خطبة بين النّواويس وكربلاء في ميزان النّقد!! الحلقة الرّابعة

29 سبتمبر 2018
32
ميثاق العسر

#يبدو لي إنّ السيّد عليّ بن طاووس لم يكن على معرفة كاملة بكتاب المصابيح أصلاً ولا بمصنّفه؛ فقد رأيناه في كتاب الإقبال جعل نسبه حسينيّاً [إقبال الأعمال: ج1، ص87]، مع إنّه حسنيّ بالاتّفاق، كما إنّنا بحثنا عن النصّ الثّاني المنقول في الإقبال والّذي ادّعى ابن طاووس روايته عن كتاب المصابيح فلم نعثر عليه في النّسخة […]


#يبدو لي إنّ السيّد عليّ بن طاووس لم يكن على معرفة كاملة بكتاب المصابيح أصلاً ولا بمصنّفه؛ فقد رأيناه في كتاب الإقبال جعل نسبه حسينيّاً [إقبال الأعمال: ج1، ص87]، مع إنّه حسنيّ بالاتّفاق، كما إنّنا بحثنا عن النصّ الثّاني المنقول في الإقبال والّذي ادّعى ابن طاووس روايته عن كتاب المصابيح فلم نعثر عليه في النّسخة المطبوعة من كتاب المصابيح والّتي استندت في طباعتها إلى أربعة نسخ خطيّة وبأسانيد كثيرة حسب ما جاء في المقدّمة، كما بتر من النصّ الأوّل المنقول عنه في الإقبال عبارة: «ثمّ يخرج إبراهيم من هنا فيكون كلحس الثّور أنفه [حّتى يُقتل في بعض النّسخ]» [المصابيح: ص436].
#والظّاهر: إنّ ابن طاووس ـ وهو في عنفوان شبابه ـ ارتكب خطأً كبيراً في نقله لهذه الخطبة للأسف الشّديد؛ حيث نقل لها إضافات خلا منها مصدرها الأصليّ مسبّباً حصول مشاكل طويلة عريضة في فهم حركة الحسين بن عليّ “ع”؛ فالخطبة ـ كما جاءت في المصابيح ـ لم تكن في لحظة خروج الحسين من مكّة نحو العراق أصلاً، ولم تكن تحتوي على جملة من المفردات الأساسيّة الّتي اعتمد عليها القائلون بنظريّة الشّهادة في تمرير نظريّتهم، والمؤسف إنّ حسن الظّن الأكثر من الّلازم بنقولات ابن طاووس سبّب ويسبّب لنا مشاكل مفصليّة لازلنا ندفع ثمنها حتّى الّلحظة، وعلى المرجع أو المنبري أن يكون باحثاً دقيقاً في أمثال هذه المواطن لا مقلّداً في نقله.
#كما إنّ التّذرّع باحتمال أن يكون ابن طاووس قد استقى الرّواية من مصدر آخر غير المصابيح غير نافع أصلاً؛ وذلك لأنّنا أوضحنا خلو المصادر السُنيّة والإثني عشريّة المتقدّمة عن مرحلة ابن طاووس من هذه الرّواية وإنّ مصدرها الوحيد هو كتاب المصابيح الزّيدي خصوصاً مع نقل ابن طاووس عنه في الّلهوف محلّ البحث، كما إنّ التّذرّع باحتمال اختلاف النّسخة الموجودة لكتاب المصابيح الّتي اعتمدها ابن طاووس مستبعد جدّاً بعد ما عرفنا خلو أربع نسخ من هذا الكتاب من إضافاته، بل إنّنا إذا عدنا إلى كتاب تيسير المطالب في أمالي آل أبي طالب ليحيى بن الحسين بن هارون المتوفّى سنة: “424هـ” والّذي روى الرّواية عن صاحب المصابيح مباشرة فلا نجد جملة من المفردات الأساسيّة الّتي جاءت في كتاب الّلهوف فيها؛ حيث قال:
#أخبرنا أبو العبّاس أحمد بن إبراهيم الحسني رحمه الله [مصنّف المصابيح، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن أيّوب البجلي، قال: حدّثنا عليّ بن عبد العزيز العكبري، قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن يحيى، عن أبيه، عن تميم بن أبي ربيعة الرّياحي، عن زيد بن عليّ، عن أبيه ع: إنّ الحسين بن عليّ “ع” خطب أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها النّاس خطّ الموت على بني آدم كخطّ القلادة على جيد الفتاة، ما أولعني بالشّوق إلى أسلافي اشتياق يعقوب “ع” إلى يوسف وأخيه، وإنّ لي مصرعاً أنا لاقيه، كأنّي أنظر إلى أوصالي تقطّعها وحوش الفلوات غُبراً وعُفراً، قد ملأت منّي أكراشها، رضى الله رضانا أهل البيت، فصبراً على بلائه ليوفّينا أجور الصّابرين، لن تشذّ عن رسول الله حرمته وعترته، ولن تفارقه أعضاؤه، وهي مجموعة له في حظيرة القُدس تقرّ به عينه، وتنجز بهم عدّته، من كان فينا باذلاً مهجته فليرحل فإنّي راحل غداً إن شاء الله، ثمّ نهض إلى عدوّه فاستشهد “صلوات لله عليه”» [تيسير المطالب: ص282].
#نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لتقديم دراسات لاحقة عن شخصيّة المرحوم السيّد علي بن طاووس وأسباب تسليم العلماء الّلاحقين لإخباراته ونقولاته دون تفحّص ومراجعة وتدقيق، وهو أمر كلّفنا ولا زال يكلّفنا الكثير، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...