ما نقله عبد الله عن أبيه أحمد بن حنبل حيث قال: «سمعت أبي ذكر عطية العوفي، فقال: هو ضعيف الحديث، قال أبي: بلغني: أنّ عطيّة كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التّفسير، وكان يكنّيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد»، وروى أبوه أيضاً عن سفيان الثّوري إنّه قال: «سمعت الكلبي قال: كناني عطية أبا سعيد». [العلل والسّؤالات الحديثيّة: ج1، ص548ـ549، ط دار الخاني].
#الثّالثة: حتّى لو ذهبنا إلى فرضيّة أنّ أبا سعيد هو الخدري انسياقاً مع تنصيصه بالتّحديث عنه في بعض النّصوص، فإنّ جميع محقّقي أهل السُنّة اتّفقوا على منحوليّة الحديث ووضعه، والمتّهم الأساس فيه هو عطيّة العوفي والّذي ضعّفه معظم رجاليّي أهل السُنّة، وهو مهمل الحال في الموازين الاثني عشريّة، فضلاً عن بقيّة الضّعاف والمتّهمين في إسناده.
#الرّابعة: أفاد ابن أبي حاتم المتوفّى سنة: “327هـ” أنّه سأل أباه وأبا زرعة عن هذا الحديث، فقالوا له: الصّحيح هو روايته عن عطيّة، ولا يوجد فيه ذكر لأبي سعيد، ولهذا حكم أبوه بصحّة رواية أبي نعيم لها عن عطيّة مرسلاً، لا عن أبي سعيد، وهذا يعزّز ما ذكرناه في الملاحظات السّابقة من تدليس عطيّة. [راجع: علل الحديث: ج4، ص377؛ 583، تحقيق: مجموعة من الباحثين، ط 1].
#الخامسة: قرّر الذّهبي المتوفّى سنة: “748هـ” وهو يتحدّث عن أحد رواة هذا الخبر: «هذا باطل، ولو كان وقع ذلك لما جاءت فاطمة تطلب شيئاً هو في حوزها وملكها. وفيه غير عليّ [يقصد عليّ بن عابس أحد رواة الخبر] من الضّعفاء» . [ميزان الاعتدال: ج3، ص147، ط دار الرّسالة العالميّة].
#السّادسة: نصّ ابن كثير المتوفّى سنة: “774هـ” في التّعليق على هذا الحديث قائلاً: «وهذا الحديث مشكل لو صحّ إسناده؛ لأنّ الآية مكيّة، وفدك إنمّا فُتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟! فهو إذن حديث منكر، والأشبه أنّه من وضع الرّافضة». [تفسير ابن كثير: ج5، ص63، ط دار الكتب العلميّة].
#السّابعة: حاول السيّد السّيستاني ـ المرجع الاثنا عشريّ الأعلى المعاصر ـ أن يناقش فرضيّة مكيّة هذه الآية من خلال ادّعاء أنّ سورة الإسراء بجميع آياتها مكيّة سوى هذه الآية، وادّعى أنّ ظاهر رواة هذا الحديث ـ أي الّذين ذكروه في تفسير الآية محلّ البحث ـ إيمانهم بذلك، وأنّ المصاحف الموجودة قد ذكر أوّلها أنّها سورة مكيّة إلّا هذه الآية!! [قاعدة اليد، تقريراً لأبحاث السيّد السّيستاني: ص345، المطبوعة ضمن مجموعة تقريراته: ج7].
#الثّامنة: ومّما تقدّم من بيانات يتّضح خطأ ما قرّره السّيستاني في بياناته؛ فإنّ الإيمان بمدنيّة هذه الآيات إنّما يرتكز على هذا الخبر وقد عرفت حاله، كما أنّ إيمان عطيّة العوفي أو السّائب الكلبي أو بقيّة الرّواة الشّيعة بهذا الخبر لا يحوّلها إلى مدنيّة، ولا نعرف أيضاً: أيّ المصاحف الّتي رجع إليها سماحته لتحرّي مثل هذا الادّعاء المذهبي، كما أنّ ما جاء في تفسير الجلالين من مدنيّة هذه الآية إنّما هو من إضافات محقّقي الكتاب وطابعيه لا غير. [راجع للمقارنة: تفسير الجلالين: ص282، تحقيق: قباوة، تفسير الجلالين: ص364، ط دار المعرفة بيروت].
#التّاسعة: حُكي عن الحافظ أبي موسى المديني المتوفّى سنة: “581هـ” الحكم بإبطال هذا الحديث من وجوه متعدّدة، منها: إنّ عطيّة للشّيعة مطيّة، وأنه تلقّى التّفسير عن الكلبي، وحال الأخير في الرّفض مشهور، ومنها: أنّ ابن عباس وغيره من المفسرين اتّفقوا على أنّ سورة الإسراء مكيّة، وفدك إنّما أفيء على الرّسول بها في المدينة أواخر عهده، ومنها: أنّ فاطمة وعلياً والعبّاس قد كذّبوا هذا الحديث حينما طالبوا نصيبهم من ميراث فدك، ولو كان الرّسول قد وهبها إيّاها لطلبت الكلّ ولما طلب العبّاس منه شيئاً. [جامع الآثار في السّير ومولد المختار، ابن ناصر الدّين الدّمشقي: ج7، 357، ط الإدارة العامّة للأوقاف القطريّة].
#العاشرة: رواية ابن عبّاس لهذا الخبر غير سليمة ولا يوجد ما يُثبتها سوى ادّعاء الدرّ المنثور، والمرويّ عن ابن عبّاس خلاف ذلك، كما جاء أصل مضمون هذا الخبر في محاورات الرّضا في بلاط المأمون الواردة في عيون الأخبار والأمالي، أو ما جاء في تفسير القمّي والعّياشي وفرات، وهي بالإضافة إلى ضعف الإسناد والإرسال إلى أصحابها وإلى الرّسول نحتمل جدّاً تأثّر أصحابها بخبر عطيّة محلّ البحث، وبالتّالي: فلا حاجة للاكتراث بها.
#وبكلمة واحدة: إنّ هذا الخبر ساقط عن الاعتبار، ولا قيمة لمتابعاته وشواهده الواردة في التّراث السنّي أيضاً، وبالتّالي: فدعوى نحلة الرّسول فدك لفاطمة استناداً لهذا الخبر اليتيم فاسدة جدّاً، بل الدّليل على خلافها أدلّ، فتنبّه كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏
 https://www.facebook.com/jamkirann/posts/3439156149540018

تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...