خرافة فرحة الزّهراء ودور الفقهاء في شرعنتها!! الحلقة الحادية والعشرون

9 ديسمبر 2018
565
ميثاق العسر

#لا شكّ في إنّ الأحكام الشرعيّة عند الفقهاء الإثني عشريّة بحاجة إلى مستندات شرعيّة يعبّر عنها علماء أصول الفقه بالحجج والأمارات، وبالتّالي فإنّ أيّ حكم من الأحكام الشّرعيّة يحتاج إلى مسوّغ شرعيّ يقف خلفه، وحينما نسأل الفقهاء والمراجع الإثني عشريّة المعاصرين عن المسوّغ الشّرعي الّذي استندوا إليه في الإفتاء بانبغاء الاستحمام في اليوم التّاسع من […]


#لا شكّ في إنّ الأحكام الشرعيّة عند الفقهاء الإثني عشريّة بحاجة إلى مستندات شرعيّة يعبّر عنها علماء أصول الفقه بالحجج والأمارات، وبالتّالي فإنّ أيّ حكم من الأحكام الشّرعيّة يحتاج إلى مسوّغ شرعيّ يقف خلفه، وحينما نسأل الفقهاء والمراجع الإثني عشريّة المعاصرين عن المسوّغ الشّرعي الّذي استندوا إليه في الإفتاء بانبغاء الاستحمام في اليوم التّاسع من شهر ربيع الأوّل، فسيتّفقون على انبغاء ذلك، لكنّهم يختلفون في إنّ ذلك هل هو بنحو الاستحباب أم بنحو رجاء المطلوبيّة.
#وقبل أن أقدّم إيضاحات حول هذا الموضوع يحسن بي أن استعرض الّلحظة التّاريخيّة الّتي وظّف فيها الفقهاء الإثنا عشريّة الّلاحقون لمرحلة التّدوين الصّفويّ رواية خرافة فرحة الزّهراء أو عيد بابا شجاع الدّين في بحوثه الفقهيّة؛ لنستكشف من خلال ذلك طبيعة الأحكام الّتي استنبطوها وطبيعة مرتكزاتها أيضاً.
#الظّاهر إنّ أوّل فقيه إثني عشريّ مارس ذلك هو المرحوم السيّد محمّد مهدي البروجردي الطّباطبائي المعروف ببحر العلوم المتوفّى سنة: “1212هـ” [الجدّ الأعلى للسّادة بحر العلوم] في كتابه المنسوب إليه مصابيح الأحكام؛ حيث ذهب إلى استحباب الغسل في اليوم التّاسع من شهر ربيع الأوّل استناداً إلى هذه الرّواية، وقدّم بيانين لذلك: الأوّل: ما نقله بلفظ حُكي من فعل أحمد بن إسحاق القمّي له؛ معلّلاً ذلك بكونه يوم عيد. والثّاني: ما روي من حصول الأمر العظيم الّذي يسرّ المؤمنين ويكيد الكافرين فيه، ويقصد مقتل عمر بن الخطّاب.
#لكنّه ناقش في الثّاني بدعوى: إنّ المشهور بين علمائنا وعلماء الجمهور وقوعه في السّادس والعشرين وقيل في السّابع والعشرين من ذي الحجّة، ليعود بعد ذلك ليناقش في دليل رجحان الغسل؛ حيث ذهب إلى إنّ أحمد بن إسحاق لم يُسند الغسل إلى النّص؛ بل أسنده إلى كونه من الأعياد. [مصابيح الأحكام: ج2، ص554].
#نعم؛ تبقى هناك مشكلة صغيرة في المصنّف الحقيقيّ لكتاب المصابيح؛ فهل هو بحر العلوم أو أحد طلّابه، ومن هنا نص صاحب الجواهر على إنّ المظنون به: «أنّ المصابيح قد جمعت بعد وفاته من أوراق وحواشي ونحو ذلك، وفيها المنسوخ وغيره، فاشتبه على الجامع وجعلها مصباحاً». [جواهر الكلام: ج‌32، ص44]، والأمر سهل ما دام الفقهاء الّلاحقون قد اعتمدوا على نصوصه في هذا الخصوص كما سيتّضح لاحقاً.
