خرس الحسين المذهبي ودخالته في تكبيرات الصّلاة!! الحلقة الثّانية

28 سبتمبر 2019
39
ميثاق العسر

#بعد أن عرفنا لسان حال معظم الرّوايات المنقولة والمعتمدة في مقام الإفتاء والمرتبطة بذكر علل استحباب الإتيان بسبع تكبيرات في افتتاحيّة الصّلوات اليوميّة، وكذلك حال الرّوايات المذهبيّة المتحدّثة عن أسباب زيادة عدد تكبيرات صلاة العيد، من حقّك أن تسأل: إذا كان الرّسول الأكرم “ص” يتعامل مع الصّلاة ويشرعن أجزاءها بهذه الطّريقة انسياقاً مع طفولة أسباطه، […]


#بعد أن عرفنا لسان حال معظم الرّوايات المنقولة والمعتمدة في مقام الإفتاء والمرتبطة بذكر علل استحباب الإتيان بسبع تكبيرات في افتتاحيّة الصّلوات اليوميّة، وكذلك حال الرّوايات المذهبيّة المتحدّثة عن أسباب زيادة عدد تكبيرات صلاة العيد، من حقّك أن تسأل: إذا كان الرّسول الأكرم “ص” يتعامل مع الصّلاة ويشرعن أجزاءها بهذه الطّريقة انسياقاً مع طفولة أسباطه، فما هو المُلزم لنا باتّباعه واقتفائه؟! وإذا كانت هذه الأمور شخصيّة فكيف عمد الفقهاء إلى استنباط أحكام دائميّة منها؟!
#سنؤجل الحديث عن إجابة هذه الأسئلة، ونتعرض في بداية الأمر لمحاولات الفقهاء الإثني عشريّة في دفع الاعتراضات والاشكالات المتراءية أمام هذه النّصوص وكيفيّة الجمع بينها أيضاً، وسنضع ذلك في نقاط:
#الأولى: ذهب المرحوم الصّدوق بعد أن عرض روايات علل تكبيرات الصّلوات اليوميّة إلى عدم وجود تعارض بينها أصلاً؛ حيث نصّ على طريقته قائلاً: «وهذه العلل كلّها صحيحة، وكثرة العلل للشّي‏ء تزيده تأكيداً، ولا يدخل هذا في التّناقض». [الفقيه: ج1، ص306].
#الثّانية: وهذا التّوجيه وإن صدق إثباتيّاً في عدم تأثّر الحكم الفقهيّ الإثني عشريّ باستحباب التّكبيرات السّبع عمليّاً، لكنّه لم يحلّ المشكلة ثبوتيّاً؛ إذ لم نعرف الطّريق الّذي تمكّن الصّدوق من خلاله دفع التّكاذب البيّن في هذه النّصوص وإنّ كان مدلولها الفقهيّ العمليّ واحد، وكثرة العلل من هذا القبيل قد تؤكّد انبغاء المعلول واستحبابه، لكنّ ذلك لا يعني كون منشأها واحداً.
#الثّالثة: أمّا السيّد عليّ بن طاووس المتوفّى سنة: “664هـ” فقد روى بإسناده إلى زرارة عن الباقر “ع” حكاية تأخّر النّطق واحتماليّة الخرس في كتابه فلاح السّائل ناسباً إيّاها للحسن بن عليّ “ع” وليس للحسين “ع”، وقدعلّق بعدها بالقول: «لا يقال: وكيف صار تكبير الحسن “ع” وهو صبي طفل ومتابعة رسول الله “ص” سنّة في الإسلام؛ لأنّ الجواب عن ذلك أنّ النّبي “ص” ما ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى، فيكون الله جلّ جلاله قد أوحى إليه بأنّ يجعل ذلك سنّة له “ص”». [مفتاح الفلاح: ص131].
#الرّابعة: نحن نتحفّظ جدّاً تجاه هذا النّمط من التّفكير، ولا نعتقد أنّ ممارسات الرّسول الأكرم”ص” من هذا القبيل داخلة في كبرى ما ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى، نعم؛ هذه النّصوص ـ رغم كونها ساقطة عن الحجيّة ـ تنسجم مع المبنى المختار الّذي يرى: أنّ طرائق الصّلاة الثّنائيّة والثّلاثيّة والرّباعيّة إنّما هي طرائق نبويّة يمكن إعمال النّظر والاجتهاد فيها في سياق الأمر القرآنيّ النّاصّ على ضرورة صلاة ما، وتفصيل ذلك في محلّه.
