خطبة “بين النّواويس وكربلاء” في ميزان النّقد!! الحلقة الثّالثة

29 سبتمبر 2018
29
ميثاق العسر

#ذكرنا فيما تقدّم من مقالات: إنّ خطبة النّواويس وكربلاء لم ترد في أيّ مصدر روائيّ سُنّيّ أو إثني عشريّ سبق مرحلة ابن طاووس أصلاً، وإنّ مصدرها الأصلي هو كتاب المصابيح لأبي العبّاس الزّيدي المتوفّى سنة: “353هـ”، وقد لوّحنا إلى توفّر هذه الرّواية في ثلاثة كتب متقدّمة على مرحلة ابن طاووس ووصفنا ذلك بعدم الاعتبار، ووعدنا […]


#ذكرنا فيما تقدّم من مقالات: إنّ خطبة النّواويس وكربلاء لم ترد في أيّ مصدر روائيّ سُنّيّ أو إثني عشريّ سبق مرحلة ابن طاووس أصلاً، وإنّ مصدرها الأصلي هو كتاب المصابيح لأبي العبّاس الزّيدي المتوفّى سنة: “353هـ”، وقد لوّحنا إلى توفّر هذه الرّواية في ثلاثة كتب متقدّمة على مرحلة ابن طاووس ووصفنا ذلك بعدم الاعتبار، ووعدنا بفتح البحث في ذلك لاحقاً وقد آن الآوان لذلك فنقول: وردت رواية النّواويس وكربلاء في ثلاثة كتب تقدّمت على مرحلة ابن طاووس حسب الظّاهر ووفقاً للنّسخ المطبوعة، لكنّها لا تدلّ على المطلوب وذلك للبيانات أدناه:
#أمّا الكتاب الأوّل فهو: كتاب نثر الدّرر، للوزير الكاتب أبي سعد منصور بن الحسين الآبي المتوفّى سنة: “421هـ”، وقد جاء نصّ الخطبة فيه مشابهاً لما جاء في كتاب الّلهوف، لذا فرّبما يتوّهم أحدٌ إنّ ابن طاووس قد استقى الرّواية من هذا الكتاب وليس من كتاب المصابيح، وعليه: فليس لابن طاووس علاقة في التّصرّف بمفردات هذا النّص ولا في إضافة إضافات مغيّرة لمعناه ومكان إلقائه.
#ويلاحظ عليه:
#أوّلاً: إنّ النّسخ الواصلة من هذا الكتاب لا قيمة لها أصلاً ولا يمكن الاعتماد على ما جاء فيها لتوثيق تاريخ ميلاد النّصوص ولحظتها الزّمانيّة؛ وذلك لأنّ جميع النّسخ الواصلة من هذا الكتاب ناقصة سوى نسخة واحدة متوفّرة في أحدى مكتبات أنقرة، وناسخها رجل مجهول الحال قام بنسخها عن نسخة مجهول الحال أيضاً وبعد ما يقرب من ثلاثة قرون من وفاة مصنّفها الأصلي وبعد وفاة ابن طاووس بسبعة وأربعين سنة أيضاً أي في عام: “711هـ” تحديداً، ويذكر النّاسخ إنّه عانى كثيراً من اضطراب في ترتيب صفحاتها [مقدّمة كتاب نثر الدّرر، دار الكتب المصريّة: ص19].
#وثانياً: لعلّ ما يُعزّز الشّكوك في وجود هذه الخطبة في نسخة كتاب نثر الدّرر الأصليّة على فرض الإيمان بثبوت أصل الكتاب للآبي هو: إنّنا إذا عدنا إلى كتاب “كشف الغمّة” للإربلي المتوفّى سنة: “692هـ” والّذي نقل في مواضع متعدّدة عن كتاب نثر الدّرر نجده لم ينقل خطبة النّواويس وكربلاء من هذا الكتاب أصلاً، بل بادر بنقلها بنفس الطّريقة الّتي نقلها ابن طاووس في لهوفه والّذي يُشعر إنّه قد استقاها من الّلهوف لا غيره؛ ولو كانت هذه الخطبة متوافرة في نسخة نثر الدّرر الموجودة عنده الإربلي لكان بإمكانه أن يأخذها منها ويُشير إلى ذلك خصوصاً وهو قد استفاد من هذا الكتاب بعد صفحات قليلة من نقل الخطبة بصيغة “روي” كما هي طريقة ابن طاووس، من هنا فمن المحتمل أن يكون تواجد هذه الخطبة في النّسخة المطبوعة لكتاب نثر الدّرر ممّا أضيف لاحقاً خصوصاً ونحن نرى اختلافات فاحشة وحذف وبتر كثير بين النّسخ وطبعات هذا الكتاب المتداولة.
