دين الله يُصاب بالعقول!!

7 يونيو 2019
136
ميثاق العسر

#لعلّي لا أبالغ إذا ما قلت: إنّ مقولة “دين الله لا يُصاب بالعقول” تعتبر أشهر مقولة روائيّة عرفها علم أصول الفقه الإثني عشريّ المعاصر، وقد أرسلها علماء هذا العلم إرسال المسلّمات، وبنوا عليها جملة وافرة من أحكامهم وكأنّها واحدة من الفصول المقوّمة للمذهب الإثني عشريّ بحيث لولاها لما قام للمذهب عود ولا استقرّ له عمود، […]


#لعلّي لا أبالغ إذا ما قلت: إنّ مقولة “دين الله لا يُصاب بالعقول” تعتبر أشهر مقولة روائيّة عرفها علم أصول الفقه الإثني عشريّ المعاصر، وقد أرسلها علماء هذا العلم إرسال المسلّمات، وبنوا عليها جملة وافرة من أحكامهم وكأنّها واحدة من الفصول المقوّمة للمذهب الإثني عشريّ بحيث لولاها لما قام للمذهب عود ولا استقرّ له عمود، ومن هنا نصّ أستاذ الفقهاء والمراجع المعاصرين المرحوم الخوئي المتوفّى سنة: “1413هـ” في بحوثه الأصوليّة وفي مواطن متفرّقة قائلاً: «… إذ العقل لا يحيط بالمصالح الواقعيّة والمفاسد النّفس الأمرية والجهات المزاحمة لها، ولذا ورد في الرّوايات: “أنّ دين الله لا يُصاب بالعقول”، و “أنّه ليس شي‏ء أبعد عن دين الله من عقول الرّجال”» [مصباح الأصول: ج1، ق2، ص25].
#ولكنّنا حينما نُريد فحص الأساسات الرّوائيّة لهاتين الرّوايتين فإنّنا لا نجد لهما بهذه الصّيغ المعروفة والمنشورة والمشهورة أيّ أثر أصلاً،وبيان ذلك يمرّ من خلال النّقاط التّالية:
#الأولى: لا يوجد في المجاميع الحديثيّة الإثني عشريّة عموماً حديث بصيغة: “إنّ دين الله لا يُصاب بالعقول”، بل ما ورد هو من تفرّدات المرحوم الصّدوق المذهبيّة وبإسناد ضعيف جدّاً ذي مجاهيل وفي كتاب حديثيّ مملوء بالأساطير والخرافات عن عليّ بن الحسين المعروف بالسجّاد “ع” القول: «إنّ دين الله عزّ وجلّ لا يُصاب بالعقول النّاقصة والآراء الباطلة والمقاييس الفاسدة، ولا يُصاب إلّا بالتّسليم، فمن سلّم لنا سلِم، ومن اقتدى بنا هُدي، ومن كان يعمل بالقياس والرّأي هلك، ومن وجد في نفسه شيئاً ممّا نقوله أو نقضي به حرجاً كفر بالّذي أنزل السّبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم». [كمال الدّين وتمام النّعمة: ص324]، والأكثر غرابة في هذه الرّواية المذهبيّة الّتي تحمل آثار الوضع بوضوح: إنّ الصّدوق يرويها عن الكلينيّ مع أنّها مع أهمّيتها وارتباطها بطبيعة أهداف الكافي لم يُوردها الكليني فيه.
#الثّانية: الرّواية أعلاه تتحدّث عن العقول النّاقصة الّتي كانت تعنيها في سياق المنافحة المذهبيّة لا مطلق العقول، وهي بملاحظة مفرداتها ولدت في عصر لاحق لمن نُسبت إليه، في سياق المشكلة الأزليّة الّتي كانت ولا زالت للفقه الجعفريّ آنذاك مع فقه أبي حنيفة الّتي ساهم في إشعالها رواة الكوفة ونقولاتهم الخاطئة والمبتسرة كما سنبيّن في محلّه، ومن هنا جاء في الكافي عن الصّادق “ع” وبإسناده الضّعيف عندهم أيضاً القول: «إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحقّ إلّا بُعداً، وإنّ دين الله لا يُصاب بالمقاييس» [الكافي: ج1، ص56]، وأين هذه من تلك؟!
#الثّالثة: لا يوجد في شيء من المجاميع الرّوائيّة الإثني عشريّة نصّ روائيّ يقرّر: أنّه “ليس شي‏ء أبعد عن دين الله من عقول الرّجال”، بل ورد في المحاسن عن جابر بن يزيد، وفي تفسير العيّاشي مُرسلاً قوله: «ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن‏…إلخ»، «ليس أبعد من‏ عقول الرّجال من القرآن»، فهذه الرّوايات وأضرابها تتحدّث عن تفسير القرآن، ومن هنا جاء في الكافي عن الصّادق “ع” قوله: «ما من أمر يختلف فيه إثنان إلّا وله أصل في كتاب الله عزّ وجلّ ولكن لا تبلغه عقول الرّجال»، وأين هذا من حكاية ابتعاد عقول الرّجال عن دين الله؟!
#الرّابعة: من يُراجع الكتب الأصوليّة الإثني عشريّة بمختلف مستوياتها يجدها أرسلت نسبة هذه الصّيغ إرسال المسلّمات دون فحص وتنقيب ومراجعة، بل نسب بعضها المقولة الأولى إلى الصّادق “ع” وأرجعت إلى الكافي مع أنّ ما فيه يتحدّث عن المقاييس لا عن العقول كما أوضحنا، وأرجع بعض مقرّري بحوث من تحدّث عن الثّانية إلى ما ورد في وسائل الشّيعة الّذي نقلها بدوره عن العياشي مع أنّنا عرفنا الاختلاف البيّن بينهما، وعن طريق هذه الأخطاء أصبحت هاتان المقولتان من المحفوظات عند دارسي هذا العلم الّتي لا يحتملون فيها الخطأ أو الاشتباه، والّتي يواجهون بها كلّ من أثار إثارة أو طرح تنويراً أو أسئلة مُقلقة تجاه بعض الأحكام المولودة لاحقاً.
#وأخيراً: ما قدّمناه يُعدّ نموذجاً يسيراً من الاشتباهات الرّوائيّة الّتي يرتكز عليها علم أصول الفقه الإثني عشريّ المعاصر انسياقاً مع القبليّات المذهبيّة الفقهيّة العميقة الّتي كانت لرواة الكوفة مع أبي حنيفة والرّامية لتشويه صورة فقهه عند الصّادق “ع”، وفي ظلّ الابتعاد الكبير عن عصر النّص النّبويّ فلا مندوحة من فتح المجال للعقل البشريّ ليأخذ حيزه وبقوّة أيضاً في ميدان التّشريع مع أخذ المسلّمات الدّينيّة الواضحة الّتي لا خلاف فيها بعين الاعتبار؛ وهذا ما يمارسه عموم الفقهاء الإثني عشريّة حين استنباط عموم الأحكام الشّرعيّة المستحدثة، لكنّهم لا يسمّون هذه الممارسة قياساً أو مصالح مُرسلة أو غير ذلك من الممنوعات عندهم، وإنّما يستحدثون لها عناوين صناعيّة أخرى لتمريرها، وكأنّ المشكلة ستُحلّ بتغيير العنوان. أجل؛ دين الله الّذي أراد للبشريّة السّير على أساسه يُصاب بالعقول؛ لأنّ خالقه هو من أوجد العقول وحثّ على ضرورة التّعقّل وذمّ غير المتعقّلين، وسيثيب ويعاقب عليها أيضاً، فتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...