#وحينما وصل الأمر إلى المرحوم محمّد حسن الملقّب بالنّجفي المتوفّى سنة: “1266هـ” [صاحب جواهر الكلام والجدّ الأعلى لأسرة الجواهري] نجد إنّ الأمر تطوّر تطوّراً لافتاً؛ إذ أقدم على نقل كلام المصابيح آنف الذّكر، وتحفّظ ـ في نفس الوقت ـ بشدّة على ما جاء فيه من كون مقتل عمر بن الخطّاب في أواخر ذي الحجّة؛ وادّعى إنّ ما هو معروف بين الشّيعة الإثني عشريّة في وقته إنّما هو في اليوم التّاسع من ربيع الأوّل، ولم يكتف الجواهري بذلك؛ بل نصّ على عثوره «على خبر مسندٍ إلى النبيّ “ص” في فضل هذا اليوم وشرفه وبركته، وأنّه يوم سرور لهم “ع” ما يحير فيه الذهن، وهو طويل، وفيه تصريح باتّفاق ذلك الأمر فيه» كما هي تعبيراته.[جواهر الكلام: ج5، ص43]. وإذا كان هذا حال صاحب الجواهر في وصف الرّواية النّصيريّة بمثل هذه الأوصاف دون تدبّر ولا تحقيق ولا مراجعة فعلى غيره من الفقهاء الإثني عشريّة السّلام!!
#وحينما وصلت النّوبة إلى تلميذه المرحوم مرتضى الأنصاري المتوفّى سنة: “1281هـ” [صاحب كتاب المكاسب والمعروف في الأوساط بالشّيخ الأعظم] أقدم على الافتاء باستحباب الغسل في اليوم التّاسع من ربيع الأوّل؛ وذلك لما حكاه المجلسي في زاد المعاد من فعل أحمد بن إسحاق معلّلاً ذلك بأنّه يوم عيد حسب تعبيره، وأقدم على نقل ما جاء في المصابيح أيضاً من مناقشات في سبب هذا اليوم، وختم كلامه أخيراً باحتمال أن تكون فتوى أحمد بن إسحاق بانبغاء الاستحمام في هذا اليوم ـ بسبب كونه عيداً ـ ناتجة من رواية عامّة شاملة لجميع الأعياد، وهذا المقدار كافٍ للحكم بالاستحباب حسب تعبيره. [كتاب الطّهارة، مرتضى الأنصاري، ط الحجريّة: ص320]، وليت شعري: أ لم يكن الأجدر بالأنصاري أن يُتعب نفسه الشّريفة في مراجعة حال الرّواية بدل أن يسهّل الأمر على مقلّديه من الفقهاء الّلاحقين لتطبيق قواعد أصوليّة ناجزة تهدف إلى تبرير مثل هذه الخرافات؟!
#وبعد أن طُرحت هذه الفتوى في كلمات بحر العلوم وصاحب الجواهر والأنصاري وبهذه الطّريقة من البيانات، استحكمت في المدوّنات الفقهيّة للفقهاء الإثني عشريّة الّلاحقين استحكام الفولاذ، وأصبحت من الضّرورات في رسائلهم العمليّة تقريباً، نعم؛ حيث إنّ بعض الفقهاء المعاصرين حكم بضعف هذه الرّواية سنديّاً وربّما تاريخيّاً فلم يقبل استنباط حكم الاستحباب منها باعتبار مبناه الأصوليّ الرّافض لقاعدة التّسامح وأخبار من بلغ، لكنّهم مع هذا كلّه لجأوا إلى استحداث قاعدة ثانية عبّروا عنها برجاء المطلوبيّة؛ بمعنى: إنّ على العبد أن يستحمّ في هذا اليوم لا بداعي الاستحباب، وإنّما برجاء أن يكون هذا الأمر مطلوباً عند الله تعالى وسيحصل الثّواب إن شاء الله.
