خرافة فرحة الزّهراء ودور الفقهاء في شرعنتها!! الحلقة العشرون

9 ديسمبر 2018
625
ميثاق العسر

#بعد أن بيّنا في الحلقة السّابقة مضامين رواية خرافة فرحة الزّهراء المتسرّبة من التّراث النّصيري العلوي يحسن بنا إيجاز بعض الملاحظات العاجلة لبيان ما لا يُلتفت إليه عادة في مناقشة أمثال هذه النّصوص، ونترك التأمّلات الواضحة لنباهة القارئ: #الأولى: يبدو إنّ النّزاع الّذي حصل بين الرّاويين المباشرين للرّواية والّذي دعاهما للذّهاب إلى أحمد بن إسحاق […]


#بعد أن بيّنا في الحلقة السّابقة مضامين رواية خرافة فرحة الزّهراء المتسرّبة من التّراث النّصيري العلوي يحسن بنا إيجاز بعض الملاحظات العاجلة لبيان ما لا يُلتفت إليه عادة في مناقشة أمثال هذه النّصوص، ونترك التأمّلات الواضحة لنباهة القارئ:
#الأولى: يبدو إنّ النّزاع الّذي حصل بين الرّاويين المباشرين للرّواية والّذي دعاهما للذّهاب إلى أحمد بن إسحاق القمّي يتعلّق بأبي الخطّاب: محمّد بن مقلاص الأسدي الكوفي المُكنّى بأبي زينب أيضاً كما هي الصّيغة الواردة في مصدرها النّصيريّ الأمّ؛ باعتبار إنّ الفرقة النّصيريّة تعدّه من كبارها، والّذي أجمعت الطّائفة الإثني عشريّة على لعنه وعدم الأخذ بمرويّاته بعد لحظة الّلعن الواردة في حقّه من قبل الصّادق “ع” كما هو المرويّ عندهم، لا بعمر بن الخطّاب كما هو الظّاهر من الرّواية حين تسرّبها إلى الموروث الإثني عشريّ وتوظيفها.
#الثّانية: أوضحنا في دراسات سابقة الخلل الواضح في أمثال هذه النّصوص؛ فهي لا يمكن أن تقنع شخصاً لا يؤمن بالإمامة الإلهيّة وعرضها العريض؛ إذ كيف يمكن تعقّل رواية الجواد “ع” رواية طويلة بهذا المقدار والتّفاصيل لإبنه الهادي “ع” وهو صبيّ لا يتجاوز بضع سنين من دون معرفة كيفيّة اتّصالها بحذيفة؛ وذلك لأنّ ولادة الهادي “ع” كانت في سنة: “214 أو 212هـ”، وكان رحيل أبيه في سنة: “220هـ”، كما إنّ فترة عيشه في مكان واحدٍ مع أبيه الجواد “ع” لم تتجاوز سنين قليلة جدّاً؛ حيث انتقل الجواد “ع” إلى بغداد واستقرّ فيها بطلب من المعتصم حتّى رحيله في سنة: 220هـ، الّلهم إلّا أن يُتمسّك بعنوان الإمامة الإلهيّة وعرضها العريض لترقيع هذا الخلأ البيّن، ولكن عليهم في نفس الوقت أن يحلّوا مشكلة توقيت استدعاء المأمون له إلى بغداد وتزويجه أيضاً من أم الفضل قبل استدعاء المعتصم له.
#الثّالثة: الرّاكز في الأوساط الإثني عشريّة المعاصرة هو: إنّ الهادي “ع” كان تحت الإقامة الجبريّة في سامراء، بل ذهب بعض الصّفويّين الجّدد إلى تصوير سجن خاصّ كان قد وضع به، مع إنّ الرّواية تتحدّث عن وجود خدم وحشم وفرح وسرور ومبخرة واحتفالات؛ إذ قد أوعز “ع” إلى كلّ واحدٍ من خدمه أن يلبس ما يُمكّنهم من الثّياب الجُدد، وكان بين يديه مجمرة يُحرق العود فيها بنفسه”، وهذا يعني: إنّ الهادي “ع” قد قضى عشرات السّنوات من عمره في سامرّاء يحتفل بهذه المناسبة بشكل سنوي وبهذه الطّريقة المُلفتة، ولا يوجد أيّ مضايقات ولا تشديدات ولا سجن ولا إرهاب، والمفروض إنّهم لا يلتزمون بذلك.
#الرّابعة: لدينا تأمّلات كثيرة في حصول لقاء مباشر لأحمد بن إسحاق بن عبد الله القمّي مع الهادي “ع”؛ وذلك لأنّ المروي في الكتب المعتبرة عندهم لا المزيفة هو مجرّد مكاتبات، نعم؛ ورد ذلك في توثيق عثمان بن سعيد العمري، لكن لدينا تحفّظات على هذا النّمط من المرويّات سنذكرها في سلسلة حلقات رواة المهدويّة الإثني عشريّة فترقّب.