#وثالثاً: أخطأ شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي حينما نصّ في بحاره على رواية صاحب كشف الغمّة لهذه الخطبة عن كمال الدّين بن طلحة صاحب كتاب “مطالب السّؤول عن آل الرّسول” [البحار: ج44، ص367] ؛ وذلك: لأنّ الإربلي لم يروها عنه في كشف الغمّة أصلاً، كما لا وجود لها في كتاب كمال الدّين بن طلحة أيضاً، بل الرّاجح إنّ الإربلي قد نقلها من لهوف ابن طاووس أيضاً كما نوّهنا.
#ورابعاً: لم نجد في تراث ابن طاووس ما يدلّ على إنّه كان يمتلك هذا الكتاب كمصدر في مكتبته لكي يُقال انّ ابن طاووس قد استقى الخطبة من هذا الكتاب، خصوصاً بعد أن عرفنا إنّ مصدرها الأصلي هو كتاب المصابيح والّذي كان أحد المصادر الّتي اعتمدها ابن طاووس في تصنيفه لكتاب الّلهوف الّذي أورد فيه هذه الخطبة بصيغة ولحظة زمانيّة تختلف عمّا جاء في مصدرها الأصلي.
#أمّا الكاتب الثّاني فهو: كتاب نزهة النّاظر وتنبيه الخاطر والّذي كُتب على جلد نسخته المطبوعة إنّه لأحد أعلام القرن الخامس والّذي اعتمدت طباعته على نسخ خطيّة لا يتجاوز عمرها الثّلاثة قرون تقريباً، ولكن مشكلة هذا الكتاب مشكلة كبيرة جدّاً، وهي:
وقوع الخلاف الشّديد في تحديد شخص مؤلّفه؛ فقد نصّ إبن شهر آشوب المتوفّى سنة: “588هـ” على إنّ هناك كتابين تحت مسمّى نزهة النّاظر وتنبيه الخاطر، الأوّل لشخصه اسمه: الحسين بن محمّد بن الحسن، والثّاني لشخص اسمه: أبو يعلى محمّد بن الحسن بن حمزة الجعفريّ الطالبيّ، ولم يرد أثر ولا ذكر لهذين الكتابين حتّى مرحلة محدّثي الدّولة الصفويّة؛ إذ نصّ الحر صاحب وسائل الشّيعة المتوفّى سنة: “1104هـ” في تعريفه للحسين بن محمّد بن الحسن قائلاً: «له [كتاب] نزهة النّاظر و تنبيه الخواطر قاله ابن شهرآشوب، وقد رأيت له كتاب مقصد الرّاغب الطّالب في فضائل علي بن أبي طالب “ع”»، وهذا يعني إنّ الحرّ العاملي لم يطّلع على كتاب نزهة النّاظر وإنّما اعتمد على نسبة ابن شهر آشوب له، ولم يكتف بذلك، بل نسب له كتاباً آخر أيضاً.
#لكنّ من يراجع بحار شيخ المحدّثين الإثني عشريّة يظهر له اطّلاع المجلسي على الكتاب، وتردّده في نفس الوقت في تحديد مصنّفه، فنسبه أوّلاً إلى «أبي يعلى محمد بن الحسن الجعفري تلميذ الشيخ المفيد والمتولّي لتغسيله»، لكنّه عاد ثانياً وقال:« وربما يُنسب إلى الشّيخ الحسين بن محمد بن الحسن صاحب كتاب مقصد الرّاغب الطالب في فضائل عليّ بن أبي طالب “ع”‏» [ج102، ص70]، وقد نصّ الأفندي في تعليقته على ما أفاده الحرّ العاملي قائلاً: «وهذا الكتاب عندنا منه نسخة، ومؤلفه من تلامذة تلاميذ المفيد…»، وقد انعكس هذا الخلاف والتّذبذب على علماء الببلوغرافيا الإثني عشريّة المعاصرين بوضوح، ومن يراجع خاتمة المستدرك والذّريعة وطبقات الشّيعة والأعيان…إلخ يعرف ذلك بوضوح، وهذه الأمور تكشف عمّا يلي:
#الأوّل: من المؤكّد إنّ النّسخ الواصلة من هذا الكتاب والمطبوعة أيضاً لا قيمة ولا اعتبار لها؛ لفقدانها الطّريق المؤكّد لصحّتها، وبالتّالي: لا يوجد ولا دليل واحد على صحّة انتساب هذا الكتاب إلى مصنّف عاش في القرن الخامس الهجري سوى رواية يتيمة خرافيّة واحدة وضعت في آخر صفحاته تتحدّث عن رؤية جماعة للمهدي “ع” في المستجار وآثار الوضع والإلحاق واضحة عليها.