#وعلى أساس ما تقدّم: جاءت الفتوى في انبغاء الاستحمام في اليوم التّاسع من ربيع الأوّل إمّا بنحو الاستحباب أو بنحو رجاء المطلوبيّة في: كلمات عموم الفقهاء المعاصرين، بدءاً من اليزدي صاحب العروة وأبو الحسن الأصفهاني في وسيلة النّجاة، وهكذا حتّى منهاج الصّالحين للمرحوم الخوئي وعموم تلامذته وتلامذة تلامذته أيضاً، كما تسرّبت هذه الرّواية إلى كتاب جامع الأحاديث الشّيعيّة للبروجردي وانعكست الفتوى فيها أيضاً على كلمات تلامذته من فقهاء ومراجع قم كذلك، نعم حذفها المرحوم محسن الحكيم من رسالته العمليّة منهاج الصّالحين وأحد تلامذته الّذي كتب رسالته العمليّة على ضوء رسالته، فهل وعيت لدور الفقهاء والمراجع الإثني عشرية في تمرير هذه الخرافة وتركيزها بشتّى الطّرق والأساليب؟!
#وفي نهاية هذا الاستعراض لكلمات الفقهاء والمراجع الإثني عشريّة وآليّات شرعنتهم لرواية فرحة الزّهراء المعروفة من المناسب الإشارة إلى تعليقين:
#الأوّل: في تعليقته على فتوى العروة الوثقى النّاصّة على استحباب الغسل في اليوم التّاسع من ربيع الأوّل علّق المرحوم عبد الأعلى السّبزواري المتوفّى سنة: “1414هـ” قائلاً: إنّ هذا الحكم «بناء على استحبابه لكلّ عيد وأنّه عيد، وقد نقل السيد ابن طاوس عن أحمد بن إسحاق قال: “خرج العسكري في اليوم التّاسع من ربيع الأوّل وهو مستور بمئزر يفوح مسكاً وهو يمسح وجهه، فأنكرنا ذلك عليه، فقال: لا عليكما فإنّي اغتسلت للعيد، قلنا: أو هذا يوم عيد؟! قال: نعم» [مهذّب الأحكام: ج4، ص294].
#وقد اتّضح ممّا تقدّم من تفصيل ما يرد على كلامه “رحمه الله” من ملاحظات؛ إذ إنّ النّاقل للرّواية هو نجل ابن طاووس لا ابن طاووس نفسه، كما إنّ من خرج بهذه الطّريقة واُعترض عليه هو أحمد بن إسحاق القمّي لا الهادي “ع”، فليُتأمّل.
#الثّاني: نصّ المرحوم الاشتهاردي المتوفّى سنة: “1429هـ” في كتابه مدارك العروة بعد أن نقل رواية فرحة الزّهراء من كتاب مستدرك الوسائل وما جاء في كتاب المصابيح والخلاف حول اليوم الّذي قتل فيه عمر بن الخطّاب قائلاً: «أقول: إن ثبت ذلك فلا يبعد أن يقال باستحبابه [الغسل] بناءً على استحبابه في كلّ يوم شريف؛ فإنّه لا شبهة في شرافة مثل اليوم الّذي فيه سرور قلب فاطمة “ع” وأولادها المعصومين وشيعتهم الذين تشخص أبصارهم إلى شفاعتهم: “يوم لا يُغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم يُنصرون”، وإلّا فمجرّد فعل أحمد بن إسحاق لا يدلّ على ثبوته؛ لاحتمال أن يكون ذلك اليوم الذي اغتسل فيه منطبقاً مع بعض الأيام الأخر مثل كونه جمعة فتأمّل، أو كونه يوم نيروز أو غير ذلك، فالأولى الإتيان به رجاء». [مدارك العروة الوثقى: ج9، ص296].
#وما ذكره “رحمه الله” بالإضافة إلى الطّائفيّة الافراطيّة الّتي فيه غريب؛ إذ ما دام الفقيه يركن إلى مثل هذه الرّواية في تقرير الحكم بانبغاء الاستحمام في مثل هذا اليوم، فإنّ استحمام أحمد بن إسحاق قد نتج من أمر فوقانيّ حاثّ على ذلك وجاعلاً إيّاه يوم عيد بسبب مقتل عمر بن الخطّاب فيه كما هو مفاد الرّواية الّتي سمعها من الهادي “ع” حسب الفرض، ولم يركن الفقهاء إلى استحمام أحمد بن إسحاق بمجرّده في هذا اليوم للافتاء بانبغاء الاستحباب لكي يقال بعدم دلالة فعله المجرّد على ذلك لاحتمال ترشّحه من دواع أخرى، فليُتأمّل.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...