خطبة “بين النّواويس وكربلاء” في ميزان النقد!! الحلقة الثّانية

27 سبتمبر 2018
111
ميثاق العسر

#في أثناء شرحه لحال ومصير الإمام الرّابع من أئمّة الزّيديّة الّذي شارك في واقعة كربلاء نصّ المرحوم السيّد عليّ بن طاووس المتوفّى سنة: “664هـ” في كتابه “الّلهوف على قتلى الطّفوف” من دون أن يُشير إلى هذه الأساسيّات الزّيديّة ـ كما هي عادة الإثني عشريّة في الحديث عن خصومهم ـ قائلاً: «وروى مصنّف كتاب المصابيح: أنّ […]


#في أثناء شرحه لحال ومصير الإمام الرّابع من أئمّة الزّيديّة الّذي شارك في واقعة كربلاء نصّ المرحوم السيّد عليّ بن طاووس المتوفّى سنة: “664هـ” في كتابه “الّلهوف على قتلى الطّفوف” من دون أن يُشير إلى هذه الأساسيّات الزّيديّة ـ كما هي عادة الإثني عشريّة في الحديث عن خصومهم ـ قائلاً: «وروى مصنّف كتاب المصابيح: أنّ الحسن بن الحسن المُثنّى قتل بين يدي عمّه الحسين “ع” في ذلك اليوم سبعة عشر نفساً، وأصابه ثماني عشرة جراحة فوقع، فأخذه خاله: أسماء بن خارجة، فحمله إلى الكوفة، وداواه حتّى برأ، وحمله إلى المدينة، وكان معهم أيضاً زيد وعمرو ولدا الحسن السّبط “ع”، فجعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون، فقال عليّ بن الحسين “ع”: تنوحون وتبكون من أجلنا، فمن ذا الّذي قتلنا؟!» [الّلهوف: ص145].
#ولم يقتصر أبن طاووس في نقله عن كتاب المصابيح على هذه المرّة فقط، بل نقل عنه في كتابه الشّهير: إقبال الأعمال أيضاً مرّتين وهما:
#الأولى: «ومن الأخبار الشّاهدة بمعرفتهم بالحقّ ما رواه أحمد بن إبراهيم الحسيني من كتاب المصابيح بإسناده: أنّ جماعة سألوا عبد الله بن الحسن [المثنّى] وهو في المحمل الّذي حمل فيه إلى سجن الكوفة، فقلنا: يابن رسول الله محمّد ابنك المهديّ؟ فقال: يخرج محمّد من ها هنا ـ وأشار إلى المدينة ـ فيكون كلحس الثّور أنفه حتّى يُقتل، ولكن إذا سمعتم بالمأثور وقد خرج من خراسان وهو صاحبكم». [إقبال الأعمال: ج1، ص87].
#والثّانية: «حتّى رأيت في كتاب المصابيح بإسناده إلى جعفر بن محمّد “ع” قال: قال لي أبي محمّد بن عليّ [الباقر]: سألت أبي عليّ بن الحسين [السجّاد] عن حمل يزيد له فقال: حملني على بعير من غير وطاء، ورأس الحسين “ع” على علم، ونسوتنا خلفنا على بغال أكفّ، والفارطة خلفنا وحولنا بالرّماح، إن دمعت من أحدنا عين قُرع رأسه بالرّمح، حتّى إذا دخلنا دمشق صاح صائح: يا أهل الشّام هؤلاء سبايا أهل البيت الملعون». [إقبال الأعمال: ج1، ص89].
#كلّ هذه النّقولات تؤكّد بما لا مجال للشّك أيضاً على إنّ كتاب المصابيح كان أحد مصادر ابن طاووس في تصنيفه كتاب الّلهوف وكتابه إقبال الأعمال أيضاً، وهنا يحقّ لك أن تسأل وتقول: ما علاقة كتاب المصابيح الزّيدي بمحلّ بحثنا؟!
#والجواب: إنّ علاقة كتاب المصابيح الزّيديّ بمحلّ بحثنا علاقة صميميّة جدّاً؛ وذلك لأنّنا نحتمل احتمالاً مؤكّداً ـ إن لم نقل جازماً ـ بأنّ المصدر الأصليّ الّذي استقى منه ابن طاووس رواية النّواويس وكربلاء المشهورة هو: كتاب المصابيح الزّيدي؛ وذلك لأنّه المصدر الحديثيّ الأوّل واليتيم الّذي روى هذه الرّواية بإسناد متّصل صحيح عندهم إلى زيد الشهيد عن أبيه زين العابدين السجّاد “ع” الّذي كان برفقة والده أثناء واقعة كربلاء، وقد أوردها كأحد أحداث الّليلة الأخيرة من هذه الواقعة الأليمة