#وثانياً: إنّ محقّقي كتاب نزهة النّاظر المطبوع نصّوا على إنّهم بعد تتبّع أسانيد النّسخة الخطيّة من كتاب مقصد الطّالب في فضائل عليّ بن أبي طالب وجدوا إنّه لمصنّف عاش في القرن السّادس والسّابع، وبالتّالي فهو ليس قريباً من عصر الصّدوق كما ادّعى شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي، ونصّوا أيضاً على إنّ اسمه ليس الحسين بن محمّد بن الحسن أيضاً، وأفادوا: إنّ سبب هذا الاشتباه الّذي وقع فيه علماء الببلوغرافيا الإثني عشريّة هو: إنّ مصنّف كتاب مقصد الطّالب قد نقل جملة من أقوال الأئمّة الموجودة في نزهة النّاظر.
#وثالثاً: لعلّ آخر ما ورد في هذا الكتاب خير دليل على بطلان دعوى تقدّم لحظته الزّمانيّة؛ إذ جاء في خاتمة الكتاب قوله: «على أنّ الذي أوردته فيه تبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي، وكفى عن كتب ابن المقفع وعلي بن عبيدة الريحاني وسهل بن هارون وغيرهم؛ ومن تصفّح كتب الريحاني ورسائله عرف أنّ جميعها منقولة من خطبهم ورسائلهم ومواعظهم وحكمهم وآدابهم “صلوات الله عليهم”، و لو وفّق هذا الفاضل و نسب كلام كلّ إمام إليه لكان أوفى لأجره، وأبقى بذكره إيّاها»، ومن الواضح: إنّ هذا الكلام مجرّد شعور بالأناقة المذهبيّة وخلط للأوراق وعدم إنصاف كبير؛ ونستبعد جدّاً صدوره من فقيه ومتكلّم تتلمذ على يد المفيد والمرتضى أو تتلمذ على يد من تتلمذ عليهما، وإن كنت احتمل جدّاً أن يكون الضّمير في عبارة “ولو وفّق هذا الفاضل…” يعود إلى مصنّف الكتاب لا إلى الرّيحاني، بمعنى إنّها من تمنّيات النّاسخ لا مصنّف الكتاب، وبذلك توضع علامات استفهام كبيرة على السّطور الأخيرة لهذا الكتاب والّتي هي الأساس في نسبة الكتاب إلى الحسين بن محمّد بن الحسن، خصوصاً مع اختلاف الاسماء الواردة فيها في بعض النّسخ ووجود سطور في مقدّمة أحدهن غير موجودة في الأخرى.
#ورابعاً: بقرينة ما تقدّم في ثانياً يبدو لي إنّ نزهة النّاظر المطبوع والمتداول هو إمّا لمصنّف كتاب مقصد الرّاغب الّذي هو من أبناء القرن السّادس أو السّابع كما اختار بعضهم، وإمّا مستلّ منه، خصوصاً وإنّ كتاب المقصد مملوء بالخرافات والأساطير على طريقة دلائل الإمامة الموضوع في تلك المرحلة أيضاً، ولو كانت خطبة النّواويس وكربلاء موجودة في نسخ هذا الكتاب الموجودة عند محدّثي الدّولة الصفويّة لبادروا إلى نسخها ونسبتها إليه، بينما رأينا خلاف ذلك؛ فقد اقتصر المجلسي على نقلها من كتاب الّلهوف حصراً دون غيره، خصوصاً وقد لاحظنا كيف إنّه نصّ بعد أن نقل الخطبة من كتاب الّلهوف نصّ مباشرة على إنّ الإربلي قد روى هذه الخطبة أيضاً عن كتاب كمال الدّين بن طلحة، وهذا يكشف عن اهتمامه بذكر مصادر لها، مع إنّ الأمر لم يكن كذلك في كشف الغمّة كما أوضحنا سابقاً.
#أمّا الكتاب الثّالث فهو كتاب مقتل الحسين للخوارزمي، وقد أوضحنا في منشورات سابقة عدم وجود قيمة لهذا الكتاب أصلاً؛ وذلك لعدم ثبوت كونه للخوارزمي أوّلاً، وعدم وجود أيّ قيمة للنّسخة الّتي اُعتمد عليها في طباعته ثانياً؛ وعدم ثبوت وثاقة وأمانة المرحوم محمّد السّماوي ناسخ وطابع الكتاب في هذا الخصوص ثالثاً، وبالتّالي فتصرّفه وتغييره وإضافته في نفس هذه النّسخة ـ حتّى لو فرضنا جدلاً اعتبارها ـ وارد بل واقع أيضاً. [يُتبع].
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...