دراهم شيوخ الطّائفة وصناعة المعجزات!!

21 أبريل 2019
523
ميثاق العسر

#فتح شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى في النّجف سنة: “460هـ” باباً في كتابه الشّهير: “الغيبة” للحكاية عن المعاجز الّتي يُستطاع من خلالها إثبات الإمامة الإلهيّة الإثني عشريّة للحسن العسكريّ “ع”، ورغم إنّ جميعها من الأكاذيب والموضوعات والمنحولات، لكنّ من الضّروري أن نتوقّف مع الأخيرة منها رغم طولها، ليس لظرافتها فحسب، وإنّما لكاشفيّتها ـ للمتابع […]


#فتح شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى في النّجف سنة: “460هـ” باباً في كتابه الشّهير: “الغيبة” للحكاية عن المعاجز الّتي يُستطاع من خلالها إثبات الإمامة الإلهيّة الإثني عشريّة للحسن العسكريّ “ع”، ورغم إنّ جميعها من الأكاذيب والموضوعات والمنحولات، لكنّ من الضّروري أن نتوقّف مع الأخيرة منها رغم طولها، ليس لظرافتها فحسب، وإنّما لكاشفيّتها ـ للمتابع الجادّ ـ عن طبيعة الأفق الفكريّ الّذي كان يتمتّع به الكبار المؤسّسون وهم يقعّدون وينظّرون للمقولات الأساسيّة للمذهب الإثني عشريّ، وكيف كان قدرنا لعبة بيد من اعتبرته أبحاثنا أخطر رواة ومنظّريّ المهدويّة الإثني عشريّة أعني محمد بن همام الإسكافيّ.
#نصّ الطّوسي في كتابه الغيبة قائلاً: «أخبرني جماعة، عن أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري إنّه قال: كنت في دهليز لأبي عليّ محمّد بن همام “رحمه الله تعالى” على دكّة، إذ مرّ بنا شيخ كبير عليه درّاعة، فسلّم على أبي عليّ محمّد بن همام فردّ عليه السّلام ومضى، فقال لي [ابن همام]: تدري من هو هذا؟ فقلت: لا. فقال: شاكري لمولانا أبي محمّد الحسن بن عليّ [العسكري] “ع” [وچاکر تعني: خادم بالّلغة الفارسيّة]، أ فتشتهي أن تسمع من أحاديثه عنه شيئاً؟ قلت: نعم. فقال لي: معك شي‏ء تعطيه؟ [!!] فقلت: معي درهمان صحيحان، فقال: هما يكفيانه [!!]. فمضيت خلفه فلقيته بموضع كذا فقلت: أبو عليّ [محمد بن همام] يقول لك تنشّط [!!] للمصير إلينا. فقال: نعم. فجاء الى أبي عليّ [ابن همام] فجلس إليه، فغمزني أبو عليّ أن اسلّم إليه الدرهمين [!!]، فسلّمتهما إليه، فقال: ما يحتاج إلى هذا، ثمّ أخذهما. فقال له [أبو عليّ ابن همام]: يا أبا عبد الله حدّثنا عن أبي محمّد [العسكري] “ع” ممّا رأيت؟ فقال [الخادم]:
#كان أستاذي [العسكريّ “ع”] صالحاً من بين العلويّين لم أر قطّ مثله، وكان يركب بسرج صفته بزيون، مسكيّ وأزرق… وكان يركب إلى دار الخلافة بسرّ من ‏رأى في كلّ إثنين وخميس، وكان يوم النّوبة يحضر من النّاس شيء عظيم، ويغصّ الشارع بالدّواب والبغال والحمير والضجّة، فلا يكون لأحدٍ من موضع يمشي ولا يدخل بينهم… فإذا جاء أستاذي سكنت الضجّة وهدأ صهيل الخيل ونهاق الحمير، وتفرّقت البهائم حتّى يصير الطريق واسعاً لا يحتاج أن يتوقّى من الدّواب تحفّه ليزحمها، ثمّ يدخل فيجلس في مرتبته التي جعلت له، فإذا أراد الخروج وقال البوّابون: هاتوا دابّة أبي محمّد [العسكري “ع”] سكن صياح الناس وصهيل الخيل، فتفرّقت الدواب حتى يركب ويمشي… إلخ الّرّواية».
#وهكذا يستمرّ الشّاكريّ [الچاکر] بإكمال نقل القصص عن مولاه العسكريّ “ع”؛ حيث يروي إنّ العسكريّ دخل ذات يومٍ «إلى سوق الدّواب وفيها من الضجّة والمصادمة واختلاف النّاس شيء كثير، فلمّا دخل إليها سكن النّاس وهدأت الدّواب، وجلس إلى نخّاس كان يشتري له الدّواب، فجيء له بفرس كبوس لا يقدر أحدً أن يدنو منه، فباعوه إيّاه بوكس، فقال يا محمّد قم فاطرح السّرج عليه، فقلت: إنّه لا يقول لي ما يؤذيني، فحللت الحزام وطرحت السّرج، فهدأ ولم يتحرّك وجئت به لأمضي به، فجاء النّخّاس فقال لي: ليس يُباع، فقال لي: سلّمه إليهم، قال: فجاء النّخاس ليأخذه فالتفت إليه التفاتةً ذهب منه منهزماً [!!]…».