كما سنقرأها من سياقها ومفرداتها، لا أنّها قيلت في مكّة حينما أراد الحسين بن عليّ “ع” الخروج منها إلى العراق كما سوّقها ابن طاووس، كما فقدت صيغة الرّواية ـ كما جاء في مصدرها الأصلي ـ جملة من المفردات الّتي جاءت في صيغة الرّواية حسب نقل الّلهوف والّتي تُعدّ الرّكائز الأساسيّة الّتي استند إليها أصحاب نظريّة الشّهادة في تشييد نظريّتهم، لكن دعونا في بداية الأمر أن نطلّ بإيجاز على كتاب المصابيح ومصنّفه أيضاً، ومن ثمّ ننتقل لعرض صيغة الرّواية كما جاء فيه، ونختم الحديث بعدها في بيان الفوارق والملاحظات وأجوبة بعض ما يلوح من اعتراضات:
#يُعتبر كتاب المصابيح من أهمّ المصادر الأصليّة لكتب الزّيديّة، وهو من تصنيف: أبو العبّاس أحمد بن إبراهيم الحسني من أحفاد الحسن المثلّث [حفيد الحسن المجتبى “ع”] المتوفّى سنة: “353هـ”، وهو أحد علماء الزّيديّة الّذي عاش في القرن الرّابع الهجري، ودفن حسب الظّاهر في بعض مناطق تمركز الزّيديّة حينها آمل أو جرجان الإيرانيّة.
#جاء في كتاب المصابيح وهو يتحدّث عن أحداث واقعة كربلاء الأخيرة: «أخبرنا محمّد بن عبد الله بن أيّوب البجلي؛ بإسناده عن زيد بن عليّ، عن أبيه “عليهم السّلام”، أنّ الحسين “صلوات الله عليه” خطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها النّاس؛ خُطّ الموت على ابن آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، ما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وأخيه، وأنّ لي لمصرعاً أنا لاقيه، كأنّي أنظر إلى أوصالي تقطّعها عسلان الفلوات، غُبراً عُفراً بين كربلاء وبراريس [وفي نسخة نواويس]؛ قد ملأت منّي أكراشاً جوفاً، رضا الله رضانا أهل البيت، فصبراً على بلائه ليوفّينا أجر الصّابرين، لن تشذّ عن رسول الله حرمته وعترته، ولن تُفرّق أعضاؤه، وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تقرّ بهم عينه، وينجز لهم عدّته، من كان فينا باذلاً مهجته، فليرحل فإنّي راحل غداً إن شاء الله عزّ وجلّ، ثمّ نهض إلى عدوّه فاستشهد». [المصابيح: ص371].
#ومن الواضح: إنّ أوّل ملاحظة تقفز أمام المقارِن بين هذين النّصين هو لحظة إلقائه؛ إذ يدّعي ابن طاووس إنّه ألقي في ليلة خروج الحسين بن عليّ “ع” من مكّة إلى العراق، وهذه نقطة مفصليّة هامّة يستند إليها أصحاب نظريّة الشّهادة في تدعيم نظريّتهم، بينما خلت الرّواية في مصدرها الأصليّ من هذا الادّعاء؛ حيث أورد النّص في سياق الحديث عن أحداث ليلة المعركة وساعاتها الأخيرة، خصوصاً إذا لحظنا ذيله الّذي غاب عن نقل الّلهوف وهو: «ثمّ نهض إلى عدوّه فاستشهد “صلوات لله عليه”».
#كما خلا النصّ الثّاني المسند من أيّ إشارة إلى فرضيّة علمه المسبق بمقتله على الإطلاق، بينما وظّف النّص الأوّل مجموعة مفردات للدّلالة على ذلك، فجاءت مفردات: “خِيرَ”؛ “لا محيص من يوم خطّ بالقلم”، على إنّ نفس هذه الرّواية رواها عن أبي العبّاس الحسني مباشرة: أبو طالب يحيى بن الحسين الّذي هو من أحفاد زيد بن الحسن بن عليّ “ع والمتوفّى سنة: 424هـ، في كتابه: “تيسير المطالب في مناقب آل أبي طالب”، وقد خلت من عبارة: “بين كربلاء والبراريس، أو النّواويس، أو بين النّواويس وكربلاء” على اختلاف النّسخ والمنقولات. [تيسير المطالب: ص282]. [يُتبع]
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...