#الخامسة: إن فقرة رفع القلم لمدّة ثلاثة أيّام الواردة في الرّواية تنسجم تمام الانسجام مع طبيعة المقولات النّصيريّة العلويّة لمن خبرها، ولا تثريب عليهم في الامتثال لها، لكنّها لا تنسجم مع التّراث الإثني عشريّ بالمطلق؛ فاضطرّوا إثر ذلك إمّا إلى تأويلها أو إسقاط هذه الفقرة بالذّات عن الاعتبار؛ انسياقاً مع مبنى أصوليّ ناجز لأمثال هذه المواطن يُصطلح عليه التّبعيض في الحجيّة كما سنوضح لاحقاً.
#السّادسة: من يقرأ التّراث الواصل والمنسوب إلى صاحب المحتضر الحسن بن سليمان الحلّي العاملي يجده متأثّراً بشكل عميق بالأفكار والمصادر النّصيريّة؛ وعلى سبيل المثال: نصّ المرحوم النّوري على إنّ كتابة الهداية الكبرى المنسوب لمؤسّس هذه الفرقة الحسين بن حمدان الخصيبي: «في غاية المتانة والإتقان، لم نر فيه ما ينافي المذهب، وقد نقل عنه وعن كتابه هذا الإجلاء من المحدّثين، كالشيخ ابي محمد هارون بن موسى التلعكبري [وهو الّذي روى عنه الطّوسي رواية زيارة الأربعين عن صفوان بن مهران ومن شيوخه في الإجازة أيضاً!!]، والشيخ حسن بن سليمان الحلي في منتخب البصائر ورسالة الرجعة [والمفروض أن يُضيف المحتضر أيضاً]، والمولى المجلسي وصاحب العوالم وغيرهم» [نفس الرّحمن: ص566]؛ وهذا يكشف كشفاً واضحاً وجليّاً عن تأثّر صاحب المحتضر بالأفكار والمرويّات النّصيريّة وتضمينها لمؤلّفاته.
#السّابعة: إنّ اختيار الصّحابي حذيفة بن اليمان من قبل واضعي الرّواية ليس أمراً عابراً؛ وإنّما يعود لمميّزات خاصّة أهمّها فرضيّة: كونه صاحب سرّ رسول الله “ص” والعارف باسماء المنافقين، من هنا كان التّصديق بأمثالها من قبل النّصيريّة والإثني عشريّة لا مشكلة فيه؛ وذلك لعدم اطّلاعهم على السّيرة الذاتيّة لحذيفة بن اليمان وعلاقته مع عمر بن الخطّاب، والّتي تتنافى تمام التّنافي مع ما وضع على لسانه في هذه الرّواية؛ حيث كان والياً لإبن الخطّاب في المدائن حتّى مقتل عثمان، كما ذهب ابن حجر إلى ولايته بعض أمور الكوفة لعمر أيضاً، وكان أميراً على جيش الكوفة في معركة نهاوند الّتي ربّما أسر بها قاتل عمر، بل على يديه فتحت جملة من المناطق الفارسيّة الأخرى أيضاً، ولحذيفة مواقف ونصوص واضحة بالضدّ من مقتل عثمان بعد أن شارك في الغزوات في حينه وهناك تفاصيل كثيرة يُرجع إليها في محلّها تتعلّق بسيرته الذّاتيّة وولايته على بعض المناطق بأمر عمر وعثمان، ونقل المزّي عن البخاري رواية بسنده عن أسلم تنصّ على إنّ عمر بن الخطّاب قال: «… أتمنّى أن يكون ملء هذا البيت رجالاً مثل أبي عبيدة الجرّاع ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان فاستعملهم في طاعة الله… ثمّ بعث بمالٍ إلى حذيفة فقال: انظر ما يصنع، فلمّا أتاه قسّمه، فقال عمر: قد قلت لكم…». [تهذيب الكمال: ج5، ص505].
#سنكتفي بهذا المقدار من الملاحظات العاجلة، وننتقل بعدها إلى الّلحظة الزّمانيّة لتوظيف هذه الرّواية في التّراث الفقهي الإثني عشريّ الّلاحق لمرحلة الدّولة الصّفويّة حتّى يومنا هذا؛ لنرى كيف أسهم الفقهاء والمراجع الإثنا عشريّة في شرعنة هذه الخرافة وتأصيلها، فترقّب. [يُتبع].
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...