#وتتواصل حكايات الشّاكريّ في استعراض المعاجز الّتي ثبتت للعسكريّ “ع” بعد أن تقاضى الدّرهمين من التّلعكبريّ بعد توصية ابن همام؛ فبدأ بالحديث عن قصّة فرس سمّاه ابن همام بالصّئول، وإنّه يرجم بصحابه حتى يرجم به الحيطان ويقوم على رجليه ويلطم صاحبه، فقال الشّاكريّ: «فلمّا نزل جاء إليه [العسكريّ “ع”] وأخذ أُذنه اليُمنى فرقاهُ، ثمّ أخذ أُذنه اليسرى فرقاهُ، فو الله [والقسم للشّاكريّ]: لقد كنت أطرح الشّعير له فأُفرّقه بين يديه فلا يتحرّك؛ هذا ببركة أستاذي [العسكريّ “ع”…]». [الغيبة: ص128].
#وبعد أن أكمل الطّوسي نقل هذه الحكاية وغيرها أيضاً نصّ قائلاً: «فهذه بعض دلائله، ولو استوفيناها لطال به الكتاب، وكان مع إمامته من أكرم النّاس وأجودهم». [الغيبة: ص130].
#وتعقيباً على هذه الحكاية بودّي أن أسجّل بعض الملاحظات:
#الأوّلى: يبدو إنّ قصّة تسييس العسكريّ “ع” للخيول ودلالة ذلك على إمامته كانت من أهمّ الاستدلالات في تلك الأعصار لإثبات إمامته؛ إذ قد نقلنا فيما سبق من بحوث أكثر من رواية في هذا الخصوص، وقد عمد المشايخ المؤسّسون إلى جعلها من المعاجز الدّالة على إمامته الإلهيّة، لاحظ على سبيل المثال لا الحصر: رئيس الطّائفة الإثني عشريّة المفيد والّذي موضع أمثال هذه الرّوايات ضمن عنوان: «باب ذكر طرف من أخبار أبي محمد [العسكري] “ع” ومناقبه وآياته ومعجزاته‏»، من كتابه الإرشاد: [ج2، ص332]، فهل رأيت كيف فعل الدرّهمان فعلتهما؟!
#الثّانية: من الطّبيعي حينما تسأل خادم العسكريّ “ع” عمّا رآه منه فسوف يحدّثك عن الحمير والبغال وأضرابها من قصص كانت على تماسّ مباشر به، ومن الطّبيعي حينما تملأ جيبه فسوف يُسعد ويفرح ويحدّث بما تشتهي سماعه منه أيضاً ولا عتب عليه أصلاً كما هو حال كثير من المعاصرين حينما تملأ جيبه ممّا يُسمّى بسهم الإمام، لكنّ العتب على شيوخ الطّائفة المؤسّسين أن يكونوا بهذا المستوى من العلم ويعتمدوا على هذه الحكايات وأضرابها لتوليد مقولات عقائديّة كبيرة، ولا أدري: لماذا إذا سكن صهيل الخيل ونهيق الحمير لأحد فهذا دليل إمامته الإلهيّة الإثني عشريّة؟!
#الثّالثة: رغم رواية الطّوسي لهذه الرّواية، ورغم تنصيصها على أن بطلها هو شّاكريّ العسكريّ “ع” أي خادمه، لكنّه عدّ هذا الخادم في رجاله ضمن قائمة الرّواة الّذين لم يروهم “ع”، وقال: «محمد، شاكري: أبي محمّد الحسن‏ بن علي العسكريّ “ع”، يُكنى أبا عبد الله، روى عنه التّلعكبري حكايته لحال أبي محمّد [العسكريّ] “ع”، قال: سمعته منه في دار أبي عليّ بن همام». [رجال الطّوسي: ص444]، وهذا ما أثار استغراب المرحوم الشّوشتري. [قاموس الرّجال: ج9، ص342].
#الرّابعة: من المهمّ التّذكير بتأمّلاتنا الكثيرة جدّاً حول عرّاب هذه القصّة وأضرابها وهو محمد بن همام الإسكافي الّذي عاصر عموم سنوات ما يُصطلح عليها بالغيبة الصّغرى تقريباً؛ ونعتقد بأنّه يتحمّل مسؤوليّة جملة من المقولات العقائديّة الكبيرة الّتي مُرّرت على كبار المحدّثين والفقهاء الشّيعة بعد ذلك في خصوص موضوع المهدويّة الإثني عشريّة، بل نحتمل جدّاً إنّه المسبّب الأصلي في مقتل الضّحيّة صاحب كتاب الفقه الرّضوي محمد بن عليّ الشّلمغاني أيضاً بعد إنهاء حياته الدّينيّة والاجتماعيّة من خلال كتابة التّوقيع الشّهير في حقّه، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#المهدويّة_الإثنا_عشريّة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...