#الخامسة: أمّا صاحب الحدائق البحرانيّ المتوفّى سنة: “1186هـ” فقد استعرض كعادته بعض النّصوص الرّوائيّة أعلاه وعاد ليطرح إشكالاً مذهبيّاً هامّاً قائلاً ما مفاده: إذا كانوا “ع” ينطقون من ساعة ولادتهم كما وردت به الأخبار فكيف يمتنع عليهم النّطق في هذه الصّورة؟! وفي مقام إجابة هذا الإشكال نقل ما أفاده شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي المتوفّى سنة: “1110هـ” في طرح احتماليّة أن يكون الخوف من عدم كلامه عند النّاس لا عنده “ص”، لكنّه استبعد هذا التّوجيه المذهبيّ المكرّر، طارحاً توجيهاً مذهبيّاً آخر أيضاً واصفاً إيّاه بالحقّ في المقام الّذي لا يعتريه نقض ولا إبرام، فقال: «لا يخفى على المتأمّل في أخبارهم والمتطلّع في أحوالهم أنّهم “ع” في مقام إظهار المعجز لهم حالات غير حالات النّاس، وأمّا في غير ذلك فإنّهم يقدرون أنفسهم بالنّاس في صحّة ومرض وغناء وفقر ونزول بلاء ونحو ذلك، وهذا [أي عدم النّطق] من جملته؛ فإنّهم “ع” لا ينطقون إلّا إذا أنطقهم الله تعالى كما ينطق سائر الصبيان، ولا يطلبون منه إلّا ما يقدّره ويريده، فليس لهم إرادة زائدة على إرادته تعالى بهم “ع”، وإن كانوا لو شاؤا لفعلوا ما يريدون». [الحدائق النّاضرة: ج8، ص24].
#السّادسة: هذا التّوجيه ينطلق من مصادرات مذهبيّة عميقة مستلّة من نصوصهم أنفسهم أو متّكئة عليها وبالتّالي: يواجه مشكلة معرفيّة منطقيّة هامّة نوّهنا لها في دراسات سابقة؛ إذ لا يمكن التّفريق العلميّ بين نصوصهم وممارساتهم المنقولة والتّبرير الدّينيّ لها من خلال نصوصهم وممارساتهم نفسها، وإنّما ينبغي أن يُصار إلى مرجعيّة معرفيّة أعلى.
#السّابعة: أمّا أستاذ الفقهاء والمراجع الإثني عشريّة في القرن الأخير أعني المرحوم محمّد حسين النّائيني المتوفّى سنة: “1355هـ” فبعد أن عرض بعض النّصوص الرّوائيّة الآنفة الذّكر والمرتبطة بتكبيرات الصّلوات اليوميّة المتعارضة ظاهراً، ناقش في ذلك قائلاً: «ولكنّ الإنصاف أنّه لا معارضة بينهما؛ لإمكان أن يكون ما صدر عنه “ص” في ليلة المعراج علّة للتّشريع في الواقع وعالم الباطن، وما صدر عنه “ع” في قضية الحسين “ع” علّة للتشريع في عالم الظاهر [!!]». [كتاب الصّلاة، تقريراً لأبحاث الميرزا النّائيني: ج2، ص57]، وكم كنّا نتمنّى على المرحوم الميرزا أن يبتعد عن ذكر هذه التّبرعّيات الباطنيّة المذهبيّة الّتي لا تستند إلى دليل سوى ضيق الخناق المذهبيّ الصّرف.
#الثّامنة: أمّا التّعارض الحاصل ما بين الرّوايات الّتي فرضت أنّ السُنّة في الصّلاة اليوميّة عائدة إلى تأخّر نطق الحسين بن عليّ “ع” وإنّ السُنّة في تكبيرات صلاة العيد عائدة إلى تأخّر نطق شقيقه الحسن “ع”، فقد استقرب المرحوم الشّوشتري المتوفّى سنة: “1416هـ” أن يكون الجمع بينهما «بكون الافتتاحيّة في الحسين “ع” والعيديّة في الحسن “ع”» [النّجعة: ج2، ص312]، وهذا يعني: أنّ كلاً منهما كان يُعاني من الثقل في لسانه وبُطء الكلام!!
#وأخيراً لا آخراً: إنّ من يطّلع بتجرّد على هذا النّمط من التّفكير وفي كلمات الكبار أيضاً فعليه أن يغسل يديه بستّين طشتاً من عمليّات الإصلاح المذهبي المدّعاة من داخل الأروقة الحوزويّة؛ لأنّها لا تستطيع ـ مهما أوتي أصحابها من عبقريّة ونضوج ـ أن تتخطّى نصوص الحسين المذهبي المولودة لاحقاً، أعني: النّصوص الّتي ولدت في أيّام صناعة المذاهب وإثبات الذّات وصراع البيت العلويّ على الإمامة والزّعامة في مطلع القرن الثّاني الهجري وما بعد، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#الحسين_المذهبي
#الإمامة_الإلهيّة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...